وتشير المعطيات الميدانية، إلى جانب شكايات السكان المتكررة والمراسلات الموجهة إلى الجهات المعنية، إلى أن مصدر هذه الروائح يرتبط بوجود وحدات صناعية متخصصة في تصبير وتحويل المنتجات السمكية، خاصة الجمبري “الكروفيت” والأنشوفة والتونة، بالمنطقة الصناعية الواقعة بالمدخل الغربي لمدينة مرتيل، بمحاذاة حي أم كلثوم ومطار سانية الرمل. وتتميز هذه الوحدات بأنشطتها ذات الحمولة العضوية المرتفعة، نظراً لطبيعة المواد الأولية المستعملة (الأسماك) وما ينتج عنها من مخلفات عضوية قابلة للتحلل، وهي عوامل تساهم في انبعاث روائح كريهة في حال عدم تدبيرها وفق الشروط والمعايير البيئية المعتمدة.
ولفهم هذه الظاهرة بعيداً عن الانطباعات، يقتضي الأمر اعتماد مقاربة علمية والاستناد إلى الدراسات المتخصصة في الهندسة البيئية وعلوم الصناعات الغذائية. فالمراجع العلمية المنشورة في الدوريات الدولية تؤكد أن الروائح المنبعثة من صناعة تحويل المنتجات السمكية ترتبط أساساً بالتحلل الميكروبي للمخلفات العضوية، وما يرافقه من انبعاث مركبات وغازات متطايرة ذات روائح خانقة وكريهة. وفي هذا الإطار، تصنف المراجع العلمية الخاصة بالانبعاثات الصناعية وحدات تصبير وتحويل الأسماك، بما فيها الجمبري “الكروفيت” والأنشوفة والتونة، ضمن الصناعات ذات الحمولة العضوية المرتفعة، نظراً لما تنتجه من كميات كبيرة من المخلفات العضوية والمياه الصناعية. ولذلك توصي باعتماد أنظمة فعالة لجمع هذه المخلفات وحفظها في ظروف ملائمة، وتسريع معالجتها، والحد من انبعاث الروائح عبر تقنيات التحكم البيئي، مثل المرشحات الحيوية (Biofilters)، وأبراج الغسل (Scrubbers)، وأنظمة شفط ومعالجة الهواء.
وبناءً على ذلك، فإن التحكم في هذه الانبعاثات يعتمد أساساً على التدبير السليم للمخلفات العضوية، وتقليص مدة بقائها داخل الوحدات الصناعية، واعتماد التبريد أو المعالجة الفورية لبقايا الأسماك، وتحسين أداء محطات معالجة المياه الصناعية، لأن هذه الإجراءات تحد من نشاط الكائنات الدقيقة المسؤولة عن إنتاج المركبات الغازية ذات الرائحة النفاذة. كما أن ارتفاع درجات الحرارة، ووفقاً للمراجع المتخصصة في الهندسة البيئية، يُسرع عمليات التحلل البيولوجي للمادة العضوية، ويزيد من تطاير المركبات الغازية وانتشارها في الهواء، وهو ما يفسر اشتداد الظاهرة خلال فصل الصيف مع بقاء مصدرها قائماً على مدار السنة.
وفي هذا السياق، تبرز جملة من التساؤلات التقنية المرتبطة بمدى احترام الوحدات الصناعية للضوابط البيئية المعمول بها للحد من انبعاث الروائح المزعجة. ويشمل ذلك التحقق من كيفية تدبير النفايات العضوية وفق المقتضيات البيئية، ومدى اعتماد وسائل فعالة لاستخلاص الهواء الملوث ومعالجته، إلى جانب توفير شروط مناسبة لتخزين المواد الأولية ومخلفات الإنتاج. كما يثار التساؤل حول توفر هذه الوحدات على تجهيزات وتقنيات قادرة على معالجة الانبعاثات الغازية والتحكم فيها قبل إطلاقها إلى الوسط الخارجي.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة من شأنها أن تكشف خبايا هذه المعضلة البيئية التي تعيشها مدينة مرتيل، والتي أصبحت مصدر معاناة حقيقية للسكان، كما ستساهم في تحديد المسؤوليات والوقوف على مدى احترام مختلف المتدخلين لالتزاماتهم القانونية والبيئية. فالمعطيات العلمية الدقيقة وحدها كفيلة بتحديد الجهات المسؤولة عن أوجه القصور المحتملة، والكشف عن أسباب استمرار هذه التجاوزات في حال ثبوتها، وتوضيح كيفية السماح بحدوثها رغم وجود القوانين والمعايير المنظمة.
ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في غياب النصوص القانونية أو الالتزامات المؤسساتية، بقدر ما يرتبط بمدى فعالية تفعيلها وتنزيلها على أرض الواقع. وفي هذا السياق، تطرح مجموعة من التساؤلات المشروعة: هل تخضع الوحدات الصناعية المعنية بتلوث الهواء والمياه بالمنطقة الصناعية بمرتيل لمراقبة بيئية دورية ومنتظمة من قبل الجهات المختصة، وفي مقدمتها السلطات المحلية، واللجان الإقليمية المختلطة، وجماعة مرتيل، والمصالح اللاممركزة للإدارة، ولا سيما المديرية الجهوية للانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، للتحقق من مدى احترامها للمعايير البيئية، خاصة فيما يتعلق بانبعاث الروائح والغازات الملوثة؟ وهل تمارس وكالة الحوض المائي اختصاصاتها في مراقبة جودة المياه الصناعية العادمة والتأكد من مطابقة تصريفها للمقتضيات القانونية؟ وهل يضطلع المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، إلى جانب المصالح الصحية والبيطرية المختصة، بمهام المراقبة على اعتبار أن هذه الوحدات تنتمي إلى قطاع الصناعات الغذائية؟
إن طرح هذه التساؤلات لا يرمي إلى توجيه الاتهام إلى أي جهة بعينها، وإنما يهدف إلى التحقق من مدى اضطلاع كل جهة بالاختصاصات والمسؤوليات المنوطة بها قانوناً، والكشف عن أوجه القصور، إن وجدت، أو عن الممارسات التي قد تكون ساهمت في استمرار هذا المشكل البيئي المزمن. كما تندرج هذه التساؤلات في إطار الحق الدستوري للمواطنين في الولوج إلى المعلومة البيئية، وتجسيداً لمبادئ الحكامة البيئية القائمة على الشفافية والوقاية والمساءلة، بما يعزز الامتثال للقانون ويدعم اتخاذ التدابير الكفيلة بحماية البيئة والصحة العامة.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مرتيل تحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة تتجاوز الإصلاحات التجميلية الموسمية، وتجعل حماية البيئة وتحسين جودة الحياة في صلب السياسات العمومية. فرغم أهمية تأهيل الكورنيش والفضاءات العامة في تعزيز جاذبية المدينة، فإن هذه المشاريع لا ينبغي أن تحجب معالجة الإشكالات البيئية والبنيوية العميقة التي تؤرق الساكنة، وفي مقدمتها التلوث وجودة الهواء والخدمات الأساسية.
– أستاذ باحث بكلية العلوم بتطوان
مرتيل والروائح الكريهة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة مرتيل والروائح الكريهة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مرتيل والروائح الكريهة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مرتيل والروائح الكريهة.
في الموقع ايضا :