كتب -اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - لم تكن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) يوماً مجرد مؤسسة إنسانية توزع الغذاء أو تدير المدارس والعيادات، بل أصبحت منذ تأسيسها قبل أكثر من سبعة عقود أحد أهم رموز الالتزام الدولي تجاه الشعب الفلسطيني، وأحد الشواهد القانونية والسياسية على أن قضية اللاجئين لم تُحل بعد، وأن حقهم في العودة الذي أقرته الأمم المتحدة لا يزال قائماً. واليوم تقف الوكالة أمام أخطر منعطف في تاريخها، فهي تواجه حرباً متعددة الأبعاد تقودها دولة الكيان الصهيوني، بدعم سياسي ومالي من الولايات المتحدة وبعض حلفائها، تستهدف إنهاء وجودها نهائياً. وتتزامن هذه الحرب مع أزمة مالية خانقة تهدد بتوقف خدماتها الأساسية، في وقت يعيش فيه ملايين اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة، واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. ولادة الأونروا… استجابة لنكبة لم تنتهِ في أعقاب نكبة عام 1948، التي هجّرت أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم(قرابة نصف سكان فلسطين العرب آنذاك)، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة وكالة الأونروا بموجب القرار رقم (302) الصادر في الثامن من كانون الأول عام 1949، لتبدأ عملها رسمياً في الأول من أيار عام 1950. وكان الهدف من إنشائها تقديم الإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين إلى حين إيجاد حل عادل لقضيتهم وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (194)، الذي أكد حقهم في العودة إلى ديارهم أو الحصول على التعويض. لكن غياب الحل السياسي حوّل المهمة المؤقتة إلى مسؤولية مستمرة امتدت لأكثر من سبعين عاماً، لتصبح الأونروا المؤسسة الأممية الوحيدة التي أُنشئت خصيصاً لخدمة شعب لا يزال يعيش أطول قضية لجوء في التاريخ المعاصر. واليوم تقدم الوكالة خدماتها لنحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني في الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. التعليم… صناعة الإنسان الفلسطيني يُعد التعليم أكبر برامج الأونروا وأكثرها تأثيراً، إذ تدير مئات المدارس التي تخرج منها ملايين الفلسطينيين، وأسهمت في بناء أجيال من الأطباء والمهندسين والمعلمين والأكاديميين والقادة الذين ساهموا في نهضة المجتمعات الفلسطينية والعربية. كما توفر الوكالة برامج للتدريب المهني، تمنح الشباب فرصاً لدخول سوق العمل، وتحد من البطالة والفقر داخل المخيمات. ولذلك فإن أي توقف لهذه المنظومة التعليمية لن يكون مجرد إغلاق لمدارس، بل تهديداً لمستقبل جيل كامل. الصحة… شبكة الأمان لملايين اللاجئين تشكل الأونروا العمود الفقري للرعاية الصحية الأولية للاجئين الفلسطينيين، من خلال عشرات المراكز الصحية التي تقدم خدمات التطعيم، ورعاية الأمومة والطفولة، وعلاج الأمراض المزمنة، والصحة النفسية، والطب الوقائي. وفي قطاع غزة، أصبحت منشآت الأونروا خلال الحرب الأخيرة ملاذاً لمئات الآلاف من النازحين، رغم تعرض العديد من مدارسها ومراكزها للقصف والتدمير، واستشهاد عدد كبير من موظفيها أثناء أداء واجبهم الإنساني. الدور الاقتصادي والاجتماعي يتجاوز دور الأونروا تقديم المساعدات الغذائية، فهي تشكل ركيزة اقتصادية واجتماعية أساسية داخل المخيمات الفلسطينية. فالوكالة توظف عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتدير برامج للمساعدات النقدية، والحماية الاجتماعية، وتمويل المشاريع الصغيرة، وتمكين المرأة والشباب، وتحسين البنية التحتية للمخيمات. ولهذا فإن انهيار الأونروا لن يعني فقط توقف الخدمات، بل سيؤدي إلى تفاقم البطالة والفقر، ويهدد الاستقرار الاجتماعي في مناطق عملياتها كافة. البعد السياسي… لماذا تخشى دولة الكيان الأونروا؟ تكمن أهمية الأونروا في أنها ليست مجرد وكالة إغاثة، بل تمثل اعترافاً دولياً مستمراً بأن قضية اللاجئين الفلسطينيين ما زالت قائمة، وأن المجتمع الدولي لم يتنصل من مسؤوليته تجاهها. كما أن سجلات الوكالة تحفظ الهوية القانونية للاجئين الفلسطينيين، وترتبط مباشرة بحق العودة المنصوص عليه في القرار الأممي. (194) ولهذا تعتبر الدولة الصهيونية أن إنهاء الأونروا يمثل خطوة استراتيجية لشطب قضية اللاجئين من أي تسوية مستقبلية، وتحويلها إلى قضية إنسانية بحتة بدلاً من كونها قضية سياسية وحقوقية. الحرب الصهيونية على الأونروا لم تبدأ الحملة الإسرائيلية ضد الأونروا مع حرب غزة، لكنها تصاعدت بصورة غير مسبوقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية. فقد شنت حكومة الإحتلال حملة سياسية وإعلامية واسعة لتشويه سمعة الوكالة، مستندة إلى اتهامات طالت عدداً محدوداً من موظفيها، رغم أن الوكالة اتخذت إجراءات فورية بحقهم، وأجرت تحقيقات داخلية، فيما أكدت مراجعات أممية مستقلة ضرورة إصلاح بعض الجوانب الإدارية دون أن تجد مبرراً لإنهاء الوكالة أو التشكيك في رسالتها. وبالتوازي مع ذلك، تعرضت منشآت الأونروا ومدارسها ومراكزها الصحية ومخازنها للقصف، وسقط مئات من موظفيها ضحايا أثناء أداء واجبهم، في واحدة من أكبر الخسائر التي تعرضت لها وكالة تابعة للأمم المتحدة في تاريخها. كما اتخذت تل أبيب إجراءات تشريعية وإدارية لتقييد عمل الوكالة، في محاولة واضحة لإنهاء وجودها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. سلاح التجويع المالي اعتمدت إسرائيل وحلفاؤها سلاحاً آخر لا يقل خطورة عن الحرب العسكرية، يتمثل في خنق الأونروا مالياً. فالوكالة تعتمد بصورة شبه كاملة على التبرعات الطوعية للدول، وليس على ميزانية الأمم المتحدة، مما يجعلها شديدة التأثر بالضغوط السياسية. وقد أدى تعليق عدد من الدول الغربية مساهماتها المالية في فترات مختلفة إلى أزمة سيولة خانقة، رغم أن العديد منها عاد لاحقاً لاستئناف التمويل. لكن العجز المالي بقي قائماً، وأصبح يهدد استمرار الخدمات الأساسية التي تقدمها الوكالة. الأونروا على حافة الانهيار بلغت الأزمة المالية ذروتها هذا الأسبوع عندما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المجتمع الدولي إلى تغطية فجوة تمويلية عاجلة تبلغ 100 مليون دولار، محذراً من أن الأونروا تقترب من "نقطة الانهيار "بعد أن اضطرت إلى تطبيق إجراءات تقشفية صارمة وإجراء تخفيضات واسعة في نفقاتها. ولا يمثل هذا العجز مجرد مشكلة محاسبية، بل يهدد بتوقف المدارس والعيادات الصحية وبرامج الإغاثة التي يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين يومياً. فالمئة مليون دولار المطلوبة تبدو رقماً متواضعاً مقارنة بما يُنفق على الحروب والتسلح، لكنها بالنسبة لملايين اللاجئين تمثل الفارق بين التعليم والجهل، وبين العلاج والمرض، وبين الحياة الكريمة والانهيار الإنساني. ومن هنا، فإن إنقاذ الأونروا لم يعد مجرد مسألة تمويل، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بمسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه اللاجئين الفلسطينيين. مسؤولية عربية لا تحتمل التأجيل في ظل هذا المشهد، لم يعد كافياً أن تقتصر المواقف العربية على بيانات الدعم السياسي، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى إطلاق مبادرة عربية دائمة لتمويل الأونروا، تضمن استقرار مواردها بعيداً عن الابتزاز السياسي والتقلبات الدولية. كما أن الدول العربية، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي، مطالبة بقيادة تحرك دبلوماسي واسع داخل الأمم المتحدة لحماية تفويض الوكالة، والتصدي لمحاولات تقويض شرعيتها أو نقل مسؤولياتها إلى جهات أخرى، لأن ذلك يعني عملياً شطب قضية اللاجئين من جدول الأعمال الدولي. دور الدول الحرة ولا تقتصر المسؤولية على الدول العربية وحدها، بل تمتد إلى جميع الدول التي تؤمن بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. فالدول الحرة مطالبة بالوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الأونروا، وعدم السماح بتحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة للضغط السياسي. إن انهيار الأونروا لن يكون هزيمة للفلسطينيين وحدهم، بل سيكون هزيمة لمنظومة الأمم المتحدة بأكملها، ورسالة خطيرة مفادها أن المؤسسات الدولية يمكن إسقاطها تحت ضغط القوة السياسية والعسكرية. .
مشاهدة الأونروا hellip خط الدفاع الأخير عن اللاجئين الفلسطينيين في مواجهة محاولات
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأونروا خط الدفاع الأخير عن اللاجئين الفلسطينيين في مواجهة محاولات الشطب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.