الغَرق مرَّتين .. في البَحر وفي النِّسيان ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

لا يقدم زفزاف البحر بوصفه مسؤولاً وحيداً عن الموت، يكشف شبكة كاملة من الجشع والفقر والسلطة والحاجة. يقف العياش وراء المركب، ويتعامل مع الصيادين كأنهم أدوات للعمل لا أرواح لها. يواجهه أهل القرية بالغضب، يطالبونه بحقوق موتاهم، ويحاولون أن يحولوا الحزن إلى موقف. يتدخل القائد، يحمي ميزان القوة، ويترك الجوع ينجز ما لم تنجزه الكلمات.

وفي آخر الليل، حين تهدأ المدن وتطفئ البيوت مصابيحها، يظل البحر وحده مستيقظاً. يقلب أمواجه كما يقلب شيخ متعب دفتر أسماء قديم، يتذكر وجوهاً عبرت فوقه، وأجساداً اختفت في أعماقه، وأحلاماً صغيرة لم تجد شاطئاً يحملها. لا يسأل البحر الغريق عن اسمه، ولا عن بلده، ولا عن اللغة التي نادى بها أمه في لحظته الأخيرة. يسمع الصرخة، يضمها إلى مائه، ثم يعيد إلى الساحل حذاءً منفرداً، أو قميصاً ثقيلاً بالملح، أو هاتفاً صامتاً يحمل صور حياة كاملة. عندها نفهم أن بعض القبور لا تحتاج إلى تراب، وأن الإنسان قد يجد قبره في الماء، بعيداً عن أهله، بلا شاهد يحمل اسمه، وبلا أُمٍّ تستطيع أن تقف عند رأسه وتقرأ عليه الدّعاء.

خلفه بيتٌ ضيقٌ، وأبٌ أنهكه التعب، وأم تخفي قلقها، وشهادة لم تفتح له باباً. أمامه مدينة تلمع كأنها جواب لكل أسئلته. وبينهما ماء صامت، عميق، لا يقدم وعداً. يدخل البحر. تضرب الموجة الأولى صدره، فيتراجع لحظة، ثم يتذكر أنه أخبر أصدقاءه بأنه سيصل، وكتب لأخته: “سأتصل بك من الضفة الأخرى.” كانت الجملة واثقة، وكان قلبه أكثر خوفاً. يواصل السباحة، يسمع أنفاس الآخرين وصيحات بعيدة ومحرك زورق وارتطام الماء بالأجساد.

تريد جواباً واحداً: هل ابنها حيّ؟ تريد جسداً تعانقه، أو حقيقة تنهي الانتظار. فالموت يمنح الحزن شكلاً، أما الفقد فيترك الباب مفتوحاً، والهاتف مشحوناً، والسرير مرتباً، والأمل معلقاً بين النجاة والغرق.

على الضفة الأخرى من اليأس

تمحو الأرقام تفاصيلهم، فيسهل على العالم أن ينساهم. تحمل مليلية جرحاً أكثر قسوة. يعبر رجال الصحراء والحدود، يقطعون مسافات طويلة، يتحملون الجوع والبرد والعنف، ثم يقفون أمام سياج حديدي يختصر كل رحلتهم في لحظة صدام.

هنا تستعيد رواية “قبور في الماء” معناها العميق. لا يقتصر القبر على الماء الذي يبتلع الجسد. قد يبدأ القبر في الصحراء، أو عند السياج، أو داخل شاحنة مغلقة، أو في مركز احتجاز.

البحر آخر الطريق، لا بدايته

في رواية محمد زفزاف، استغلَّ العياش حاجة أهل القرية، وفي واقع الحدود يستغل آخرون حاجة الشباب. يبيع السمسار الوهم، ويعرض المهرب طريقاً لا يضمن نهايته، ويقنع القاصر بأن البحر أقصر من اليأس. يدفع الفقير ثمن الحلم، ثم قد يدفع جسده ثمناً أخيراً. ومع ذلك، لا يضع زفزاف الجائع في قفص الاتهام. لا يخون الرجل ابنه الغريق حين يأكل من وليمة صاحب المركب؛ قد يحاول فقط أن يطعم أبناءه الأحياء.

لا تُوقف الحدود الرغبة في النجاة، بقدر ما تغيّر شكل الموت. لكن المأساة لا تبدأ في الماء. تبدأ على اليابسة: في مدرسة فقدت معناها، وسوق عمل أغلق أبوابه، وبَيْت أثقله الغَلاء، ومستقبل لا يلوح في الأفق. يبدأ الغرق حين يشعر الإنسان أنّ وطنه لا يراه، وأن شهادته لا تفتح باباً، وأن عمره يمضي بلا أثر. حين تصبح الكرامة امتيازاً والعمل صُدفة، يبدو البحر أحياناً أقل قسوة من البقاء. يحتاجُ البحر إلى عدالة على اليابسة، ويحتاج الشّباب إلى سبَبٍ حقيقي للبقاء. حين يجد الإنسان مكاناً يحفظ كرامته، لن يرى في الموجة طريقاً، ولا في السِّياج باباً.

ذاكرةُ الغَرقى

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

الغَرق مرَّتين .. في البَحر وفي النِّسيان Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة الغ رق مر تين في الب حر وفي الن سيان

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الغ رق مر تين في الب حر وفي الن سيان قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الغَرق مرَّتين .. في البَحر وفي النِّسيان.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار