غيّرْ نفسَكَ قبل أن تُغيّرَ بَلدَك ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

يترك مقعد الدراسة لأنه لا يحتمل صبر السنوات، ثم يقضي سنوات أطول أمام أبواب القنصليات. يرفضُ أن يتعلَّم مهنة في ستة أشهر، ثم يقبل أن ينتظر فرصة مجهولة ستّ سنوات. يصفُ التكوين بالملَل، ويرى الانتظار أمام المقاهي نوعًا من النّضال. يسخرُ من صاحب الحِرفة، ثم يحلمُ بأن يعمل مساعدًا له في بلدٍ آخر. ينظر إلى الحَدَّاد في وطنه باسْتخفاف، ثم ينبهر بعامِل المعادن في أوروبا. يستهزئ بالنَّجار في حيِّه، ثم يصف النِّجارة في الغُربة بأنها مهنة مُحترمة. يرفض تنظيف محَلٍّ في مدينته، ثم يحتفلُ بتنظيفِ مَطعم في مدينة أجْنبية. لا يكرهُ العمل نفسه، وإنما يكره صورته حين يرتبط بوطنه. يعتقد أن الجُغرافيا تغسلُ المهن مِن العَار، وأن الحدُود تمنحُ الأعمال البسيطة شَهادة شرَفٍ.

المكان لا يصنعُ الإنسان من العدَم. المكانُ يفتح أبوابًا، والإنسانُ يحتاج إلى قدرة كي يعبرها. لا يسأل السّوق المهاجر عن حجم أحلامه، وإنما يسأله عمّا يتقنه. صاحب العمل لا يهتم بعدد المرات التي شتم فيها الشاب أوضاع وطنه، وإنما يهتم بقدرته على الإنتاج. يصل بعض الشباب إلى الغربة حاملين حقائب صغيرة وأوهامًا ضخمة. يتوقع الواحد منهم أن تستقبله المدينة الجديدة بالموسيقى، وأن تفتح له المؤسسات أبوابها، وأن يكتشف الجميع عبقريته التي لم يكتشفها أحد في وطنه. ثم يصطدم بحقيقة باردة: المدينة لا تعرف اسمه، والشركات لا تنتظر وصوله، والمجتمع لا يمنحه مكانًا لمجرد أنه خاطر بحياته. يكتشف أن الغربة لا تعمل مثل آلة سحرية. يجد نفسه أمام لغة لا يُتقنها، وقوانين لا يفهمها، وسوق عمل لا يرحم، وإيجار يلتهمُ راتبه، ووحدة تلتهم روحه. عندها يبدأ في قبول الأعمال التي رفضها في وطنه، ويقبل الأجور التي لا تكفيه، ويسكت عن الإهانات التي كان يثور ضد نصفها داخل بيته. ثم يلتقط صورة أمام مَعْلَمٍ مشهور.

الهجرةُ لا تصنعُ من لا يَصنعُ نفسهُ

يمكن للإنسان أن ينتقد المجتمع، وأن يطالب بالتغيير، وأن يبحث عن الهجرة في الوقت نفسه. يحتاج فقط إلى مشروع واضح. أما أن يحوّل الهجرة إلى عذر يعلّق عليه فشله، فهنا يختار الوهم على حساب الحقيقة. يقول بعضهم: لا فائدة من الدراسة. ثم يقضي ساعات في تعلّم طرق عبور الحدود خلسة. يعرف أسماء المدن الساحلية، وأسعار المهربين، ومواعيد القوارب، ومسالك الغابات، ولا يعرف كيف يكتب سيرة ذاتية محترمة. يحفظ تجارب الهجرة السرية، ولا يحفظ أساسيات مهنة واحدة. هذا الشاب لا يُعاني من غياب الذكاء؛ إنه يوجه ذكاءه نحو الباب الخطأ. لو وضع نصف الجهد الذي يضعه في مطاردة الهجرة داخل تعلم اللغة أو الكهرباء أو البرمجة أو صيانة السيارات أو النجارة أو التمريض، لتغيّرت قيمتُه في السّوق. لو صرف نصف المال الذي يجمعه للمهرب على تكوين مهني، لصنع لنفسه فرصة أكثر أمانًا؛ لو احتمل تعب الدراسة كما يحتمل ذل الانتظار، لوصل إلى مكان أفضل بكرامة أكبر. لكن الوهم يقدم نفسه دائمًا في صورة طريق مختصر. الإنسان بطبيعته يحب الطريق القصير، خاصة حين يرهقه الواقع.

أصبحنا نرى شابًا يخاف من امتحان مهني، ولا يخاف من البحر. يخشى مقابلة عمل، ولا يخشى المهرب. يتردد أمام التسجيل في مركز تكوين، ثم يضع حياته كاملة في يد شخص لا يعرف اسمه الحقيقي. يرفض سلطة الأستاذ، ثم يقبل أوامر عصابة. يهرب من ضغط الأسرة، ثم يدخل عالمًا يفرض عليه أقسى أنواع الخضوع. أي مفارقة أعمق من هذه؟ يبحث عن الحرية، فيبدأ طريقه بتسليم قراره للمُهَرِّب. يبحث عن الكرامة، فيدخل من باب الإهانة. يبحث عن الأمن، فيختار طريق الخطر. يبحث عن مستقبل واضح، فيمشي نحو ضباب لا يعرف ما وراءه. لا يحمل هذا المسار اسم الهجرة فقط؛ إنه هجرة من المنطق إلى الوهم، ومن المسؤولية إلى الصّدفة، ومن بناء الذات إلى انتظار المعجزة.

المجتمعُ الذي يحتقر الحرف يربي شبابًا يهربون من العمل. حين يربط الناس النجاح بالمكتب والبدلة، يدفعون أبناءهم إلى بطالة أنيقة. المشكلة الثقافية تبدأ من نظرة الناس إلى المهن. نحتفل بالشهادة حتى عندما لا تمنحُ صاحبها قُدرة، ونحتقرُ الحِرفة حتى عندما تمنح صاحبها استقلالًا. نعلّقُ صور الخرّيجين على الجدران، ولا نتحدَّث عن الشَّباب الذين بنوا مشاريعهم بأيديهم. من يريد أن يهاجر يحتاج إلى لغة، ومهارة، ومُدّخرات، ومعرفة بالقانون، وخطة للسَّكن والعمل، وقُدرة نفسية على تحمُّل الوحدة. الهجرة النّاجحة لا تبدأ عند المطار؛ تبدأ قبل ذلك بسنوات من بناء الذّات. من يهاجِر بمشرُوع يملك فرصة للتَّقدم. من يهاجرُ هربًا من نفسه سيجدُ نفسه أمامه في كلّ مكان. الهجرة المحترمة لا تبدأ بكراهية الوطن. أما هجرة الهوان، فتبدأ بجُملة شائِعة: عندما أصل، سأرى ماذا أفعل، ومن لا يعرف ماذا سيفعل قبل الوصول، سيضعه الآخرون حيثُ يريدون، ويسكن حيث يسمحون، ويتحرك وفق شروطهم. لا يصنعُ مُستقبله، ينتظر ما يتبقّى من فُرص الآخرين.

الهجرةُ بعَقْلٍ لا بحُلم أعْمَى

ثورةٌ تعيد للحرفة مكانتها، وللدراسة معناها، وللعمل قيمته، وللهجرة عقلها. لا نحتاجُ إلى شباب يخافون من السّفر، فالعالم واسع، والتجربة حق، والطموح مشروع. نحتاج إلى شباب يسافرون واقفين لا زاحفين، يسافرون وهم يحملون معرفة لا وهمًا، ومشروعًا لا صُدفة، وكرامة لا استعطافًا. قد يغير الإنسان بلده، لكن التغيير الأهم يحدث حين يغير نفسه. وقد يعبر البحر، لكن العبور الأعمق يحدث حين ينتقل من الجهل إلى المعرفة، ومن التردد إلى العمل، ومن الاتكال إلى المسؤولية.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

غيّرْ نفسَكَ قبل أن تُغيّرَ بَلدَك Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة غي ر نفس ك قبل أن ت غي ر ب لد ك

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ غي ر نفس ك قبل أن ت غي ر ب لد ك قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، غيّرْ نفسَكَ قبل أن تُغيّرَ بَلدَك.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار