مؤلم للغاية هذا العسر الذي تواجهه الدولة المغربية في التواصل بشأن المأساة التي وقعت في سواحلها الشمالية الأسبوع الماضي. الأمر يتجاوز الشعور بانعدام الأهمية، كمواطنين في هذه الدولة، إلى شعور بالألم، كي لا نقول الإشفاق، لأنه لا يجوز تجاه الدول.
فمنذ انطلاق تدفق تلك الأمواج البشرية نحو سبتة، والتي لم تكن أرقاماً ولا كتلًا مجهولة، بل كانت أرواحاً وأجساداً من لحم ودم، لم تخرج الجهات الرسمية سوى مرتين حتى الآن: الأولى عبر موظف في وزارة الداخلية، والثانية عبر مصدر قالت وكالة المغرب العربي للأنباء، على ذمتها، إنه حكومي.
وفي المرتين معاً، لم يكن الكلام موجهاً أساساً إلى المواطن المغربي، بل إلى الخارج، تبريرا ومجادلة وتقديما للحساب.
الأمر مثير للألم، ليس لأنه يمعن في تأكيد الطبيعة الهامشية للإنسان المغربي في حسابات الدولة، وانعدام أي رغبة ظاهرة في أخذ انتظاراته وهواجسه وأحلامه ومخاوفه بعين الاعتبار؛ بل لأن هذا الوضع يعني، في المقابل، أن هناك ضغوطاً شديدة وكبيرة، وأن ما يقال وما لا يقال يخضع لحسابات تتجاوز بكثير واجب إخبار المواطنين وطمأنتهم واحترام حقهم في الفهم.
وحده صديقي الأستاذ الجامعي والمتابع الحصيف للأحداث السياسية، والذي لا أملك أن أستأذنه في ذكر اسمه في هذه الساعة المبكرة من اليوم التي أكتب فيها هذا المقال، عبّر لي بصدق وتلقائية عن حقيقة ما يجري عندما كلمته مباشرة بعد صدور تصريح الناطق باسم وزارة الداخلية.
صديقي الأستاذ الجامعي ترجم لي ما يقع فوراً، ومن دون تردد، باعتباره شكلاً من أشكال تدبير التفاوض الذي يجري في الكواليس، وقال: “هذا ما يقع عندما يجري التفاوض بين طرفين غير متكافئين من حيث القوة وأوراق الضغط. إسبانيا تتعامل معنا وفي ظهرها الاتحاد الأوروبي والكتلة الغربية كلها، مهما بدت منقسمة أو على خلاف. وضمن ذلك توجد قوة إعلامية ضاربة، وقدرة على إسماع الصوت وفرض السردية، لا يمكن مقارنتها بأوراق المغرب. وبالتالي فإن أي تواصل من جانب الدولة المغربية سيوظف ضدها من طرف هذه الأوساط، ولن يصل إلى الرأي العام الدولي كما تريده الرباط”.
ولم ينس صديقي الأستاذ الجامعي أن يوضح أنه يحاول هنا تفسير ما يجري، لا تبريره، “لأن هذا كله يجري على حساب حقوق واعتبار الإنسان المغربي، والذي يبدو كما لو أن روحه وسلامته ومشاعره… كل هذا، لا قيمة ولا اعتبار له في حسابات الدولة”.
والبلاغ الجديد، أو بالأحرى الكلام المنسوب إلى “مصدر حكومي”، يؤكد هذا التفسير أكثر مما ينفيه. فمنذ سطره الأول، لا يخاطب المصدر المواطنين الذين تابعوا صور الغرق والفرار والهلع، ولا الأسر التي لا تزال تنتظر خبراً عن مفقود، ولا الرأي العام الذي يبحث عن حصيلة موثوقة لما وقع. بل يخاطب أطرافاً أخرى يبدو أنها اتهمت المغرب، أو ضغطت عليه، أو حاولت ابتزازه، أو شككت في التزامه.
يقول المصدر إن المملكة ظلت شريكاً “ذا سيادة ومخلصاً ومسؤولا” في محاربة الهجرة غير النظامية، وإنها “لم تخضع يوماً للضغط”، ولم تتحرك “بدافع الإكراه أو تحت وطأة الابتزاز”.
هذه ليست لغة شرح ما وقع للمغاربة. إنها لغة دفاع ومرافعة في مواجهة اتهام غير معلن. وهي، قبل كل شيء، تكشف أن النقاش الحقيقي الدائر في الكواليس لا يتعلق بعدد الذين تدفقوا نحو سبتة، ولا بعدد من ماتوا أو أصيبوا أو فُقدوا، بل بمكانة المغرب داخل منظومة ضبط الحدود الأوروبية، وبما إذا كان قام بما يكفي، أو قصّر، أو استُعملت معه أدوات الضغط.
حين يصر مصدر حكومي مرتين على أن المغرب “يتحمل مسؤولياته كاملة”، وأنه لم يتحرك تحت الإكراه، فمعنى ذلك أن هناك من يسائله، وربما من يطالبه بالمزيد. وحين يضيف أن المغرب عبّأ وسائل بشرية وتقنية ومالية ضخمة، وأن الواجهة الغربية للمتوسط ظلت أقل إشكالية بالنسبة إلى أوروبا بفضل هذا الجهد، فإنه يقدم فاتورة سياسية وأمنية، لا بياناً موجهاً إلى شعب منكوب.
الأرقام الواردة في البلاغ مهمة، وهي تتحدث عن 74 ألف محاولة جرى إحباطها سنة 2025، و79 ألفاً سنة 2024، و632 شبكة جرى تفكيكها خلال سنتين، وأكثر من 32 ألف عملية إنقاذ في البحر، وأكثر من 360 ألف محاولة هجرة أُحبطت خلال خمس سنوات… لكن السؤال ليس حول ماذا تقول هذه الأرقام، بل لمن قُدّمت ولماذا الآن؟
الجواب الأقرب هو أن المغرب أراد أن يذكّر شركاءه بأن الهدوء النسبي على الضفة الجنوبية لأوروبا ليس هبة طبيعية، بل نتيجة كلفة أمنية وبشرية ومالية يتحملها منذ سنوات. وأراد أن يقول إن ما وقع لا ينبغي أن يمحو رصيداً طويلاً من التعاون، وإن الرباط ليست متلقية للأوامر ولا مجرد حارس حدود تابع، بل شريك له سيادته ومصالحه وحساباته.
وهذا كله مفهوم في منطق الدول والتفاوض. لكن ما لا يمكن فهمه هو أن تقدم الدولة هذا الحساب المفصل للخارج، بينما تواصل حجب الحساب الأساسي عن الداخل: كم عدد القتلى؟ وكم عدد المفقودين؟ وكم عدد المصابين؟ ومن هم؟ وكيف تحركت هذه الأعداد في وقت متقارب؟ وما الذي وقع ميدانياً؟ وهل كانت هناك ثغرات أو أخطاء أو تقديرات غير صائبة؟ وما حقيقة الحملة الرقمية؟ وهل فُتح تحقيق لتحديد المسؤوليات؟
كان في وسع المصدر الحكومي، وهو يقدم كل هذه الأرقام عن جهود خمس سنوات، أن يخصص جملة واحدة للضحايا. أن يقول إن الدولة تتأسف، أو تعزي، أو تحقق، أو تبحث، أو تتكفل. لكنه لم يفعل. وهذا يكشف ترتيب الأولويات داخل الخطاب الرسمي. الدفاع عن صورة الدولة أمام الخارج أولاً، ثم إثبات الالتزام للشركاء، ثم التذكير بالكلفة التي يدفعها المغرب، أما الإنسان المغربي الذي مات أو فُقد أو خاطر بحياته، فيبقى خارج النص.
المفارقة أن البلاغ الحكومي أراد التأكيد أن المغرب “شريك ذو سيادة”، لكنه كشف، من حيث لا يريد، حجم الحساسية التي تحكم حركته. أراد أن ينفي الضغط، فدلّ على وجوده. وأراد أن ينفي الابتزاز، ففتح باب السؤال عنه. وأراد أن يثبت أن التعاون مع إسبانيا “نموذجي”، فذكّر بأن هذا التعاون يجري بين طرف يستند إلى الاتحاد الأوروبي وكتلة غربية كاملة، وطرف يدفع من موارده واستقراره وسمعته ومن أجساد مواطنيه أيضاً، كي تظل الضفة الأخرى هادئة.
هذه ليست دعوة إلى الصدام مع إسبانيا أو أوروبا، ولا إلى تحويل مأساة إنسانية إلى مزاد سيادي فارغ. السياسة الرشيدة تقتضي التعاون، والتفاوض، وحماية المصالح، وتجنب الانفعال. لكن الرشد نفسه يقتضي ألا يصبح المواطن المغربي هو الكلفة الصامتة لهذا التوازن.
يمكن للدولة أن تختار كلماتها بعناية في مخاطبة الخارج. ويمكنها أن تدير تفاوضاً معقداً في الكواليس. ويمكنها حتى أن تلتزم الصمت المؤقت حين يكون الكلام مضراً بمصالح البلاد. لكن لا يمكنها أن تفعل كل ذلك دون أن تفتح في الداخل مساحة للحقيقة والاعتراف والاحترام.
الدولة التي تطلب من مواطنيها أن يفهموا تعقيدات التفاوض، مطالبة أولاً بأن تعاملهم كطرف في المعادلة، لا كعبء عليها.
الدولةُ تُخاطب الخارج صوت المغرب.
مشاهدة الدولة ت خاطب الخارج
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الدولة ت خاطب الخارج قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الدولةُ تُخاطب الخارج.
في الموقع ايضا :
- الدكتور بن نويصر والدكتور الماس يدشنان بالمكلا الدورة التدريبية لتعزيز قدرات العاملين في المنافذ الحدودية حول الأمن الصحي الوطني
- الحركه الداخليه بادارة الأحوال المدنية بكفرالشيخ ..حرفوش مديرا لإداره الاحوال المدنيه د.الوكيل مديرا لإصدار بطاقات الرقم القومى
- « سنتكوم»: تغيير مسار 44 سفينة تجارية منذ فرض الحصار على إيران• القوات_الأمريكية أعلنت إحكام الحصار البحري مع السماح بمرور 30 سفينة مساعدات إنسانية