تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة التاسعة: المدرسة المغربيّة أمام جدار اللغات هندسة بيداغوجيّة في إخفاق ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (اليوم 24) -

ثمة سؤال يفضّل المصلحون في الغالب تجنّبه، لما فيه من إحراج وما يكشفه من هشاشة المنظومة: ماذا يعرف التلاميذ المغاربة فعلاً عند خروجهم من المدرسة؟ بعد تدقيق الحكامة والتمويل والتوجيه، يغوص المجال الخامس من تقييمنا في صميم فعل التعلّم، حيث يجب أن تتحوّل النوايا التربويّة إلى كفايات حقيقيّة لدى المتعلّمين. فالهندسة البيداغوجيّة واللغويّة، التي يفترض أن تكون محرّك هذا التحوّل، هي في إخفاق. المعطيات الدوليّة – PISA، PIRLS، TIMSS – والوطنيّة – البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات – تتقاطع نحو تشخيص مقلق: المنظومة التربويّة المغربيّة في وضعية أزمة تعلّم كبرى. فالمعيار الأول من المجال الخامس، الذي يهتم بتقييمالهندسة البيداغوجيّة المرتكزة على المكتسبات، هو « غير محقَّق ». وهذا الحكم القاسي هو مرآة لواقع لا يرحم: التلاميذ المغاربة لا يتقنون اللغات، ولا الكفايات العلميّة الأساسيّة، والفجوة اللغويّة هي العائق الرئيسي أمام أيّ تعلّم مستدام. لقد أنفق المغرب المليارات، لكن مستوى التلاميذ لا يزال منخفضاً بشكل مقلق. إنه إخفاق منظومي يستوجب مراجعة عميقة.

نتائج كارثيّة، رغم تحسّن هشّ

يجب أوّلاً الاعتراف بتقدّم، مهما كان متواضعاً، لئلاّ نقع في تشاؤم أعمى. فبين 2016 و2021، انتقل معدّل المغرب في PIRLS – التقييم الدولي للقراءة في السنة السادسة – من 358 إلى 372 نقطة، أي بزيادة 14 نقطة. كما انخفضت نسبة التلاميذ في صعوبة كبيرة بشكل طفيف من 64% إلى 59%. فهذه الأرقام، رغم ضعفها، تظهر أن جهوداً بُذلت وأنتجت أثراً على مدى خمس سنوات. وقد أتاحت منهجيّات TaRL – التعليم وفق المستوى المناسب – والتدريس الصريح، المعتمدة في المدارس الرائدة، مكاسب مهمّة في السنوات الأولى من الابتدائي، مع تقدّم يتراوح بين +0,7 و+0,9 انحراف معياري في المدارس التجريبيّة.

لكن هذا التحسّن هشّ وبطيء جدّاً لعكس الاتجاه. ففي 2021، كان لا يزال حوالي 6 من كلّ 10 تلاميذ يغادرون المدرسة الابتدائية دون إتقان أساسي للقراءة. ويبقى المغرب في المرتبة الأخيرة بين 57 دولة مشاركة في PIRLS، وهو موقع لا يمكن أن يكون مرضيا في دولة تخصّص حوالي 6% من ناتجها الداخلي الخام للتربية. فمعدّل 339 نقطة في القراءة في PISA 2022 يضع المغرب أقلّ بكثير من معدّل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 476 نقطة. والقدرة على تحليل النصّ واستنتاج أفكاره وتقييمه تبقى ضعيفة جدّاً، حتّى بعد الإعدادي. وتؤكّد تقارير البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات أن الإتقان الحقيقي للغة التدريس ينهار عند الانتقال إلى الإعدادي، حيث لا يتقن أقلّ من 10% من التلاميذ البرنامج المستهدف في نهاية السلك. وبالتالي فمستوى الإتقان لا يزال غير كافٍ للحديث عن هدف محقَّق لأننا ننطلق من مستوى منخفض جدّاً لا يسمح بعد بضمان الكفاءة اللغويّة الأساسيّة لأغلبية التلاميذ. وبذلك فالنظام التربوي ينتج « جزر أداء » دون بلوغ تحوّل منظومي ذي مصداقية وشامل.

الفجوة اللغويّة: « جدار الإعدادي »

لقد اعتمد المغرب التناوب اللغوي بموجب القانون الإطار 51.17. لكن المفهوم شهد تحوّلاً جذريّاً في القانون الإطار مقارنة بالرؤية الاستراتيجيّة 2015-2030، ممّا غيّر كليّاً السياسة اللغويّة. فانتقلنا من مفهوم يعطي مكانة متميّزة للّغات الوطنيّة مقارنة باللغات الأجنبيّة، إلى مفهوم يشرعن الوضع المعاكس. وهذا التحوّل له عواقب دراماتيكيّة على التعلّمات.

إن المأساة الحقيقيّة تجري في الإعدادي، الذي يدفع الثمن الغالي لهذا الاختيار مقرونا بتدني جودة التعلمات في الابتدائي، وهي بحدة نادراً ما نشهدها في نظم تربويّة مماثلة. تتجلى هذه الكارثة، التي سكتت عنها الحكومة والإعلام في حينها، في نتائج TIMSS 2023، المنشورة في ديسمبر 2024، التي كانت بمثابة كاشف قاسللارتباك اللغوي الذي يخوض فيه الأساتذة والتلاميذ في المنظومة التربوية المغربية. ففي الابتدائي، حيث لا يزال التدريس بأغلبيّته بالعربيّة،كانت النقط المحصل عليها في الاختبار في ارتفاع طفيف: في الرياضيّات، انتقل المعدّل من 384 إلى 393 نقطة بين 2019 و2023؛ وفي العلوم، من 375 إلى 390 نقطة. لكن في الإعدادي، حيث ينتقل تدريس العلوم فجأة إلى الفرنسيّة، يحصل الانهيار. فدرجات الرياضيّات انخفضت بـ10 نقاط، من 388 إلى 378 نقطة. لكن الأكثر إيلاما هو الانهيار المأساوي في العلوم: تراجعت المعدلات ب67 نقطة بين 2019 و2023، من 394 إلى 327 نقطة. والأدهى من ذلك انهيار نسبة إتقان الكفايات العلميّة الأساسيّة من 48% إلى 18% في الإعدادي. وبعبارة أخرى، فإن 82% من تلامذتنا في هذا السلك لا يمتلكون حتّى المعارف العلميّة الأوليّة المطلوبة. إنه انهيار تاريخي يلغي المكاسب التي تحقّقت بصعوبة في الابتدائي.

هذا التراجع بـ67 نقطة في العلوم في الإعدادي ليس حادثاً عابراً، ولا مجرّد نتيجة لجائحة كوفيد-19. إنه نتيجة هيكليّة لـ« المهمّة المزدوجة المعرفيّة » المفروضة على التلاميذ. يجب على المتعلّم تعبئة موارده الانتباهيّة لفكّ شفرة لغة غير متقنة – الفرنسيّة – قبل أن يتمكّن من معالجة المعلومة العلميّة. فهذه الميكانيكية المفروضة للقراءة تمنع الدماغ من تخصيص الموارد اللازمة للاستدلال العلمي الرفيع. فالتلميذ لم يعد يكافح ضدّ درجة تعقيد معادلة علمية، بل أيضا ضدّ غموض النصّ. فالمفهوم العلمي لا يتجسّد في فكر سلس؛ بل هو « موسوم » بكلمات أجنبيّة إذا لم يكن التلميذ يفهمها انتهى به المطاف إلى حفظ تعريفات بدلاً من بناء كفايات. وهكذا يحوّل الحاجز اللغوي تدريس العلوم إلى تخصّص إقصائي، محصور في نخبة قادرة على تخطّي هذا العائق المزدوج.

رغم ذلك، يصرّ صنّاع القرار السياسي على السير عكس المعطيات البرهانيّة الدوليّة التي تؤكّد أن أوّل 20 دولة في تقييمات TIMSS وPISA تدرّس المواد العلميّة بلغاتها الرسميّة. وهذا الإصرار، الذي ينتمي إلى أيديولوجيا لغويّة أكثر منه إلى عقلانيّة بيداغوجيّة، يجعل من الفرنسيّة عامل إقصاء اجتماعي وأكاديمي. فالتلاميذ من الأوساط المحرومة، الذين لم تتح لهم فرصة تعلّم مكثّف للفرنسيّة، يُستبعدون منذ البداية من المسالك العلميّة. وبالتالي فإن المدرسة، بدلاً من تصحيح التفاوتات، تعيد إنتاجها وتضخيمها.

أساتذة مجرّدون في مواجهة تكوين غير كافٍ

الأساتذة هم الشهود الأوّلون على هذا الإخفاق. فنسبة رضا الأساتذة عن الموارد والتكوين لتدريس اللغات مقلقة. لقد عزّز القانون الإطار 51.17 مكانة التكوين المستمرّ بجعله إلزاميّاً، لكن الواقع مختلف تماماً. فوفق معطيات TALIS 2024، يحدّد 74% من الأساتذة المغاربة نقص الحوافز ونقص دعم المشغّل كعوائق رئيسيّة أمام مشاركتهم في التنمية المهنية. ويشير 57% إلى تعارض التكوين مع جدول العمل. كما أن مجالات الحاجة إلى التكوين الأكثر إلحاحاً هي كفايات استعمال الذكاء الاصطناعي في التعليم – 61%، إدماج الموارد الرقميّة – 54%، والكفايات التقنيّة لاستعمال الأدوات الرقميّة – 53%.

يبقى التكوين المستمرّ في المغرب غالباً نظريّاً، دون منح الأساتذة أدوات ملموسة لتدبير التباين الشديد في الفصول الدراسية. فأساتذة الفرنسيّة والعربيّة يشكون من أن التكوينات المستمرّة لا تمنحهم أدوات لسدّ ثغرات التكوين الأساس. فالموارد التعليميّة، خارج دائرة المدارس الرائدة، تبقى عتيقة. فما يقلّ عن 20% من المؤسّسات التعليميّة التقليديّة تتوفّر على اتصال أنترنيت عالي السرعة يسمح بالاستعمال الفعلي للموارد المتعدّدة الوسائط. والأستاذ في الثانوي يضطر إلى الاعتماد على نفسه لصنع وسائله الخاصّة لعدم وجود مكتبات مدرسيّة أو مخابر لغويّة فعّالة. ويعبّر أساتذة التخصّصات غير اللغويّة عن إحباط كبير: فهم غير مكوّنين ليكونوا أساتذة لغة، بينما عليهم سدّ الثغرات اللغويّة للتلاميذ لتمرير المحتوى العلمي. هذا الوضع غير قابل للاستمرار للأساتذة وكارثي للتلاميذ.

هندسة بيداغوجيّة ميكانيكيّة، لا مهنيّة

يضفي تقرير الهيئة الوطنيّة للتقييم حول المدارس الرائدة – ماي 2025 – فارقاً حاسماً ينبغي أن يجعل صنّاع القرار يعيدون النظر في مقارباتهم الإصلاحية. فإذا كانت منهجيّات TaRL قد أتاحت تقدّماً حقيقيّاً لدى تلاميذ السنوات الثانية والثالثة ابتدائي، فإنها تفشل في رفع مستوى التلاميذ بشكل دال في السنوات الموالية. فبين 26% و55% من تلاميذ السنوات الرابعة والخامسة والسادسة لم يظهروا أيّ تقدّم، بل تراجعوا، رغم الدعم التربوي الممتد. وهذا يوحي بأن « ميكانيكية » الدعم البيداغوجي لا تكفي لسدّ سنوات من التأخّر المتراكم. كما أن التدريس الصريح، الذي يتطلّب مراجعة عميقة وتكويناً مستمرّاً أكثر كثافة بكثير من المقدّم حالياً، يخاطر بالوقوع في تكرار ميكانيكي دون فهم عميق، وهو ما يفسر ما خلص إليه التقرير المذكور عندما أكد بأن هذه التقنية البيداغوجية لم تسهم في الرفع من جودة التعلمات في مدارس الريادة.

من جهة أخرى أصبح TaRL بروتوكولاً جامداً، ميكانيكياً تقريباً. يتبع الأستاذ سيناريو. فبدلاً من ممارسة مرنة يديرها الأستاذ، أصبح TaRL بروتوكولاً يعتبر فيه الأستاذ مجرّد منفّذ لسيناريوهات يصوغها خبراء خارجيون إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة. وهو بالتالي لا يتمتّع بأي استقلاليّة بيداغوجيّة. وتؤكّد TALIS 2024 أن الأساتذة المغاربة يتمتعون باستقلاليّة بيداغوجيّة أقلّ مقارنة بمعدّل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وأن مديري المؤسّسات يشيرون إلى مشاركة محدودة للأساتذة في اتّخاذ القرار على مستوى المدرسة فيما يتعلّق بالبرامج والتدريس والسياسات المدرسيّة الأخرى. أما إدماج التلاميذ ذوي الإعاقة فيبقى العنصر الأكثر تهميشا في الهندسة الإصلاحية: فأقلّ من 18% من الأساتذة يصرّحون بأنهم تلقّوا تكويناً حقيقيّاً حول اضطرابات التعلم. والمتعلّمون ذوو الإعاقة غالباً ما يُهملون في مؤخّرة الفصل الدراسي، ممّا يناقض مبدأ الإدماج نفسه.

الخلاصة: الخروج من التايلورية البيداغوجية

التشخيص لا يرحم: لم تنجح المنظومة التربويّة المغربيّة في تفعيل هندسة بيداغوجيّة مرتكزة على مكتسبات التعلّم. لقد خلطت بين « المعالجة الكمية» و« التفريق البيداغوجي ». فالمسألة اللغويّة هي في صميم هذا الإخفاق. والنظام التربوي « ينتج » تلامذة في الإعدادي لا يمتلك 82% منهم حتّى المعارف العلميّة الأوليّة المطلوبة دوليّاً. والإصلاحات المنهاجيّة – الإطار المنهاجي المغربي – لم تنتج، في هذه المرحلة، الآثار المرجوّة على كفايات التلاميذ.

ثمّة روافع ثلاث لا غنى عنها لتصحيح المسار بحلول 2030. أوّلاً، إزالة الميكانيكية عن التكوين: الانتقال من تكوين « حقائب » إلى تكوين مستمرّ طويل المدى حول تدبير الوظائف التنفيذيّة والانتباه في الفصل الدراسي. ثانياً، تطبيق التناوب اللغوي: كما جاء في الرؤية الاستراتجية لتجنّب الصدمة اللغوية في الإعدادي، وتمكين التلاميذ من اكتساب الكفايات اللغويّة اللازمة قبل تدريس المواد العلميّة. وثالثاً، إعطاء الأولوية للتقييم التشخيصي المستمرّ: جعل التقييم مفيداً للأستاذ لتعديل مقارباته البيداغوجية، وليس فقط لتغذية إحصائيات الوزارة.

الطريق لا يزال طويلاً، لكن الوعي بحقيقة الخلل هو الخطوة الأولى، بل هي الأهم، على درب الإصلاح. على المغرب أن يخرج من التايلورية البيداغوجية إلى هندسة حقيقيّة للتعلّم، مرتكزة على التلميذ وحاجياته الحقيقيّة. عليه أن يتوقّف عن فرض مناهج موحّدة على تلاميذ متباينين، وأن يمنح الأساتذة الاستقلاليّة والتكوين اللازمين لتكييف بيداغوجيّتهم مع وقائع فصلهم. فمستقبل ملايين الشباب المغاربة مرهون بذلك.

 

 

مشاهدة تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة التاسعة المدرسة المغربي ة أمام

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة التاسعة المدرسة المغربي ة أمام جدار اللغات هندسة بيداغوجي ة في إخفاق قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة التاسعة: المدرسة المغربيّة أمام جدار اللغات هندسة بيداغوجيّة في إخفاق.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار