حين صار البحر خزانة لأحذية الغائبين ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

في هذه الصورة، لا يرفع البحر أمواجه، ولا يستعرض قوته، ولا يزمجر في وجه اليابسة. يبدو هادئًا إلى حدّ القسوة، كأن السطح الأزرق يخفي تحت سكينته حكاية أكبر من قدرة الكلمات على الاحتمال. تقترب العين من المشهد كما تقترب من لوحة غريبة، ثم يوقظها التفصيل فجأة.

يمنح الفراغ داخل كل حذاء الصورة قوتها المرعبة. لا نرى قدمًا، ولا جسدًا، ولا وجهًا، ومع ذلك يستحضر الخيال إنسانًا كاملًا. يتخيل ضحكته، تعبه، خوفه، والخطوة الأخيرة التي خطاها قبل أن ينفصل عنه ما كان يحمي قدميه.

تبدو الصورة ساكنة، غير أن داخلها حركة عنيفة من الذكريات المحتملة، كأن مئات الخطوات تواصل سيرها في الصمت بعدما فقدت الطريق والأرض.

احتفظ كل نعل بذاكرة خطوات لا نراها: طريق إلى مدرسة، جولة في سوق، نزهة قرب بيت، ركضة طفل خلف كرة، خروج أمّ لقضاء حاجة، سفر رجل بحثًا عن فرصة.

وحين تملأ الأحذية صفحة الماء، تتحول الصورة كلها إلى محكمة صامتة. لا قاضٍ فيها، ولا خطيب، ولا لائحة اتهام. يكفي أن ننظر كي نشعر أن شيئًا ما اختلّ في علاقتنا بالإنسان وبالعالم. قد يرى بعضهم في المشهد نفايات تلوّث البحر. سيرى آخرون أثر كارثة، أو علامة على رحلة انكسرت في منتصفها.

ثم تأتي لحظة واحدة فتسقط عنها الأسماء التجارية، والأسعار، والرغبات التي أحاطت بها. لا يبقى منها إلا شكلٌ فارغ يذكّرنا بأن قيمة الحذاء لم تسكن يومًا في جلده أو لونه، وإنما في القدم التي منحته معنى.

الأحذية التي لم تعد إلى البيت

يواصل البحر حركته غير عابئ بتفسيراتنا. يدفع فردة إلى الأمام، يعيد أخرى إلى الخلف، يجمع حذاءين للحظة ثم يفرقهما. يشبهُ الزمنَ في ذلك؛ يحمل آثارنا، يبعثرها، ويترك منها ما يكفي كي يتذكر القادمون أننا مررنا من هنا.

تطرح الصورة أيضًا سؤالًا عن البحر نفسه. لماذا نراه فضاءً للراحة في يوم، وطريقًا للخوف في يوم آخر؟ البحر واحد، غير أن مصائر البشر تمنحه وجوهًا متعددة. يراه السائح أفقًا للمتعة، ويراه الصياد مصدر رزق، ويراه الهارب احتمال نجاة، وتراه الأم التي تنتظر ابنها جدارًا أزرق لا يجيب.

الاعتياد يخفّف الصدمة، ثم يضعف التعاطف، ثم يحوّل المأساة إلى خلفية عابرة بين الأخبار. تبدأ القسوة حين نتوقف عن رؤية الأشخاص خلف الأشياء. لذلك تدعونا هذه الأحذية إلى استعادة النظر: أن نتأمل الفردة البيضاء الصغيرة كأن طفلًا كان ينتظر أن يكبر داخلها، وأن نرى الحذاء الأسود كأن صاحبه مشى به نحو حلم لم يصل إليه.

يدعونا هذا المشهد إلى مراجعة معنى النّجاة نفسه. لا تكفي نجاة الجسد وحدها إن مات الضمير، ولا يكفي أن يعيش بعض الناس بأمان بينما يحاصر الخوف آخرين عند حدود العالم. تقاس إنسانية المجتمعات بطريقة تعاملها مع الضعفاء، وبقدرتها على رؤية الفرد داخل الحشود.

لا ينقصُ العالم الذكاء، وإنما تنقصه إرادة تضع الكرامة الإنسانية قبل المصالح والحسابات والخوف من الآخر. لا تبدو الصورة ممتلئة بالأحذية قدر امتلائها بالغياب.

لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر

حين صار البحر خزانة لأحذية الغائبين Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة حين صار البحر خزانة لأحذية الغائبين

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين صار البحر خزانة لأحذية الغائبين قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين صار البحر خزانة لأحذية الغائبين.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار