ترك برس
في جنوب غرب تركيا، حيث تمتزج الطبيعة المتوسطية بالتاريخ العريق، يقف موقعا زانثوس وليتون شاهدين على واحدة من أقدم الحضارات التي ازدهرت في الأناضول، وهي الحضارة الليكية. فهذان الموقعان، اللذان يبعد أحدهما عن الآخر نحو أربعة كيلومترات فقط، لا يمثلان مدينتين أثريتين متجاورتين فحسب، بل يجسدان العلاقة الوثيقة بين السلطة السياسية والمعتقد الديني في الحضارة الليكية، التي تركت إرثًا معماريًا وثقافيًا ولغويًا استثنائيًا ما زال يحظى باهتمام الباحثين وعلماء الآثار من مختلف أنحاء العالم.
ونظرًا لقيمتهما التاريخية والإنسانية الفريدة، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) موقعي زانثوس وليتون على قائمة التراث العالمي عام 1988، باعتبارهما من أبرز الشواهد على حضارة ليكيا في العصر الحديدي، ولأنهما يعكسان تفاعلًا حضاريًا مميزًا بين الثقافات الأناضولية واليونانية والرومانية والبيزنطية، فضلًا عن احتوائهما على أهم النقوش المعروفة باللغة الليكية، التي أسهمت في فهم تاريخ هذا الشعب ولغته الهندوأوروبية المنقرضة.
زانثوس.. العاصمة السياسية لليكيا
يعود تاريخ الاستيطان في زانثوس إلى نحو عام 3000 قبل الميلاد، بينما أصبحت في العصور القديمة العاصمة السياسية والإدارية لإقليم ليكيا، الذي ضم عددًا من المدن المزدهرة على الساحل الجنوبي الغربي للأناضول. وتقع المدينة بالقرب من بلدة كينيك، على الحدود الفاصلة بين ولايتي موغلا وأنطاليا، على ضفاف نهر إيشن الذي كان يعرف قديمًا باسم نهر زانثوس.
وشكلت المدينة عبر قرون طويلة مركزًا للحكم والإدارة، وتعاقبت عليها الحضارات الفارسية والهيلينستية والرومانية والبيزنطية، إلا أنها احتفظت بهويتها الليكية المميزة، وهو ما يظهر بوضوح في عمارتها الجنائزية الفريدة التي تمزج بين التقاليد المحلية والتأثيرات اليونانية. وتشير اليونسكو إلى أن هذا الطراز المعماري كان مصدر إلهام لعدد من المعالم الشهيرة في العالم القديم، ومن بينها ضريح هاليكارناسوس، أحد عجائب الدنيا السبع القديمة.
وترتبط زانثوس أيضًا بالأساطير الإغريقية، إذ تنسب الروايات القديمة إليها موطن البطل الليكي ساربيدون، الذي شارك في حرب طروادة إلى جانب الأمير هكتور، وهو ما منح المدينة مكانة خاصة في الأدب والأساطير الكلاسيكية.
معالم أثرية تجسد عظمة المدينة
تحتضن زانثوس مجموعة كبيرة من المنشآت التي تعكس ازدهارها خلال العصور المختلفة. ويعد بوابة ديبيلون، المشيدة بين عامي 68 و70 ميلاديًا من الحجارة الضخمة متعددة الأضلاع، المدخل الجنوبي التاريخي للمدينة.
كما تضم المدينة مسرحًا يتسع لنحو 2200 متفرج، شُيد في العصر الهلنستي ثم أعيد تطويره في العهد الروماني، ويتميز بمدرجاته نصف الدائرية ومداخله المقببة ومبنى المسرح الذي يعكس الخصائص المعمارية الرومانية. وإلى الشمال من المسرح تقع الساحة الرومانية (الأغورا)، وهي ميدان واسع تحيط به الأروقة من جهاته الأربع، وكان يمثل مركز الحياة التجارية والسياسية في المدينة.
ومن أبرز ما يميز زانثوس أيضًا مقابرها الصخرية ومقابر الأعمدة والتوابيت المرتفعة، وهي نماذج معمارية فريدة لا مثيل لها في العالم القديم، وتعكس الطابع الخاص للفن الجنائزي الليكي الذي منح الموقع شهرته العالمية.
ليتون.. القلب الديني للحضارة الليكية
على بعد أربعة كيلومترات فقط من زانثوس، تقع مدينة ليتون التي كانت المركز الديني الأهم في ليكيا والمزار المقدس لاتحاد المدن الليكية. ولم تكن المدينة مجرد مجمع للمعابد، بل مثلت أيضًا المكان الذي كانت تعلن فيه القرارات الدينية والسياسية الكبرى، وهو ما تؤكده النقوش العديدة المكتشفة في الموقع.
واكتُشف الموقع الأثري الحديث عام 1840، وكشفت الحفريات عن مجمع ديني متكامل يضم مسرحًا يتكون من ستة وثلاثين صفًا للمقاعد، وكنيسة بيزنطية، وعددًا من النقوش الحجرية، إضافة إلى ثلاثة معابد رئيسية، ورواقًا دائريًا مرتبطًا بمبنى عبادة الأباطرة، ورواقًا آخر على شكل حرف "L".
وقد خصصت هذه المعابد للإلهة ليتو وولديها التوأمين أبولو وأرتميس، وهم من أبرز شخصيات الميثولوجيا الإغريقية. ويعد معبد ليتو، الواقع في الجهة الغربية، أكبر هذه المعابد، إذ يبلغ طوله 30.25 مترًا وعرضه 15.75 مترًا، وشُيد وفق طراز "البيريبتر" الذي تحيط فيه الأعمدة بالمبنى من جميع الجهات.
أما معبد أبولو، الواقع شرق المجمع، فقد بُني على الطراز الدوري، ويبلغ طوله نحو 27.90 مترًا وعرضه 15.07 مترًا، ويتميز بأساساته الخشبية، وهي سمة معمارية نادرة تعكس تقنيات البناء في تلك الفترة. وبين المعبدين يقع معبد أرتميس، وهو الأصغر حجمًا، إذ تبلغ أبعاده 18.20 مترًا طولًا و8.70 أمتار عرضًا.
ومن الظواهر اللافتة في الموقع أن ارتفاع منسوب المياه الجوفية منذ العصور القديمة أدى إلى غمر الأجزاء السفلية من هذه المعابد بالمياه، وهو مشهد يمنح الموقع طابعًا بصريًا فريدًا ويبرز التحديات التي تواجه أعمال الحفاظ على الآثار.
نقوش غيرت فهم تاريخ لغة كاملة
لا تقتصر أهمية زانثوس وليتون على ما تضمانه من آثار معمارية، بل تمتد إلى قيمتهما اللغوية والتاريخية. فقد عُثر فيهما على أطول وأهم النصوص المكتوبة باللغة الليكية، إلى جانب نقوش صخرية ضخمة ساعدت الباحثين على فك كثير من أسرار هذه اللغة المنتمية إلى عائلة اللغات الهندوأوروبية.
ومن أشهر الاكتشافات في ليتون النقش الثلاثي اللغات المؤرخ إلى عام 337 قبل الميلاد، والمكتوب باللغات الليكية واليونانية والآرامية، والذي أدى دورًا محوريًا في دراسة اللغة الليكية وفهم تاريخ شعب ليكيا، ويعد من أهم الاكتشافات اللغوية في شرق البحر المتوسط.
إرث حضاري عالمي
تمثل زانثوس وليتون اليوم أحد أهم المجمعات الأثرية في منطقة البحر المتوسط، إذ توثقان مراحل متعاقبة من التاريخ امتدت من العصر الحديدي مرورًا بالعصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية، كما تجسدان التفاعل الحضاري بين الثقافات الأناضولية والإغريقية والرومانية.
وبفضل ما تضمانه من معالم معمارية فريدة، ونقوش تاريخية نادرة، وشواهد استثنائية على الحضارة الليكية، لا يزال الموقعان يمثلان مختبرًا مفتوحًا لعلماء الآثار واللغات القديمة، ووجهة ثقافية بارزة لعشاق التاريخ والتراث، فضلًا عن كونهما شاهدين خالدين على حضارة لعبت دورًا مهمًا في تشكيل تاريخ الأناضول والعالم القديم، وهو ما يفسر استمرار مكانتهما ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1988.
مشاهدة زانثوس وليتون عاصمة الحضارة الليكية وأحد أهم كنوز التراث العالمي في تركيا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ زانثوس وليتون عاصمة الحضارة الليكية وأحد أهم كنوز التراث العالمي في تركيا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، زانثوس وليتون.. عاصمة الحضارة الليكية وأحد أهم كنوز التراث العالمي في تركيا.
في الموقع ايضا :