«50 ذكرى في شوارع تونس» : تيسير عثماني تفتح دفاتر مدينة لا تغيب ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (أنباء تونس) -

ثمة مدن لا تنتهي علاقتنا بها عند حدود المكان. تظل عالقة في الوجدان كما تبقى رائحة بيت قديم، أو نبرة صوت تأتي من بعيد فتوقظ فينا زمناً ظنناه انقضى. في «50 ذكرى في شوارع تونس»، تفتح تيسير عثماني دفترها على تونس أخرى؛ تونس التي عاشها الناس في الأزقة والبيوت، في الحوش والزنقة، وفي تفاصيل يومية لم تجد دائماً طريقها إلى كتب التاريخ.

جمال ڨتالة

ليس الكتاب رواية بالمعنى المألوف، ولا سيرة ذاتية بالمعنى الصارم، ولا بحثاً تاريخياً. إنه عمل يقع في المسافة الفاصلة بين الحكي والتوثيق، بين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية. خمسون ذكرى، خمسون نافذة على زمن تونسي كانت فيه التفاصيل الصغيرة تقول الكثير عن أصحابها وعن مجتمعهم.

منذ الصفحات الأولى، تدخل الكاتبة إلى عالم الطفولة: اللعب، «الكاليبس»، «الخبيزة»، المكتبة، الجيران، والعائلة. عالم يبدو بسيطاً من الخارج، لكنه يكشف شيئاً من شروط الحياة في ذلك الزمن، وخصوصاً حياة البنات وحدود حركتهن.

الجملة التي ترد في هذا السياق: «ما نخرجوش من القصر لا حوش لا»، تختصر أكثر من مجرد ذكرى طفولية. وراءها عالم كامل كانت فيه الحومة فضاءً للحياة، لكنها كانت أيضاً حدوداً مرسومة بعناية.

نسيج الحياة جزء من المخيال الشعبي

لا تتعامل عثماني مع الفقر بوصفه موضوعاً للشكوى، بل كجزء من نسيج الحياة. ومن خلال التفاصيل اليومية، تستعيد طقوساً اجتماعية تكاد تختفي: العرس، الموت، المدرسة، الجيرة، علاقة الأبناء بالكبار، وموقع الجدة داخل العائلة.

ثم تتسع الدائرة. من الزنقة إلى «البلاصة»، ومن الحياة اليومية إلى «دار الباي»، يدخل القصر بما يحمله من حكايات عن الجن والكنوز المدفونة و«الزار». لكن هذه العناصر لا تأتي لمجرد التشويق؛ إنها جزء من المخيال الشعبي، ومن الطريقة التي كان بها الناس يفسرون ما يجهلونه أو يخافونه.

وفي مشهد «احبسو! حبس ثم! داخلين لسانية الناس» في الصفحة 198، يتغير إيقاع الكتاب. فجأة يصبح الحكي الشعبي مشهداً سياسياً، وتظهر علاقة السلطة بالناس في صورة مباشرة وقاسية. هنا لا تعود الحكاية مجرد استعادة للماضي، بل تكشف شيئاً من بنية مجتمع كانت السلطة فيه حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

وسط ذلك كله، تتقدم شخصية «الست». ليست مجرد جدة تروي ما تتذكره، بل صوت جيل بأكمله. هي الحكواتية التي تعرف ما لا تعرفه الكتب، وتحفظ أسماء الذين مروا من هنا، وتستعيد ما بقي في الذاكرة من وجوه وأصوات ومصائر.

تونس التي تحكي بلسان أهلها

أحد أبرز اختيارات تيسير عثماني أنها كتبت الكتاب كله تقريباً بروح الدارجة التونسية، بما تحمله من إيقاع وتعبيرات وخصوصية محلية. وهذا الاختيار ليس تفصيلاً شكلياً. فالست لا يمكن أن تحكي بالطريقة نفسها لو انتزعت من لغتها اليومية.

في «يا حسرة»، و«يا طفلة»، و«احبسو»، وفي عشرات التعبيرات التي تنتمي إلى الكلام التونسي، يستعيد النص نبرة البيوت القديمة والجلسات العائلية. اللغة هنا جزء من البيئة التي يستعيدها الكتاب، وهي التي تمنح الشخصيات صوتها الطبيعي.

والدارجة، في هذا السياق، تؤدي أيضاً وظيفة توثيقية. كلمات مثل «النقافة» و«المهراس» و«الخنيقة» و«الكانون» ليست مجرد مفردات عابرة؛ إنها أسماء لأشياء وطقوس وطرق عيش. حين تختفي الأشياء، تختفي معها كلماتها، وحين تحفظ الكلمة يبقى شيء من العالم الذي أنجبها.

ومن هنا تأتي قيمة الكتاب بالنسبة إلى القارئ التونسي خصوصاً. فهو لا يقدم له تاريخاً من أعلى، تاريخ البايات والوقائع الكبرى فقط، بل يعيده إلى التاريخ الذي عاشه الناس داخل بيوتهم وأحيائهم.

وفي هذا الجانب تبرز المرأة بقوة. النساء في الكتاب لسن مجرد شخصيات تمر في الحكايات؛ هن اللواتي يحملن تفاصيل الحياة، يروين، يطبخن، ينتظرن، يحفظن الأسرار، ويتحملن نتائج قرارات لم يكن لهن دائماً حق اتخاذها.

وتأتي صفية في القسم الأخير لتمنح هذا البعد الإنساني ثقله الأكبر. قصتها، الممتدة في الصفحات الأخيرة، ليست مجرد قصة حب بين فتاة فقيرة وجندي يدعى «جويل». إنها حكاية تصطدم فيها الرغبة بالسلطة، والحب بالفوارق الاجتماعية، والإنسان بمصير يبدو أكبر من قدرته على مقاومته.

من قصر الباي إلى الهروب والمدافع والموت، تتخذ الحكاية منحى تراجيدياً. وفي الصفحة 287 تأتي العبارة: «ما نعرفش وين قبروهم». جملة بسيطة، لكنها تترك وراءها فراغاً كبيراً. أين ذهب هؤلاء الذين عاشوا وأحبوا وخافوا؟ ماذا بقي منهم؟ لا شيء تقريباً سوى ما تناقلته الألسن.

وهنا يلتقي الخاص بالتاريخ. فالأشخاص الذين لا نجد أسماءهم في السجلات الرسمية قد يواصلون حياتهم في رواية جدة، أو في حكاية تتناقلها العائلة من جيل إلى آخر.

من الذكرى إلى وجع النهاية

تبدأ رحلة الكتاب من التفاصيل الصغيرة، لكنها تنتهي في منطقة أكثر قتامة. ففي الصفحات الأخيرة، خصوصاً بين 269 و291، يتغير وقع الحكايات. قصة صفية وجويل تترك أثراً ثقيلاً، وكأن الكتاب، بعد كل ما قدمه من طفولة وألفة ووجوه، أراد أن يقول إن الماضي لم يكن كله دفئاً.

وفي الصفحة 291، تحت عنوان «النهاية»، تأتي القصيدة النثرية الأخيرة بصوت «الست» «لا لا فراقك رحمني من ألمو الشديدة» ثم: «والذاكرة سكين… كل ما ننسى… تعاود تزيد»

ربما هنا تكمن أجمل مفارقات الكتاب. فالإنسان يحفظ الماضي حتى لا يفقد نفسه، لكنه قد يتمنى في لحظة ما لو استطاع أن ينسى. بعض الذكريات تمنحنا دفء البدايات، وبعضها يعود كل مرة حاملاً وجعه.

لهذا لا تبدو «النهاية» مجرد إغلاق للكتاب. إنها استراحة أخيرة بعد كل ذلك الحكي. «الست» التي أمضت صفحات طويلة في استعادة الآخرين تصل في النهاية إلى شيء يشبه التعب من التذكر نفسه.

وهذا ما يجعل الكتاب يتجاوز مجرد جمع خمسين حكاية. تيسير عثماني لا تعيد بناء الماضي كما كان، ولا تدعي امتلاك الحقيقة كاملة. إنها تلتقط ما بقي منه، وتترك للقارئ أن يرى تونس من خلال عيون أهلها.

«50 ذكرى في شوارع تونس» عمل أدبي وثقافي يمكن أن يجد مكانه في دراسات الأدب واللغة وعلم الاجتماع، لأنه يحفظ جانباً من الحياة اليومية لا تمنحه كتب التاريخ عادة المساحة الكافية.

وقد نجحت تيسير عثماني في تحويل الخاص إلى فضاء أوسع، والحكاية إلى شهادة، والدمعة إلى مادة أدبية. وهي مهمة ليست سهلة، خصوصاً عندما يكون موضوع الكتاب زمناً يتراجع كل يوم أمام سرعة الحاضر.

واللافت أن الطبعة الأولى من الكتاب صدرت في إطار النشر الذاتي، قبل أن ينتقل العمل إلى مرحلة جديدة مع طبعة مرتقبة تصدر قريباً عن دار خريف للنشر، في حلة جديدة وغلاف جميل يليق بعالمه وبخصوصية الحكايات التي يضمها.

في النهاية، قد يكون النسيان رحمة من وجع بعض الذكريات. لكن الكتابة، حين تأتي من هذا المكان الصادق، تصبح نوعاً من الوفاء. وهذا ما فعلته تيسير عثماني: أمسكت بما كاد يضيع، وأعادته إلى القارئ.

فبعض المدن لا نغادرها تماماً. نغادر شوارعها، تتغير بيوتها، وتختفي وجوهها، لكن شيئاً منها يبقى معنا.

«50 ذكرى في شوارع تونس» واحدة من تلك المحاولات الجميلة للإمساك بذلك الشيء قبل أن يبتعد أكثر.

ظهرت المقالة «50 ذكرى في شوارع تونس» : تيسير عثماني تفتح دفاتر مدينة لا تغيب أولاً على أنباء تونس.

مشاهدة laquo 50 ذكرى في شوارع تونس raquo تيسير عثماني تفتح دفاتر مدينة لا تغيب

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ 50 ذكرى في شوارع تونس تيسير عثماني تفتح دفاتر مدينة لا تغيب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، «50 ذكرى في شوارع تونس» : تيسير عثماني تفتح دفاتر مدينة لا تغيب.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار