هذا الاتجاه ظهر بوضوح في مواد نشرتها صحف إسبانية محافظة ويمينية، في مقدمتها “ABC” و”La Razón”، فيما قدمت “El Mundo” معالجة مختلفة نسبيا، انتقلت من تفاصيل الأزمة إلى آثارها السياسية المحتملة، وربطت ما يحدث في سبتة بتجربة أوروبا خلال أزمة اللاجئين سنة 2015، عندما ساهم الخوف المصاحب للتدفقات المفاجئة في تعزيز اليمين الراديكالي وتوسيع دائرة الاستقطاب داخل عدد من البلدان.
أما “La Razón” فذهبت أبعد في مقالات رأي وافتتاحيات نشرتها حول الأحداث، إذ حضرت مفردات “الغزو” و”العدوان” و”السلاح” و”الابتزاز”، كما قُدمت قضية القاصرين غير المصحوبين بلغة تنقل النقاش من كيفية توفير الحماية والرعاية إلى الكلفة والعبء والاستنزاف، وصولا إلى وصف استقبال الأطفال الأفارقة بأنه تحويل للدولة إلى “حضانة لا نهائية” يدفع المواطنون تكلفتها.
كانت كلمة “الغزو” واحدة من أكثر المفردات حضورا في هذا الخطاب، إذ استخدمتها “La Razón” في أكثر من مادة وهي تصف أحداث سبتة، ولم تظهر منفردة عن سياقها، فقد صاحبتها تعبيرات أخرى تنتمي إلى قاموس الحرب والصراع بين الدول، من الحديث عن “عدوان على السيادة الوطنية”، إلى تقديم الهجرة باعتبارها “سلاحا”، وهي مفردات تنقل القارئ من نقاش حول تدفقات بشرية وأزمة حدودية إلى تصور أقرب إلى مواجهة عسكرية.
مثل هذا الوصف يتجاوز النقاش المشروع بشأن قدرة مراكز الاستقبال على استيعاب القاصرين أو كيفية توزيعهم، لأنه ينقل الطفل من موقع صاحب وضع قانوني واجتماعي خاص إلى صورة العبء المفتوح على الدولة والمواطن، كما أن جمع كلمة “الغزو” مع الحديث عن الكلفة والخدمات المشبعة يمنح ملف القاصرين حمولة سياسية تتجاوز تفاصيل تدبير أوضاعهم.
ووصل الخطاب إلى مستوى أشد حدة في مقال آخر حمل عنوان “Moros en la costa”، وهو تعبير إسباني تاريخي يحمل في سياقه الحالي حمولة ازدراء تجاه المغاربة والمسلمين، إذ تحدث الكاتب عن “الغزو” و”الاعتداء الواضح على السيادة الوطنية”، ووصف المغرب بأنه “دولة معتدية بالفعل أو بالتواطؤ”، قبل أن يدعو إلى مراجعة جوانب من العلاقات بين البلدين.
في المقابل قدمت “El Mundo” قراءة مختلفة في مقال لويس ميلر “من آيلان إلى سبتة”، إذ عاد الكاتب إلى أزمة اللاجئين التي هزت أوروبا سنة 2015، مستحضرا صورة الطفل السوري آيلان كردي الذي عُثر على جثمانه بأحد الشواطئ التركية، قبل أن يتتبع ما حدث للمواقف الأوروبية بعد تلك اللحظة، حيث تراجعت موجة التعاطف تدريجيا وصعد الخوف من الهجرة، ثم اتجهت السياسات الأوروبية نحو مزيد من التشدد وإسناد جانب من مراقبة الحدود إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي.
هذه الخلاصة تكتسب أهمية خاصة عند قراءة بعض التغطيات الحالية، لأن تحويل آلاف الأشخاص إلى رقم أو كتلة بشرية، ثم إحاطة صورتهم بمفردات “الغزو” و”التهديد” و”الاجتياح”، يجعل الخوف أكثر قابلية للتعميم والاستثمار، فيما تختفي خلف الأرقام الفوارق بين الأشخاص وأوضاعهم ومساراتهم.
“المرض” و”الجريمة”.. الخوف ينتقل إلى الشارع
رئيس كلية الأطباء في سبتة، إنريكي روفيرالتا، وجه رسالة إلى الوزيرة يطالب فيها بتدخل عاجل وتعزيز الموارد المتاحة، مؤكدا أن العاملين في القطاع بلغوا حدود طاقتهم، وأن المدينة تعتمد على مستشفى واحد وموارد محدودة أصلا لخدمة سكانها، كما حذر من احتمال ظهور بؤر لأمراض معدية في ظل الاكتظاظ ونقص الشروط الصحية وعدم توفر معطيات كافية بشأن الوضع التلقيحي والوبائي لعدد من الوافدين.
وبعد صورة الخطر الصحي حضرت الجريمة، إذ نشرت “ABC” قصة امرأة من سبتة قالت إن مهاجرا دخل منزلها عبر الشرفة بينما كانت نائمة، ووصل إلى سريرها قبل أن تصرخ مستنجدة بزوجها وابنها، ليغادر الشاب المكان وتتمكن عناصر الشرطة الوطنية الإسبانية لاحقا من توقيفه، فيما اختارت الصحيفة لعنوانها إحدى أكثر عبارات المرأة إثارة للخوف: “لو لم أتصرف لا أعرف ماذا كان سيحدث”.
وهنا ينتقل مركز الخبر تدريجيا من واقعة فردية إلى صورة جماعية، إذ لا يبقى السؤال متعلقا بفعل الشخص الموقوف وحده، وإنما يمتد إلى وجود المهاجرين داخل المدينة، وهو انتقال بالغ الحساسية في تغطية قضايا الهجرة، لأن المسؤولية الجنائية تظل فردية، فيما يؤدي تعميمها إلى نقل الاشتباه من الفعل إلى هوية صاحبه، ثم من الفرد إلى المجموعة التي ينتمي إليها.
من الخوف إلى السياسة
لم يبق أثر هذه اللغة محصورا في الصحافة، فقد أصبح ما جرى في سبتة جزءا من صراع سياسي أوروبي أوسع حول الهجرة، وهو ما التقطه مقال “El Mundo” بشأن المقارنة مع أزمة 2015، إذ أشار إلى أن اليمين الراديكالي استفاد آنذاك من الخوف المصاحب لوصول أعداد كبيرة من اللاجئين، كما أدى الملف إلى زيادة الاستقطاب، حيث تشددت مواقف اليمين في حين أصبحت قطاعات من اليسار أكثر انفتاحا.
وفي “El Mundo” أيضا تناول دافيد خيمينيث توريس الأزمة من مدخل آخر يتعلق بالوطنية، إذ انتقد اتهام معارضي حكومة بيدرو سانشيز بالافتقار إلى الحس الوطني عندما يطالبون بمحاسبتها على تدبير ما جرى في سبتة، معتبرا أن الوطنية لا تعني موقفا سلبيا أو خاضعا تجاه السلطة، وإنما يمكن أن تتجسد في مطالبة المؤسسات بتحمل مسؤولياتها، خصوصا خلال أزمة مرتبطة بالسيادة.
حين تجتمع كلمات “الغزو” و”المرض” و”الجريمة”، ثم تلتحق بها مفردات “العدوان” و”السلاح” و”الابتزاز”، لا يعود الأمر مجرد تتابع عشوائي للعناوين، إذ يتشكل تأطير يضع المهاجر داخل دائرة متصلة من المخاطر، تبدأ عند الحدود، ثم تمر بالمستشفى والشارع والمنزل، قبل أن تصل إلى النقاش حول السيادة وصناديق الاقتراع.
ولا تقف الصحافة الإسبانية كلها في الموقع نفسه، كما ينبغي التمييز بين الخبر والرأي والافتتاحية، وبين المعطيات المثبتة والتقديرات السياسية لكتاب الأعمدة، غير أن تكرار المفردات والصور ذاتها داخل جزء من الصحافة المحافظة واليمينية يكشف عن مناخ إعلامي يزداد تشددا في مقاربة الهجرة، في وقت يبين النقاش الذي تنقله “El Mundo” أن المستفيد السياسي من تحويل المهاجر إلى “حشد بلا وجه” قد يكون معروفا سلفا.
بعد أحداث سبتة تظهر في جزء من المشهد الإعلامي الإسباني ملامح هذه العملية بوضوح، فـ”الغزو” يقدم الإطار، و”المرض” يوسع مساحة الخوف، و”الجريمة” تنقله إلى الحياة اليومية، فيما تتولى السياسة استثمار ما تبقى؛ وبين هذه المستويات تدور ماكينة خطاب تعرف التجربة الأوروبية أن نتائجه قد تتجاوز بكثير حدود الصفحة الأولى.
"الغزو" و"المرض" و"الجريمة".. ماكينة التخويف من المغاربة تدور في إسبانيا Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الغزو والمرض والجريمة ماكينة التخويف من المغاربة تدور في إسبانيا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الغزو و المرض و الجريمة ماكينة التخويف من المغاربة تدور في إسبانيا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، "الغزو" و"المرض" و"الجريمة".. ماكينة التخويف من المغاربة تدور في إسبانيا.
في الموقع ايضا :