تتداعى الأحداث وتتداخل المشاهد في إقليم الناظور بشكل يثير الذهول ويطرح أكثر من علامة استفهام حول النضج السياسي والوعي الإنساني لدى مدبري الشأن العام بالمنطقة. ففي الوقت الذي تعيش فيه مدينة بني أنصار والمعبر الحدودي لمليلية المحتلة على وقع مواجهات ميدانية دامية وأعمال شغب خطيرة، أصر القائمون على إدارة المدينة على الذهاب بعيدا في سرياليتهم، عبر إقامة مهرجان غنائي صاخب يمول بلا هوادة من المال العام.
هذا التناقض الصارخ لا يكتفي بفضح العجز عن قراءة اللحظة الأمنية والاجتماعية الحرجة، بل يرسخ منطق الاستخفاف بالرأي العام والاستهتار بمشاعر المواطنين الذين تابعوا بأسى كيف يهدر الاستقرار وتصرف الميزانيات في آن واحد.
جبهة بني أنصار.. القوات العمومية بين طاحونة العنف وطعنة المنظمين
إن ما شهدته الدقائق والساعات الأخيرة بالمعبر الحدودي لا يمكن تصنيفه مجرد حادث عابر، بل هو انفجار ميداني متكامل الأركان تمثل في محاولات اقتحام جماعية اتسمت بالعنف الشديد، وحرق للممتلكات والسيارات، واعتداءات طالت رجال الأمن والقوات العمومية الذين وجدوا أنفسهم يواجهون بصدورهم حالة من الفوضى العارمة.
وتحت هذا الضغط الأمني المهول، كانت الأجهزة الأمنية تبذل جهودا مضنية في الميدان لتهدئة الأوضاع وإعادة فرض النظام وإيقاف نزيف الاحتقان في نقطة حدودية حاسمة. غير أن هذه الجهود المضنية لقيت طعنة من الخلف، ليس من طرف الخارجين عن القانون هذه المرة، بل من قلب المدينة وعلى بعد كيلومترات معدودة من بؤرة التوتر.
هدر المال العام.. صفقات الترفيه على حساب المصلحة الوطنية
ففي الوقت الذي بادرت فيه مدن المغرب إلى تأجيل بعض الأنشطة الاحتفالية والترفيهية تغليبا للمصلحة الوطنية واحتراما لسياقات الأحداث، أبت النخبة المنظمة لمهرجان الناظور إلا أن تمارس سياسة “الرقص على الجراح” والضحك الجاهل على الذقون.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الإصرار على تنظيم الفعالية في أوج الأزمة، بل تعداه إلى رعاية المهرجان بتمويلات سخية من المال العام عبر المجلس الإقليمي وشركة “مارشيكا ميد”. إنه عبث كامل الأركان تم تجسيده في تبديد موارد الإقليم على منصات الغناء والترفيه، بينما الجهة المتاخمة تخوض حربا ضارية مع أفعال العنف والشغب، في صورة تجسد الانفصال التام لممثلي المجالس والجهات الراعية عن النبض الحقيقي للشارع.
سريالية المنصة.. نغمات كناوة وراب “مسلم” فوق جمر الاحتقان
ولعل الأشد استفزازا للرأي العام هو المفارقة المسرحية التي شهدتها منصة المهرجان، إذ كيف يستسيغ المنظمون استعراض إيقاعات مغني الراب مسلم، وما يطرح أكثر من علامة استفهام حارقة، هو هذا الإصرار الغريب وغير المفهوم من قبل المنظمين على استدعائه وتكرار حضوره في كل نسخة تقريبا من مهرجان الناظور، وكأنه الفاعل الوحيد القادر على ملء المنصة.
إن الإقليم وشبابه ليسوا بحاجة في مثل هذه الظروف الحساسة إلى مثل هذا النوع من العروض الفنية التي لا تزيد الوضع إلا تأجيجا، فمسلم الذي بنى مسيرته بالأساس على أغاني النقد السياسي والاجتماعي الشديد ومحاكاة هموم الشباب والشارع، يصبح استحضاره في قلب منطقة تغلي بؤرة خطورة بالغة. وكيف للجهات المدبرة أن تغفل عن أبعاد هذا الاختيار وتأثيراته للنفوس والميدان؟ أم أن الهدف بات يتعلق فقط بالاستعراض واجترار نفس الوجوه، دون أدنى مراعاة لخصوصية المنطقة ورسائل الفن المقترحة في أوقات الاحتقان؟
وفي لحظة فارقة يتجمع فيها الشباب على بعد خطوات في بؤرة احتقان ومواجهة مع أجهزة الدولة، كيف يمكن التوفيق بين خطاب المهرجانات الداعي للفرح وواقع ميداني يتطاير فيه شرر العنف؟ إنها نكتة ثقيلة ومحاولة مكشوفة لتغطية الشمس بالغربال، أدت بالضرورة إلى تأجيج الوضع وخلق بلبلة واسعة بين السكان، الذين هالهم أن يطرب المسؤولون بآذانهم على وقع النغمات في الوقت الذي يطلب فيه من رجال الأمن حرق أعصابهم لتهدئة ميدان يغلي.
مسؤولية الشريك التنظيمي.. الاحترافية في إدارة الأزمات لا في الاحتماء بالعقود
وامتدادا لهذا التخبط التسييري، يظهر بوضوح القصور الاحترافي للشركة المنظمة التي آثرت التذرع بالعقود المبرمة مع الفنانين والتزاماتها المالية كشماعة لتبرير الاستمرار في إقامة المهرجان. وإن الاختبار الحقيقي لأي شركة تنشيط ومناسبة محترفة لا يكمن في قدرتها على نصب المنصات وإشعال الأضواء فحسب، بل في امتلاكها للحس السياسي والوعي الميداني لإدارة الأزمات والتكيف مع الظروف الطارئة.
وكان حريا بالجهة المنظمة، لو تمتع أصحابها بالقدر الكافي من المسؤولية، أن تبادر فورا إلى تأجيل المهرجان وإعادة ترتيب المواعيد والشروط التعاقدية مع الفنانين ريثما تهدأ الأوضاع ويستعيد الإقليم استقراره، لا أن تختار الحل الأسهل بالمغامرة بأمن المنطقة، والاحتجاج بعقود صماء وكأنها تعيش في معزل عن الواقع الملتهب.
الحساب السياسي والأخلاقي.. حين تغيب الحكمة ويستبد الاستعراض
إن هذه السقطة الأخلاقية والسياسية للمجلس الإقليمي والشركة المنظمة لا يجب أن تمر كحدث عادي في أرشيف الإقليم، بل إنها تضع هذه الجهات تحت طائلة المسؤولية والمحاسبة الشعبية والإعلامية. وإن تسيير الشأن المحلي والوطني ليس رفاهية استعراضية ولا صفقات تبرم لإرضاء نزوات تنظيمية، بل هو قدرة على الحس السياسي وضبط الأولويات وحسن إدارة الأزمات. وما حدث بالناظور أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الحافز الوحيد لدى منظمي هذا المهرجان كان إشباع الرغبات والاستعراض على حساب الاستقرار والأمن والمال العام، ليظل هذا المهرجان وصمة شائكة تدل على جدار عازل بين هموم الشارع وحسابات المسؤولين.
شبهات التضارب والمصالح.. حين تصبح صلة القرابة أقوى من المسؤولية
ولا تقف التجاوزات عند حدود العبث التسييري وسوء إدارة الأزمة، بل تتعداها إلى غياهب الشبهات التي تحوم حول الهيكلة التنظيمية لهذا المهرجان، إذ تطرح صلة القرابة والعلاقة العائلية المباشرة بين مدير المهرجان ورئيس المجلس الإقليمي أكثر من علامة استفهام حارقة لدى الشارع الناظوري. وكيف للمال العام، الذي يصرف بسخاء من ميزانية المجلس الإقليمي، أن يتدفق نحو تظاهرة تدار بعاطفة القرابة وتضارب المصالح قبل المنطق الإداري والمالي السليم؟ وإن هذا التدخل العائلي في هندسة الدعم والرعاية لا يكرس فقط منطق المحسوبية وتوزيع الغنائم على حساب حكامة التسيير، بل يشرح بوضوح سر الإصرار المستميت على عدم إلغاء المهرجان أو تأجيله، حتى وإن تعارض ذلك مع الأوضاع الأمنية والمصلحة العليا للإقليم ومواطنيه.
المقالة الناظور بين فوهة بركان الهجرة وهستيريا المهرجانات نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز
مشاهدة الناظور بين فوهة بركان الهجرة وهستيريا المهرجانات
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الناظور بين فوهة بركان الهجرة وهستيريا المهرجانات قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على آش نيوز ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الناظور بين فوهة بركان الهجرة وهستيريا المهرجانات.
في الموقع ايضا :