وتنبع أهمية هذه الشهادة من كونها لا تقدم قراءة نقدية لتجربة محمود درويش، ولا تعيد رواية سيرته من خلال باحث أو مؤرخ، وإنما تتيح للشاعر نفسه أن يعيد ترتيب محطات حياته بلغته الخاصة، في نص متصل يخلو من الأسئلة والأجوبة التقليدية، ويقترب من السيرة الذاتية الشفوية، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لفهم تجربة شعرية ارتبطت، منذ بدايتها، بفكرة الفقد والبحث عن الوطن، كما تمنح هذه الوثيقة فرصة لإعادة اكتشاف درويش الإنسان، قبل أن يصبح رمزا ثقافيا وسياسيا يتجاوز حدود الشعر.
ويستعيد لحظة الرحيل عن القرية، عندما اضطرت الأسرة إلى مغادرة منزلها ليلا تحت وقع إطلاق النار، متجهة نحو جنوب لبنان، وهناك، كما يقول، اكتشف للمرة الأولى معنى أن يصبح الإنسان لاجئا، دون أن يكون قادرا على استيعاب أسباب ما يجري حوله، فقد كان طفلا يرى العالم يتغير بسرعة تفوق قدرته على الفهم، لكنه ظل يحتفظ في ذاكرته بصورة الطريق، والوجوه، والحقول التي تركها خلفه، وهي الصور التي سترافقه لاحقا في عدد كبير من قصائده.
ولا يتحدث درويش عن هذه التجربة بوصفها مأساة شخصية فقط، وإنما باعتبارها تجربة جيل كامل وجد نفسه مطالبا بإعادة تعريف علاقته بالأرض والبيت والانتماء، لذلك تبدو النكبة، في هذه الشهادة، حدثا يتجاوز التاريخ السياسي، ليصبح لحظة تأسيسية في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.
حين أصبحت القصيدة وطنا
ويقول إن تلك الواقعة كانت نقطة التحول الحقيقية في حياته، لأنها جعلته يكتشف أن الكلمة قادرة على إزعاج السلطة، وأن القصيدة ليست مجرد تعبير عن المشاعر، وإنما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للدفاع عن الذاكرة والكرامة، لذلك استمر في الكتابة وهو أكثر اقتناعا بأن الأدب يمتلك قدرة على مقاومة النسيان، حتى عندما يعجز عن تغيير الوقائع.
ويتوقف أيضا عند العلاقة المعقدة بين الشاعر والقارئ، معتبرا أن تطوير القصيدة العربية يقتضي أحيانا المغامرة باللغة والصورة والإيقاع، حتى لو بدا ذلك صعبا بالنسبة إلى بعض القراء، لأن مهمة الأدب لا تقتصر على تلبية التوقعات، وإنما تشمل أيضا توسيع أفق التلقي، وهو ما يفسر التحولات التي عرفتها تجربته الشعرية من القصيدة المباشرة إلى النص الأكثر تركيباً في مراحله اللاحقة.
الإنسان خلف الأسطورة
ويتحدث بإعجاب خاص عن والده، الذي رفض الحصول على تعويض عن الأرض التي صودرت من العائلة، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، معتبرا أن ذلك الموقف شكل بالنسبة إليه درسا في الكرامة والصمود، وأن البطولة لا تصنعها الكلمات وحدها، وإنما تصنعها أيضا الخيارات الأخلاقية التي يتخذها الإنسان في حياته اليومية.
وتكشف الشهادة كذلك عن شاعر شديد الانشغال باللغة، إذ يبدو حريصا على الدفاع عن قيمة الجمال، حتى وهو يكتب عن أكثر التجارب قسوة، فالمأساة، بالنسبة إليه، لا تكفي وحدها لصناعة الأدب، وإنما تحتاج إلى صياغة تمنحها بعدا إنسانيا يتجاوز حدود الحدث، وهو ما يفسر استمرار حضور قصائده في ثقافات متعددة، وترجمتها إلى عشرات اللغات، باعتبارها نصوصا تتحدث عن الإنسان بقدر ما تتحدث عن فلسطين.
ولا تقتصر قيمة هذا النص على كونه وثيقة ظلت غائبة عن النشر طوال نصف قرن، وإنما تكمن أيضا في أنه يعيد تقديم محمود درويش بصوته، وهو يسترجع اللحظات التي صنعت وعيه الشعري والإنساني، ويكشف كيف تحولت تجربة طفل فقد قريته إلى مشروع أدبي جعل من القصيدة وطنا بديلا، ومن اللغة مساحة لمقاومة النسيان، لذلك لا تبدو هذه الشهادة مجرد استعادة للماضي، وإنما قراءة جديدة للجذور الأولى التي خرج منها أحد أهم شعراء العربية في العصر الحديث.
بعد نصف قرن .. محمود درويش يستعيد الطفولة والنكبة وميلاد القصيدة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة بعد نصف قرن محمود درويش يستعيد الطفولة والنكبة وميلاد القصيدة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بعد نصف قرن محمود درويش يستعيد الطفولة والنكبة وميلاد القصيدة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بعد نصف قرن .. محمود درويش يستعيد الطفولة والنكبة وميلاد القصيدة.
في الموقع ايضا :