كتب : زياد فرحان المجالي – لم تعد السويداء مجرد محافظة سورية مضطربة تبحث عن صيغة لتنظيم علاقتها مع السلطة الجديدة في دمشق، بل تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أكثر ساحات الجنوب السوري تعقيدًا؛ ففي مساحة جغرافية محدودة تتقاطع الانقسامات الدرزية الداخلية مع حسابات دمشق الأمنية، والمصالح الإسرائيلية، ومخاوف دول الجوار من أن يتحول الجنوب السوري إلى نموذج جديد لتآكل سلطة الدولة وتعدد مراكز القوة. والتطور الأخطر اليوم لا يتمثل بالضرورة في مواجهة مباشرة بين السويداء ودمشق، وإنما في ظهور مؤشرات متزايدة على تصدع داخل البيت الدرزي نفسه، وخصوصًا بين «حركة رجال الكرامة» والقوى المنضوية في «الحرس الوطني» المرتبط بالشيخ حكمت الهجري. فالتوتر الذي ظهر خلال الأيام الأخيرة، وما رافقه من انتشار لعناصر «رجال الكرامة» في مدينة السويداء، جاء بعد سلسلة من حوادث الخطف والاغتيال والاختفاء التي أعادت طرح سؤال الأمن الداخلي بصورة أكثر إلحاحًا. لكن المشكلة أعمق من حادث أمني هنا أو خلاف مسلح هناك. السؤال الحقيقي أصبح: من يملك القرار داخل السويداء؟ منذ سنوات، عاشت المحافظة حالة خاصة مقارنة بمناطق سورية أخرى. فلم تكن السلطة المركزية تسيطر عليها بصورة كاملة، وفي الوقت نفسه لم تظهر قوة محلية واحدة قادرة على احتكار السلاح والقرار السياسي والأمني. ومع التحولات التي شهدتها سوريا خلال عام 2025، وخصوصًا المواجهات الدامية التي وقعت في الجنوب، برزت محاولة لإعادة تنظيم القوى المسلحة داخل المحافظة تحت مظلة «الحرس الوطني». في المقابل، حافظت «حركة رجال الكرامة» على حضورها باعتبارها واحدة من أقدم وأبرز التشكيلات المحلية المسلحة، وتمسكت بصورة مستقلة نسبيًا عن بقية القوى. ومن هنا بدأ التباين يتحول تدريجيًا إلى صراع حول طبيعة السلطة التي يجب أن تحكم السويداء. هناك اتجاه يريد بناء قوة عسكرية وسياسية محلية موحدة تكون قادرة على فرض شروطها في أي تفاوض مع دمشق. وفي المقابل، توجد قوى تخشى أن يؤدي احتكار القرار داخل المحافظة إلى استبدال سلطة مركزية بسلطة محلية مسلحة، بما يفتح الباب أمام صدامات داخلية يصعب السيطرة عليها. وهنا تظهر العقدة الأساسية. فالسويداء لا تواجه اليوم خلافًا بسيطًا حول النفوذ، وإنما رؤيتين مختلفتين لمستقبل الجبل. الرؤية الأولى تتعامل مع الظروف السورية الحالية باعتبارها فرصة لانتزاع أكبر قدر ممكن من الاستقلال الأمني والإداري عن دمشق. أما الثانية فترى أن مصلحة المحافظة تقتضي الحفاظ على خصوصيتها، ولكن ضمن إطار الدولة السورية، وتجنب الذهاب إلى مشروع سياسي قد يحول السويداء إلى منطقة معزولة أو ساحة صراع إقليمي مفتوح. وسط هذا الانقسام تدخل إسرائيل على الخط. إسرائيل تنظر إلى جنوب سوريا باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، ولذلك لا تتعامل مع التطورات في السويداء باعتبارها شأنًا سوريًا داخليًا فقط. فمنذ انهيار النظام السابق وإعادة تشكيل السلطة في دمشق، أصبح الجنوب بالنسبة إلى إسرائيل منطقة اختبار لحدود نفوذ الحكومة السورية الجديدة وقدرتها على نشر قواتها بالقرب من الجولان. ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي بالدروز السوريين. لكن هذا الاهتمام لا ينبغي قراءته بوصفه دعمًا إنسانيًا أو طائفيًا فقط. في الحسابات الاستراتيجية، يمكن لأي كيان محلي قوي في السويداء أن يشكل جزءًا من حزام أمني غير مباشر جنوب سوريا، يحد من قدرة دمشق على إعادة نشر قواتها بصورة كاملة بالقرب من الحدود. وهذا النموذج ليس جديدًا في التفكير الأمني الإسرائيلي. فإسرائيل تاريخيًا فضلت وجود مناطق نفوذ محلية أو قوى غير مركزية على حدودها عندما ترى أن السلطة المركزية في الدولة المقابلة قد تتحول مستقبلًا إلى تهديد. لكن المشكلة أن هذا التدخل، حتى عندما يُقدَّم تحت عنوان حماية الدروز، يحمل في داخله خطرًا كبيرًا على السويداء نفسها. فكلما ازداد ارتباط بعض القوى المحلية بإسرائيل، أصبحت القوى الأخرى أكثر قلقًا من أن تتحول المحافظة إلى ساحة نفوذ خارجي. وعندها لا يعود الخلاف درزيًا–درزيًا فقط، بل يتحول إلى خلاف حول هوية السويداء وموقعها داخل سوريا. أما دمشق فتواجه معضلة لا تقل تعقيدًا. فإذا حاولت فرض سلطتها بالقوة، فإنها قد تدفع القوى الدرزية المختلفة إلى التوحد ضدها مؤقتًا، وتمنح إسرائيل مبررًا إضافيًا للتدخل تحت عنوان حماية السكان الدروز. أما إذا تركت الوضع على حاله، فإنها تخاطر بتكريس نموذج تصبح فيه المحافظة عمليًا خارج منظومة الدولة الأمنية والسياسية. ولهذا تبدو دمشق أمام معادلة شديدة الحساسية: استعادة الدولة من دون إشعال حرب داخلية. وهذا يتطلب أكثر من انتشار عسكري أو اتفاق أمني مؤقت. إنه يحتاج إلى صيغة سياسية تعيد تعريف العلاقة بين المركز والمحافظة، وتمنح السكان المحليين ضمانات تتعلق بالإدارة والأمن والتمثيل، وفي الوقت نفسه تمنع تشكل قوة مسلحة مستقلة تتحول مع الزمن إلى كيان سياسي منفصل. الخطر الأكبر هو أن يفشل الجميع في الوصول إلى هذه الصيغة. فعندها قد تتحول السويداء من منطقة خلاف محلي إلى نقطة جذب لصراع إقليمي أوسع. إسرائيل ستسعى إلى منع عودة سلطة عسكرية قوية لدمشق إلى الجنوب. دمشق ستتمسك بحقها في استعادة السيادة على كامل الأراضي السورية. القوى الدرزية ستختلف حول حدود العلاقة مع الطرفين. ودول الجوار، وفي مقدمتها الأردن، ستراقب بقلق أي تفكك أمني جديد بالقرب من حدودها الشمالية. ومن هنا فإن ما يجري في السويداء يتجاوز حدود المحافظة نفسها. فالجنوب السوري أصبح اختبارًا لمستقبل الدولة السورية بأكملها. هل تستطيع دمشق بناء دولة جديدة تقبل بقدر من اللامركزية من دون أن تتحول اللامركزية إلى تفكك؟ وهل تستطيع القوى المحلية حماية خصوصيتها من دون أن تتحول إلى أدوات في صراع القوى الإقليمية؟ وهل تستطيع إسرائيل مقاومة إغراء تحويل الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ مفتوحة، من دون أن تسهم في إنتاج فوضى قد ترتد عليها لاحقًا؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل السويداء. فالمعركة الحقيقية قد لا تكون بين دمشق والجبل، ولا بين الدروز وإسرائيل، وإنما بين مشروعين متناقضين لسوريا المقبلة: دولة تحاول إعادة بناء مركزها، وأطراف مسلحة اكتشفت خلال سنوات الحرب أن امتلاك القوة يمنحها قدرة على فرض شروطها السياسية. وإذا تحول الخلاف داخل السويداء إلى مواجهة مفتوحة، فقد تكون المحافظة أول مكان يظهر فيه بوضوح شكل المعركة المقبلة في سوريا: هل تعود الدولة من الأطراف إلى المركز، أم يبدأ تفكك المركز من الأطراف؟.
مشاهدة السويداء بين دمشق وإسرائيل hellip هل يتحول الانقسام الدرزي إلى معركة على
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ السويداء بين دمشق وإسرائيل هل يتحول الانقسام الدرزي إلى معركة على مستقبل جنوب سوريا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، السويداء بين دمشق وإسرائيل… هل يتحول الانقسام الدرزي إلى معركة على مستقبل جنوب سوريا؟.