وتقارب تجربة العرش الإنسان في هشاشته، بعيدا عن المباشرة أو الشعارات؛ إذ تتداخل في لوحاته الأبعاد الجمالية والفكرية، ويتحول الجسد إلى سجل يحمل آثار الزمن والخوف والأمل، في رؤية تجعل الفن فعلا معرفيا بقدر ما هو ممارسة إبداعية.
نص الحوار:
وأعتقد أن الجسد يبوح أحيانا بما يعجز اللسان عن الإفصاح عنه، عبر وضعيته وثقله وصمته، فأجسادي لا تُصرِّح، لكنها تترك وقعا يجعل المتلقي يسمع ذلك الصمت.
ينظر كثيرون إلى تجربتك بوصفها مواجهة مع الحدود الفاصلة بين المقدس والمدنس، وبين الحرية والرقابة، وبين المسموح والممنوع. إلى أي حد تعي هذا الاشتباك، وهل تعتبره خيارا جماليا أم قدرا يفرضه الفن الحقيقي؟
وفي المقابل، لا يقدم هذا الطرح أجوبة جاهزة، وإن بدا طرحي وكأنه يشتبك مع المحظور والمقدس والسلطة، فذلك لأن الحياة نفسها مليئة بهذه التوترات.
يحيلنا هذا السؤال على مفهوم المثقف العضوي للمفكر الإيطالي غرامشي، الذي يعني أن الفنان أو المثقف لا ينفصل عن هموم مجتمعه في برجه العاجي، ولكنه يستخدم أدواته لإحداث تغيير إيجابي، وتحسين الوعي الثقافي والاجتماعي.
لذلك أترك الأجساد والمفردات التشكيلية التي تؤثث فضاء اللوحة من: كتابات، زخارف، أرقام، عناصر نباتية، وفراغات تتجاور داخل هذا الفضاء دون أن أفرض تفسيرا معينا، إيمانا مني بأن المتلقي يجب أن يكون شريكا في إنتاج المعنى لا أن يكتفي بتلقيه.
الجسد في أعمالك لا يبدو موضوعا للإغواء، وإنما يصبح وثيقة ثقافية ونفسية وتاريخية. كيف ترى العلاقة بين الجسد والذاكرة وبين الجسد والهوية وبين الجسد والسلطة داخل مشروعك التشكيلي؟
من وجهة نظري، الجسد هو شاشة الروح التي تسكنه، وبالتالي لا يوجد جسد بريء أو محايد؛ فكل جسد يحمل آثار الزمن والسلطة والذاكرة والطفولة، إنه سجلّ كُتبت عليه التجارب.
الجسد عندي ليس هوية ثابتة، وإنما هوية تتشكل باستمرار، لهذا تبدو الأجساد في حالة تحول دائم؛ فتارة تنكمش، وتتقوقع وتنهض وترفض تارة أخرى، ومرة تتلاشى داخل خلفية اللوحة.
أكثرُ ما يبقى في ذاكرتي ليس الافتتاح أو عدد الزوّار، ولكن تلك الحوارات التي تبدأ خلال وبعد انتهاء العرض. حين يغادر المتلقي وهو يحمل سؤالا جديدا، أشعر بأن أثري التشكيلي ما زال يعمل داخله.
ألا يزال الفن التشكيلي المغربي، في رأيك، يعاني من هيمنة القراءة التزيينية التي تختزل اللوحة في جماليات اللون والشكل بينما تغيب المقاربات الفكرية والفلسفية القادرة على تفكيك خطابها البصري؟
ما أحوجنا إلى تربية وثقافة بصرية أعمق وأشمل، فكثير من القراءات والتحليلات تتناول العمل الفني تناولا شاعريا، انطباعيا مسطحا، إن صح التعبير، متوقفة عند التقنية والموضوع، بينما تتجاهل الأسئلة الفكرية التي تطرحها اللوحة.
والعمل التشكيلي اليوم أصبح معطى فكريا، يستدعي الفلسفة (التساؤل)، وعلم النفس، والسيميائيات، والأنتروبولوجيا لسبر أغواره وحل شفراته، فمن دون هذه الأدوات تبقى القراءة مسطحة ناقصة.
وبالتالي، فاللوحة ليست منافسة للصورة الرقمية، لأنهما أصلا ليستا من الجنس نفسه؛ فالصورة الرقمية تُستهلك، أما اللوحة فتُواجه. فالمتلقي حين يقف أمام اللوحة لا يرى فقط ما رُسم، ولكن كيف وُجد هذا الشيء في العالم، والزمن الذي استغرقه الفنان، والقرارات التي اتخذها، والأخطاء والتصحيحات التي قام بها. وكل هذا كله يبقى حاضرا على السطح المادي للوحة بطريقة لا تمتلكها الصورة مهما كانت واقعية.
يرى بعض النقاد أن الفن المغربي يعيش أزمة مؤسسات أكثر مما يعيش أزمة إبداع، بسبب هشاشة سوق الفن، وضعف النقد المتخصص، وغياب سياسة ثقافية واضحة. كيف تقرأ أنت هذه الإشكالات؟ وما الذي يحتاجه التشكيل المغربي ليستعيد حضوره محليا ودوليا؟
عندما أواجه بياض اللوحة، لا أنطلق من فكرة نظرية جاهزة، وإنما من مشهد يستفزني أو يزعجني، قد يكون وضعية جسد في فضاء، أو أثرا تركته ذاكرة قديمة، أو خبرا عابرا، أو إحساسا شخصيا بالقلق. وبعد ذلك يبدأ العمل في مساعدتي لأرى أنا أيضا.
فاللوحة هنا هي التي تفرض قوانينها، وغالبا ما تأخذني إلى مكان لم أكن أتوقعه (عامل الصدفة وعامل الخطأ مهمان في هذه الحالة).
بعد هذه المسيرة الفنية، وبعد كل ما أنجزته من معارض وتجارب وأسئلة، ما الوصية التي يود الفنان مصطفى العرش أن يتركها للفنانين الشباب؟ وهل تؤمن بأن الفن قادر فعلا على تغيير المجتمع أم إن مهمته الأعمق هي تغيير الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والعالم؟
أنصح الفنانين الشباب بألا يُمارسوا الفن لإرضاء السوق أو الموضة، ولكن ليكتشفوا صوتهم الداخلي، وهذه النتيجة كنتُ وما زلتُ أنصح بها نفسي، لأنه حين ترسم تحت الطلب أو لإرضاء ذوقٍ معيّن يضيع الفنان الذي يسكنك، وتصبح حرفيا يتقن صنعته. فالصنعة أو التقنية مهمة، لكنها لا تكفي، ولكن ما يبقى هو الصدق.
وعندما تتغير طريقة الرؤية، يبدأ التغيير الحقيقي، لأن الفن لا يمنح أجوبة نهائية، بل يعلمنا كيف نطرح السؤال الذي يجعل الإنسان أكثر وعيا وحرية.
كلمة مفتوحة لكم
مصطفى العرش: الجسد هو شاشة الروح .. والفنان لا يرسم تحت الطلب Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة مصطفى العرش الجسد هو شاشة الروح والفنان لا يرسم تحت الطلب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مصطفى العرش الجسد هو شاشة الروح والفنان لا يرسم تحت الطلب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مصطفى العرش: الجسد هو شاشة الروح .. والفنان لا يرسم تحت الطلب.
في الموقع ايضا :