كتب زياد فرحان المجالي – خاص JO24 في الشرق الأوسط، لا تبدأ الأزمات الكبرى دائمًا من الجبهات العسكرية المفتوحة، ولا من مضائق النفط وممرات التجارة الدولية. أحيانًا تبدأ من مكان تبلغ مساحته 144 دونمًا في قلب القدس، لكنه يحمل من الرمزية الدينية والسياسية والتاريخية ما يجعله قادرًا على نقل المنطقة بأكملها من حالة الاحتواء إلى الانفجار. ومن هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي قراءة الحراك الدبلوماسي الذي شهدته عمّان، حيث تزامنت التحركات العربية والإسلامية الخاصة بالقدس والمسجد الأقصى مع لقاءات واتصالات إقليمية أوسع، بينها اجتماعات جمعت وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان ضمن الصيغة الرباعية المعروفة بـR4. وهنا تكمن الدلالة السياسية الأهم. فالمساران ليسا اجتماعًا واحدًا، ولا ينبغي دمج بياناتهما ومخرجاتهما، لكن تزامنهما في العاصمة الأردنية يعكس حقيقة يصعب تجاهلها: أزمات الإقليم، مهما تعددت ساحاتها، أصبحت شديدة الترابط، والقدس عادت إلى قلب معادلة الأمن الإقليمي، لا إلى هامشها. الصيغة الرباعية التي تجمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان تطورت خلال الأشهر الأخيرة كإطار للتشاور حول أزمات المنطقة، وعقد وزراؤها اجتماعات متتابعة لمناقشة الملفات الإقليمية الساخنة. أما اجتماع عمّان الخاص بالقدس، فقد جمع دائرة عربية وإسلامية أوسع، وركز بصورة مباشرة على التطورات المتعلقة بالمدينة المقدسة والمسجد الأقصى والوضع التاريخي والقانوني القائم فيه. والفصل بين المسارين مهم، لكنه لا يلغي الترابط السياسي بينهما. فالمنطقة تواجه اليوم جملة أزمات متزامنة: توترات عسكرية، ضغوط على الممرات البحرية، أزمات في غزة ولبنان وساحات أخرى، ومحاولات إقليمية ودولية لمنع الانزلاق إلى مواجهة أشمل. وفي مثل هذه البيئة، يصبح أي تغيير جذري في القدس قادرًا على إنتاج موجة تصعيد تتجاوز حدود المدينة والقضية الفلسطينية نفسها. وهذه تحديدًا هي خطورة المسجد الأقصى. فالحديث عن تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم، أو السماح بوقائع جديدة تتعلق بالصلاة أو الإدارة أو الدخول إلى الحرم القدسي الشريف، لا يمكن النظر إليه باعتباره خلافًا إداريًا أو أمنيًا محدودًا. القضية تمس واحدة من أكثر النقاط حساسية في الوعي العربي والإسلامي، وأي انتقال من الاستفزازات المتفرقة إلى محاولة فرض واقع جديد قد يفتح الباب أمام أزمة دينية وسياسية يصعب ضبط حدودها. ولهذا حمل اجتماع عمّان رسالة تتجاوز لغة الإدانة التقليدية. فالمشاركون أكدوا رفض الإجراءات الرامية إلى تغيير الطابع القانوني والتاريخي والديمغرافي للقدس، وشددوا على ضرورة حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف، كما اتجهوا إلى تطوير أدوات دبلوماسية وإعلامية لرصد الانتهاكات وعرضها أمام المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي. الأردن ليس مجرد مكان للاجتماع وهنا يظهر البعد الأردني الأكثر أهمية. فاستضافة عمّان لهذا الحراك ليست مجرد مسألة بروتوكولية، لأن الأردن يمتلك موقعًا قانونيًا وسياسيًا وتاريخيًا مختلفًا عن بقية الأطراف عندما يتعلق الأمر بالقدس. فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية تجعل المملكة طرفًا مباشرًا في معادلة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم، فيما تتولى إدارة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية إدارة شؤون المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف. والأهم أن الحديث هنا لا يتعلق بالمسجد القبلي وحده، كما قد يوحي بعض الخطاب السياسي والإعلامي، وإنما بكامل مساحة المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف البالغة 144 دونمًا، بمساجده وساحاته ومرافقه، وهي المساحة التي تؤكد المواقف العربية والإسلامية أنها مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن إدارة أوقاف القدس الأردنية هي الجهة المختصة بإدارة شؤونه في إطار الوصاية الهاشمية. وهذا يمنح عمّان دورًا يتجاوز الاعتراض السياسي على الانتهاكات. فالأردن يدرك أن أي تقويض للوصاية أو تغيير أحادي في الوضع القائم لا يمس مكانته في القدس فحسب، وإنما يهز واحدة من آليات ضبط التوتر الديني والسياسي التي حافظت، رغم كل الأزمات، على قدر من التوازن داخل أكثر بقاع المنطقة حساسية. ومن هنا يمكن النظر إلى الوصاية الهاشمية باعتبارها أيضًا آلية استقرار إقليمي، وليس فقط مسؤولية دينية وتاريخية. القدس والممرات البحرية… أين العلاقة؟ قد يبدو للوهلة الأولى أن الربط بين القدس وأمن الممرات الدولية مبالغ فيه. فمضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب تحكمها حسابات عسكرية واقتصادية مختلفة تمامًا عن ملف المسجد الأقصى. وهذا صحيح من الناحية المباشرة. لكن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لا تعمل بهذه البساطة. فحين تتصاعد أزمة ذات بعد ديني وسياسي بحجم القدس، تتوسع دائرة ردود الفعل، وتزداد الضغوط على الحكومات والقوى الإقليمية، وتصبح ساحات أخرى قابلة للاشتعال أو الاستخدام ضمن معادلات الرد والضغط. ولهذا فإن الخطر ليس في أن حادثًا في الأقصى سيغلق ممرًا بحريًا بصورة آلية، وإنما في أن انفجار ملف القدس قد يضيف أزمة كبرى جديدة إلى إقليم يعاني أصلًا من مستوى مرتفع من التوتر العسكري والسياسي. وهنا تصبح حماية القدس جزءًا من سياسة منع توسع الحرب. ما الذي تقوله عمّان؟ الرسالة التي خرجت من العاصمة الأردنية يمكن اختصارها بثلاثة مستويات. الأول أن القدس ليست ملفًا فلسطينيًا مؤجلًا يمكن التعامل معه بعد الانتهاء من أزمات الإقليم الأخرى. والثاني أن الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى وحماية الوصاية الهاشمية يمثلان عنصرًا أساسيًا في منع تحول الصراع السياسي إلى مواجهة دينية مفتوحة. أما المستوى الثالث، وربما الأكثر أهمية، فهو أن القوى الإقليمية التي قد تختلف بشدة حول ملفات أخرى لا تزال قادرة على إيجاد مساحة مشتركة عندما يصل الأمر إلى القدس. وهذا بحد ذاته تطور يستحق التوقف عنده. فالسعودية ومصر وتركيا وباكستان ليست دولًا متطابقة في حساباتها وتحالفاتها ورؤيتها لكل أزمات المنطقة، لكن وجودها في مسارات تشاور متزامنة داخل عمّان يكشف عن حاجة متزايدة إلى بناء شبكات تنسيق إقليمية تمنع انتقال الشرق الأوسط من أزمة إلى أخرى بلا ضوابط. وفي قلب هذه الشبكة، يظهر الأردن مرة أخرى بميزة سياسية لطالما امتلكها: دولة ليست الأكبر عسكريًا أو اقتصاديًا، لكنها قادرة بحكم موقعها واعتدال سياستها وعلاقاتها والوصاية الهاشمية على أن تكون مساحة التقاء عندما تصبح مساحات التوافق نادرة. القدس ليست ما بعد التسوية الخطأ الذي تكرر طويلًا في التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية كان الاعتقاد بأن القدس يمكن تأجيلها إلى نهاية المفاوضات، باعتبارها من «قضايا الوضع النهائي». لكن التجربة تقول شيئًا مختلفًا. القدس لا تنتظر نهاية الأزمات؛ بل تستطيع أن تعيد تشكيلها. ولهذا فإن حماية المسجد الأقصى والوضع التاريخي والقانوني القائم ليست قضية رمزية، ولا مجرد بند في بيانات وزراء الخارجية. إنها جزء من معادلة أوسع تتصل بمستقبل الاستقرار في منطقة أصبحت فيها الحدود بين المحلي والإقليمي والدولي أكثر هشاشة من أي وقت مضى. ومن هنا تكتسب رسالة عمّان معناها الحقيقي: لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر فوق بركان مفتوح في القدس. وإذا كانت القوى الدولية والإقليمية تبحث اليوم عن تهدئة الجبهات وحماية الملاحة ومنع اتساع الحروب، فإن الاختبار الأكثر حساسية قد لا يكون في مضيق بحري أو على جبهة عسكرية، بل في القدرة على منع تغيير الوقائع داخل الحرم القدسي الشريف. فالقدس ليست ملفًا يأتي بعد تسوية الإقليم. إنها أحد الشروط التي ستحدد أصلًا ما إذا كان الإقليم ذاهبًا إلى تسوية قابلة للحياة… أم إلى دورة جديدة من الصراع. .
مشاهدة من عم ان إلى الإقليم hellip لماذا عادت القدس لتصبح بوصلة الأمن والاستقرار
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من عم ان إلى الإقليم لماذا عادت القدس لتصبح بوصلة الأمن والاستقرار قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.