في الوقت الذي كنت أنهي فيه كتابة مقالة «الماضي يختار المستقبل»، التي نشرتها صباح أمس، محاولا تصوير المفارقة التي تكشفها لوائح المسجلين في القوائم الانتخابية المغربية، كان مئات الشبان والمراهقين المغاربة يلقون بأنفسهم في البحر، محاولين الوصول سباحة إلى مدينة سبتة المحتلة.
في اللوائح الانتخابية، نجد قرابة خمسة ملايين مسجل تجاوزوا سن الستين، مقابل أقل من نصف مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة. وفي البحر، كانت الفئة الغائبة عن الانتخابات هي نفسها الحاضرة بكثافة في واحدة من أخطر موجات الهجرة الجماعية التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
في أحد أكثر المشاهد قسوة، نزلت امرأة إلى البحر رفقة أطفالها الثلاثة، محاولة الوصول بهم سباحة إلى سبتة. انتشلتهم البحرية الملكية المغربية وهم على وشك الغرق.
لم تعد الهجرة هنا مغامرة شبان يعتقدون أنهم قادرون على تحدي البحر، بل صارت قرارا عائليا يأخذ فيه أب أو أم أبناءهم الصغار إلى الماء، لأن ما ينتظرهم في الجهة الأخرى يبدو، في لحظة اليأس، أقل خطرا مما تركوه خلفهم.
خلال يوم واحد، قدرت المصادر الإسبانية عدد الذين انتشلهم الطرفان المغربي والإسباني بأكثر من خمسمائة شخص. وفي السابعة صباحا وحدها، كانت البحرية المغربية قد اعترضت نحو ثلاثمائة سباح، بينما انتشل الحرس المدني الإسباني أكثر من مائة، في وقت كان آخرون يصلون دون أن تنتبه إليهم الدوريات.
خلال أسبوع واحد، نجح أكثر من ألف شخص في دخول سبتة سباحة من محيطيها الحدوديين. ووصل الضغط إلى درجة امتلاء مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، الذي لا تتجاوز طاقته 512 سريرا، واضطرار عشرات القادمين إلى النوم في الشارع وإقامة مخيمات عشوائية قرب المركز.
لكن الأرقام لا تقول كل شيء. فخلف كل رقم اسم وصورة وهاتف ظل يرن دون جواب. هيثم البالغ 19 سنة، شوهد آخر مرة في الفنيدق، وكان ينوي العبور سباحة تلك الليلة. أحمد، 17 سنة، وأخوه عبد الله، 18 سنة، خرجا رفقة صديقهما حمزة، وتركا هاتفيهما في البيت. عثمان ذو العشرين عاما، قطع الطريق من قلعة السراغنة إلى الفنيدق من أجل محاولة السباحة نحو سبتة. ومحمد ك. ومحمد ع.، وهما قاصران من إقليم شفشاون، ارتديا بدلتي غوص واختفيا في البحر. أما عمر ب. البالغ 17 سنة، فنزل ليلا رفقة صديقين، ولم يعد.
تقول التقارير إن أكثر من مائتي محاولة كانت تسجل كل ليلة، وإن أربعة أشخاص غرقوا خلال نهاية أسبوع واحدة، ليرتفع عدد الجثث التي عثر عليها في هذه السواحل منذ بداية السنة إلى 27، فضلا عن عشرات المفقودين الذين لا تعرف أسرهم إن كانوا وصلوا، أو اعتقلوا، أو ما زالوا في البحر.
ومع ذلك، كان بعض الذين بلغوا اليابسة يحتفلون. خرجوا من الماء منهكين، يرفعون أيديهم ويبتسمون للكاميرات، كما لو أنهم وصلوا إلى خط نهاية سباق أولمبي. كانت أجسادهم ترتجف من البرد، لكن فرحتهم كانت حقيقية؛ لأنهم لا يرون في سبتة أرضا محتلة ينبغي استرجاعها، بل أرضا أوروبية ينبغي الوصول إليها. وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاما.
نحن نربي أبناءنا على أن سبتة جزء من الوطن، ثم نراهم يحتفلون بالخروج من الوطن إليها. نحدثهم عن السيادة، فيرون في الجهة الأخرى الخلاص. نقول لهم إن المدينة محتلة، فيعاملونها باعتبارها بوابة حرية. ونستعد لانتخابات يفترض أن تختار مستقبل البلاد، بينما يختار جزء من شبابها مستقبله بالسباحة بعيدا عنها.
المشكلة ليست أن هؤلاء الشبان لا يحبون المغرب. كثير منهم لف أجسادهم بالعلم الوطني، وهتفوا باسمه في مباريات كرة القدم، وخرجوا قبل أشهر يطالبون بإصلاحه. المشكلة أنهم لم يعودوا يرون تناقضا بين حب الوطن والرغبة في الهرب منه. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه علاقة جيل بوطنه.
الشاب الذي يخاطر بالغرق ليس بالضرورة جاحدا أو عديم الانتماء، بل هو نفسه سنجده بمجرد تسوية وضعيته ينافح عن الوطن ويبعث المساعدات المالية والادخار نحو بنوك المغرب. قد يكون وصل إلى قناعة بأن انتماءه لا يوفر له مكانا في الجامعة، ولا عملا، ولا كرامة، ولا قدرة على بناء حياة مستقلة. هو لا يهرب دائما من الجوع، بل من الإحساس بانسداد الأفق أمامه.
صحيح أن التقارير الإسبانية تحدثت عن ضعف المراقبة، وعن شبان يراوغون الجنود، وعن حواجز يسهل تجاوزها، وعن دعوات إلى تشديد الطوق على الشواطئ. لكن البحر لا يمتلئ بمئات الأجساد لأن الحاجز المعدني منخفض، بل لأن الحاجز الاجتماعي داخل البلد مرتفع أكثر مما ينبغي.
يمكن نقل من تم توقيفهم في الحافلات إلى مدن الجنوب، وإخلاء الشواطئ، وتشديد الانتشار الأمني، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الذي حملهم من قلعة السراغنة إلى الفنيدق: لماذا أصبح الموت احتمالا مقبولا قياسا إلى البقاء؟
قد يكون الحكم الأخير للمحكمة العليا الإسبانية، والذي ضيّق إمكان الإعادة الفورية لمن يدخلون سباحة، ساهم في خلق «أثر نداء» جديد. وقد تكون أحوال البحر في الصيف قد جعلت المحاولة تبدو أسهل. وقد تكون صور الناجين على شبكات التواصل قد شجعت آخرين. لكن كل هذه عوامل تفسر التوقيت، ولا تفسر الاستعداد العميق لدى آلاف الشباب للمخاطرة.
إنها تفسر لماذا نزلوا إلى البحر هذا الأسبوع، ولا تفسر لماذا كانوا جاهزين أصلا للنزول إليه. المسألة ليست أزمة حدود فقط، بل أزمة أفق. وهي أزمة تظهر اليوم في صورتين متزامنتين: شباب غائب عن لوائح الناخبين، وشباب حاضر في أمواج البحر.
ما الذي يمكن أن تقوله له الأحزاب وهي تدخل انتخابات 23 شتنبر؟ هل ستطالبه بالثقة في برامجها بعدما غاب عنها في اللوائح؟ هل ستعتبره مجرد كتلة ينبغي إقناعها في الأسابيع الأخيرة؟ وهل يستطيع المرشح الذي يقضي سنوات في بناء شبكة الأعيان والأنصار أن يفهم شابا يقضي ليلة كاملة في السباحة حتى لا يعيش تحت سلطته؟
قبل بضعة أشهر، خرج شباب مغاربة بقدر لافت من السلمية والرقي، مطالبين بالعدالة والإنصاف وفرص العيش الكريم. قيل لهم إن المؤسسات ستنصت، وإن الحوار ممكن، وإن الإصلاح يحتاج إلى الوقت. واليوم، يرد بعضهم بطريقته: لا وقت لدينا.
الذين وصلوا إلى سبتة لم يحققوا بالضرورة حلم الهجرة. كثير منهم وجد نفسه أمام مراكز مكتظة، وشوارع ينام فيها المهاجرون، ومساطر غامضة، ومستقبل قد يكون أقسى مما يتصور. لكنهم حققوا شيئا آخر مهم في وعيهم، وهو أنهم أثبتوا لأنفسهم أنهم استطاعوا مغادرة المكان الذي شعروا أنه لا يريدهم. وهذه شهادة فشل جماعي.
فشل الأسرة والمدرسة والاقتصاد والسياسة والإعلام في إقناع جيل كامل بأن المستقبل يمكن أن يُصنع هنا. وفشل الأحزاب في تحويل غضبه إلى مشاركة، وفشل الدولة في تحويل وطنيته إلى ثقة، وفشل النخب في قراءة الصمت الطويل الذي سبق القفز إلى البحر.
لسنا مطالبين بأن ننظر إلى هؤلاء بوصفهم أبطالا، ولا أن نحول الهجرة غير النظامية إلى ملحمة. البحر قتل أربعة منهم خلال أيام، وابتلع آخرين ما زالت أسرهم تبحث عنهم. لكن ليس مقبولا أيضا أن نراهم مجرد مخالفين للقانون ينبغي اعتراضهم وإبعادهم عن الشواطئ.
إنهم مرآة يظهر فيها وجه بلد يستعد لاختيار مستقبله بواسطة لوائح يطغى عليها الماضي، بينما يسبح مستقبله بعيدا عنه.
المستقبل يسبح إلى سبتة صوت المغرب.
مشاهدة المستقبل يسبح إلى سبتة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المستقبل يسبح إلى سبتة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المستقبل يسبح إلى سبتة.
في الموقع ايضا :