سبتة ومليلية .. حين يحضر تقاطع الذاكرة التاريخية مع الهجرة والسيادة ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

وينبغي، بطبيعة الحال، أن تحظى المآسي الإنسانية المرتبطة بمحاولات عبور حدود سبتة ومليلية بالأولوية قبل أي اعتبار آخر. فقد لقي رجال ونساء وأطفال حتفهم أو أصيبوا بجروح وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا، وغالبًا ما كانوا مدفوعين بالفقر أو اليأس أو انعدام الآفاق الاقتصادية. ولا يمكن أن تقتصر الاستجابة لمثل هذه المآسي على تعزيز أنظمة المراقبة واعتماد مقاربة محض أمنية في إدارة الحدود، بل تقتضي أيضًا التفكير في الأسباب البنيوية للهجرة، وفي أوجه التفاوت بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وفي المسؤولية المشتركة للدول الأوروبية والأفريقية.

تقع سبتة ومليلية على الساحل الشمالي لأفريقيا، وتخضعان حاليًا للإدارة الإسبانية. ولا يزال وضعهما موضع نزاع سياسي مستمر بين المغرب وإسبانيا؛ إذ يعتبر المغرب أن هذين الإقليمين يندرجان ضمن نطاق وحدته الترابية، في حين تؤكد إسبانيا أن المدينتين تشكلان جزءًا لا يتجزأ من ترابها الوطني.

تتمتع سبتة بتاريخ عريق للغاية. فقد خضعت المدينة، على امتداد العصور القديمة والعصور الوسطى، تباعًا لسلطات سياسية مختلفة. كما أُدمجت، على وجه الخصوص، ضمن الأراضي التي كانت تسيطر عليها الدول الإسلامية التي حكمت المغرب الأقصى والأندلس. وتمثل العهود المرابطية والموحدية والمرينية مراحل بالغة الأهمية في التاريخ السياسي والثقافي للمنطقة المحيطة بمضيق جبل طارق.

أما تاريخ مليلية فمختلف. فقد استولت عليها القوات القشتالية سنة 1497، بقيادة بيدرو دي إستوبينيان وبدعم من دوق مدينة ميدينا سيدونيا. ومن ثم، تطور الوجود الإسباني في مليلية ضمن مسار تاريخي متميز عن مسار سبتة.

وقد أظهرت أعمال مؤرخين من أمثال فرناند بروديل إلى أي مدى ينبغي النظر إلى البحر الأبيض المتوسط باعتباره فضاءً تاريخيًا مترابطًا، تشكلت عبره تدفقات بشرية وتجارية وثقافية وسياسية تعود إلى ما قبل نشوء الدول القومية الحديثة بوقت طويل.

وتكتسي هذه الملاحظة أهمية أساسية. فالتصور الأوروبي الحديث للحدود، القائم على ترسيم ترابي دقيق وعلى اختصاص قضائي متجانس من الناحية القانونية، لا يتطابق دائمًا مع أشكال السيادة التي كانت سائدة في المغرب الكبير قبل الاستعمار. فقد كانت سلطة السلطان تمارس بدرجات متفاوتة، من خلال علاقات البيعة والجباية والروابط الدينية والسياسية، من دون أن تتخذ بالضرورة شكل سيطرة إدارية موحدة ومتماثلة.

بعد استقلال المغرب سنة 1956، أصبحت مسألة الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية عنصرًا مهمًا في النقاش السياسي الوطني. وقد دافع التيار القومي المغربي، ولا سيما داخل حزب الاستقلال، عن استعادة الأراضي التي اعتُبرت قد فُصلت عن المغرب خلال الفترة الاستعمارية.

وتكمن الخصوصية المعاصرة لسبتة ومليلية في وضعهما القانوني والسياسي. فالمدينتان تخضعان للإدارة الإسبانية وتشكلان جزءًا من الاتحاد الأوروبي، لكنهما تقعان جغرافيًا على الساحل الأفريقي. ومن ثم، فإنهما تمثلان نقطتي اتصال استثنائيتين بين المجال الأوروبي والقارة الأفريقية.

وقد أدت قضية الهجرة، تبعًا لذلك، إلى تحول عميق في الأهمية الاستراتيجية لهاتين المدينتين. فقد أصبحت سبتة ومليلية فضاءين تتجسد فيهما ماديًا الحدود الخارجية لأوروبا، وكذلك الوجود الترابي المرتبط بالإرث الاستعماري. كما اكتسبت وظيفتهما المتعلقة بمراقبة الهجرة تدريجيًا أهمية تضاهي أهميتهما التاريخية والعسكرية.

وتشير دراسة جيمي ترينيداد حول المطالب المغربية المتعلقة بالأقاليم الإسبانية في أفريقيا، كذلك، إلى أن الحجج القانونية تختلف باختلاف الإقليم المعني، وأن قوة المطالب المغربية تختلف في حالات سبتة ومليلية وجزر الشفارين وجزيرة ليلى.

وكثيرًا ما تُستحضر المقارنة مع جبل طارق في الخطاب السياسي المغربي. فقد أظهرت العملية التي انخرطت فيها إسبانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن الوضع العملي لجبل طارق أن النزاع الترابي القديم يمكن أن يُحاط تدريجيًا بآليات للتعاون والإدارة المشتركة، حتى عندما تظل المواقف المبدئية بشأن السيادة متباينة.

ويمكن التفكير في مقاربة مماثلة بالنسبة إلى سبتة ومليلية.

ومن المهم أيضًا الاعتراف بأن قضية الهجرة لا يمكن حلها بصورة مستدامة من خلال عسكرة الحدود وحدها. فقد أظهرت أحداث عامي 2021 و2026 أن حدود سبتة ومليلية يمكن أن تُستخدم أيضًا أدواتٍ للضغط الدبلوماسي. ومن ثم، ينبغي أن يندرج التعاون في مجال الهجرة بين الرباط ومدريد ضمن استراتيجية أوسع تقوم على التنمية الاقتصادية، والتنقل القانوني، ومكافحة الشبكات الإجرامية، وحماية الحقوق الأساسية.

إن المغرب وإسبانيا مدعوان إلى التعايش. فالقرب الجغرافي بينهما، وعلاقاتهما الاقتصادية والإنسانية، ومصالحهما الأمنية المشتركة، تجعل من الضروري بناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل. ومن شأن تسوية النزاع الترابي، مهما بلغت درجة تعقيده، أن تسهم في فتح فصل جديد في العلاقات الثنائية.

وينبغي أن يتمثل الهدف النهائي في تحويل ما يشكل اليوم حدودًا للفصل إلى فضاء للتعاون. ومن شأن مثل هذا التحول أن يخدم ليس فقط مصالح المغرب وإسبانيا، بل أيضًا مصالح الاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأبيض المتوسط برمتها.

سبتة ومليلية .. حين يحضر تقاطع الذاكرة التاريخية مع الهجرة والسيادة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة سبتة ومليلية حين يحضر تقاطع الذاكرة التاريخية مع الهجرة والسيادة

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سبتة ومليلية حين يحضر تقاطع الذاكرة التاريخية مع الهجرة والسيادة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سبتة ومليلية .. حين يحضر تقاطع الذاكرة التاريخية مع الهجرة والسيادة.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار