بدأت في تلك اللحظة الصامتة التي ضاقت فيها الأوطان بأحلام أبنائها، وغدت المسافة إلى الكرامة أطول من المسافة بين ضفتين. عندها لم يعد البحر مجرد امتداد للماء، بل تحول إلى سؤال وجودي، وإلى احتمال أخير يسبق اليأس الكامل. فحين يعجز الإنسان عن أن يرى مستقبله على اليابسة، يصبح الأفق البعيد أكثر إغراء، ولو كان محفوفا بالغرق.
وتكررت الصورة، بعد سنين عديدة، وإن اختلفت الجغرافيا. خرج السوريون هربا من حرب مزقت المدن والبيوت، وخرج الليبيون من بلد أنهكته الفوضى والانقسام، كما شهدت مناطق أخرى من العالم المشهد ذاته بأسماء مختلفة. ورغم اختلاف السياقات، بقي الجامع بينها واحدا: البحر لم يكن سبب الرحيل، بل كان آخر مراحله.
هذه المرة ليست سواحل بحر الصين الجنوبي، بل شواطئ المغرب الشمالية. وليست القوارب تنطلق من بلد مزقته حرب أو اجتاحته مجاعة أو جائحة، بل من بلد يحقق إنجازات كبرى، ويعزز مكانته الإقليمية والدولية، ويواصل إطلاق مشاريع استراتيجية طموحة.
بين الفنيدق وسبتة لا تفصل سوى كيلومترات قليلة، لكن تلك المسافة الصغيرة بدت، في نظر كثير من الشباب، وكأنها تفصل بين واقعين مختلفين. من مدينة مغربية، في اتجاه أخرى ما تزال خاضعة للاحتلال الإسباني، رغم أن التاريخ والجغرافيا يرويان، كل بطريقته، انتماءها إلى المجال المغربي. غير أن للسياسة حساباتها التي لا تخضع دائما للمنطق.
وحين لفظ البحر أجساد من لم يبلغوا وجهتهم، لم يكن ذلك مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل تذكيرا بأن البحر ما زال يكتب تاريخ المقهورين بالحبر نفسه؛ الماء، والملح، والدموع.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. ليس كيف وصل هؤلاء إلى البحر، بل لماذا وصلوا إليه أصلا؟ ولماذا أصبح احتمال الغرق، عند بعضهم، أقل قسوة من يقين البقاء؟.
لماذا يدق الشباب جدران الخزان؟
غير أن سؤالا ظل معلقا فوق الأمواج، أكثر عمقا من كل البيانات والتصريحات: ما الذي يدفع آلاف الشباب إلى أن يراهنوا بحياتهم على موجة، بدل أن يراهنوا بها على وطنهم؟
ولعل الأدب سبق السياسة، مرة أخرى، إلى طرح هذا السؤال.
كان ذلك السؤال، في جوهره، احتجاجا على الصمت أكثر مما كان احتجاجا على الموت.
فالنزوح أو الهجرة الجماعية ليست مجرد انتقال سكاني، بل هي أيضا لغة اجتماعية وسياسية. إنها اللحظة التي يفقد فيها الإنسان ثقته في قدرة المكان على احتضانه، فيمنح ثقته للبحر، رغم أنه يعلم أن البحر لا يمنح الوعود، بل يمنح الاحتمالات.
وهنا يصبح من المشروع أن نطرح سؤال فاعلية السياسات العمومية في تحويل النمو الاقتصادي والمشاريع الكبرى إلى شعور يومي بالأمل لدى المواطنين. فقد أثبت المغرب، خلال السنوات الأخيرة، قدرة لافتة على إنجاز أوراش استراتيجية كبرى، من البنيات التحتية إلى المشاريع الصناعية والطاقية، وعزز حضوره الإقليمي والدولي بصورة غير مسبوقة. غير أن نجاح الدول لا يقاس فقط بحجم ما تشيده من طرق وموانئ ومناطق صناعية، بل أيضا بقدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأن له مكانا داخل هذا البناء، وأن نصيبه من التنمية ليس وعدا مؤجلا، بل واقعا يلمسه في حياته اليومية.
ولا يقل عن ذلك أهمية سؤال التواصل العمومي. ففي الأزمات الكبرى لا تنتظر المجتمعات القرارات وحدها، بل تنتظر أيضا خطابا يفسر ويطمئن ويقنع. وعندما يتأخر هذا الخطاب، أو يفتقد القدرة على مخاطبة الوجدان والعقل معا، تملأ الإشاعة فراغ المعلومة، ويصبح التأويل أقوى من الحقيقة، وتتحول منصات التواصل إلى المصدر الأول لتشكيل الرأي العام.
بين رمزية التوقيت ورسالة الحدث
وفي خضم هذه المشاهد، تستحضر الذاكرة عبارة جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله «أنا لا أثق بالصدف، خصوصًا إذا كانت سياسية.” وهي عبارة لا تدعو إلى إطلاق الأحكام المسبقة، ولا إلى الارتماء في أحضان نظريات المؤامرة، بقدر ما تدعو إلى قراءة الأحداث في سياقاتها، لأن السياسة كثيرا ما تمنح للتوقيت دلالات لا تقل أهمية عن الوقائع نفسها.
ويكتسب هذا التزامن حساسية إضافية في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية، وفي وقت تواصل فيه الحكومة تقديم حصيلتها التي تدعي أنها حصيلة إيجابية. ولا يكفي هذا التزامن، بطبيعة الحال، لإثارة سؤال العلاقة سببية بين الوقائع، لكنه يطرح أسئلة سياسية وإعلامية مشروعة حول أثر الصورة في تشكيل الرأي العام، وحول الكيفية التي يمكن أن تستثمر بها مثل هذه المشاهد، داخليا وخارجيا، عندما تقع في لحظات وطنية ذات رمزية خاصة.
لقد أثبت المغرب، خلال العقود الأخيرة، أنه قادر على إطلاق مشاريع كبرى، وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي، وفرض نفسه شريكا موثوقا في محيطه الإفريقي والأوروبي والمتوسطي والدولي، غير أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تشيده من طرق سيارة، وموانئ، ومناطق صناعية، ومشاريع استراتيجية، وإنما أيضا بقدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأنه شريك في هذا النجاح، وأن له مكانا محفوظا داخل الوطن، وأن مستقبله لا يبدأ بالضرورة من الضفة الأخرى.
إن ما شهدته سبتة ليس مجرد أزمة حدود، بل هو دعوة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين التنمية والعدالة، وبين الإنجاز الاقتصادي والأمل الإنساني. فحماية الحدود تبدأ، قبل كل شيء، بحماية الثقة، لأن الحدود لا يمنعها البحر وحده، بل يمنعها أيضا اقتناع المواطن بأن وطنه هو أفضل مكان لتحقيق أحلامه.
ولهذا، فإن السؤال الذي تركه لنا غسان كنفاني لا يزال حيا، لكنه عاد اليوم بصيغة مختلفة. فلم يعد السؤال: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟” بل أصبح: كيف نجعل أبناء الوطن لا يشعرون أصلا بأنهم مضطرون إلى البحث عن خزان، أو عن قارب، أو عن بحر، ليعثروا على مستقبلهم؟
وسيظل البحر يعيد إلى الشاطئ القوارب التي نجت، والجثث التي لم تنج، لكنه سيعيد معها، في كل مرة، السؤال ذاته: كيف نجعل الوطن هو الحلم، لا الضفة الأخرى؟ فحين يجد الإنسان كرامته في وطنه، لن يكون البحر طريقا للنجاة، بل سيعود إلى معناه الأول… أفقا للحياة، لا معبرا إليها.
حين يدق الوطن جدران الخزان Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة حين يدق الوطن جدران الخزان
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين يدق الوطن جدران الخزان قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين يدق الوطن جدران الخزان.
في الموقع ايضا :