ولذلك فإن المكانة التي تحتلها مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية التي تشرف عليها الإعلامية سوزان “زاني” مينتون بيدوس لا تعفيها من الأسئلة المهنية التي يمكن توجيهها إلى أي مؤسسة صحافية أخرى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمادة لا تناقش قرارا حكوميا عابرا، وإنما تنتقل من واقعة أمنية محددة إلى صورة أوسع عن دولة ورئيسها ومستقبل نظام الحكم فيها.
فالتحقيق الصحافي لا يبدأ، في الأصل، بإجابة مغلقة، بل بفرضية قابلة لأن تثبت أو تسقط، والصحافي الذي يبحث عن الحقيقة لا يكتفي بالمصادر التي تؤكد حدسه الأول، وإنما يختبر روايته أمام الوقائع التي يمكن أن تناقضها، ويقبل بأن تقوده الأدلة إلى مكان مختلف عما تصوره عند البداية، في حين أن النتيجة حين تكون مقررة سلفا تغير وظيفة الوقائع نفسها، فلا تعود مادة لاكتشاف القصة وإنما تصبح مخزونا لاختيار القطع المناسبة لها.
كان يمكن لأحداث سبتة في حد ذاتها أن تكون موضوع تحقيق استقصائي كبير، فحين تتحرك أعداد واسعة من الأشخاص في اتجاه منطقة جغرافية شديدة الحساسية في توقيت متقارب، يفترض أن يبدأ البحث من إعادة بناء الساعات والأيام التي سبقت الحدث، من أطلق الدعوات الأولى، وكيف انتشرت، وما الحسابات والمنصات التي ساهمت في تضخيمها، ولماذا صدق هذا العدد من الشباب والمراهقين أن العبور أصبح ممكنا، وهل كان الأمر تفاعلا عفويا مع شائعة رقمية انتشرت بسرعة، أم أن شبكات أو جهات ساهمت في توسيع نطاقها، ثم ماذا كانت تعرف السلطات المغربية والإسبانية، وما الإشارات التي التقطتها أجهزتهما، وهل كانت هناك تحذيرات مبكرة، وكيف جرى التعامل معها، وما مستوى التنسيق بين جانبي الحدود قبل أن تتحول الحركة الرقمية إلى اندفاع بشري على الأرض.
وتتجسد هذه المعضلة بصورة واضحة في العبارة التي توحي بأن مسؤولين كانوا منشغلين خلال مراسم عيد العرش بـ”الانحناء وتقبيل الأيدي” إلى درجة أنهم لم يكونوا يجيبون عن هواتفهم، وهي صورة شديدة الفاعلية من الناحية السردية لأنها تضع أمام القارئ مشهدا مكتملا في كلمات قليلة، أزمة تتشكل على الحدود، وهواتف ترن، ومسؤولون منشغلون بطقوس القصر، غير أن قوة الصورة لا تكفي لإثبات العلاقة بين عناصرها، ولذلك يصبح من الضروري معرفة من حاول الاتصال بهؤلاء المسؤولين، وفي أي ساعة، ومن كانوا تحديدا، وهل توجد سجلات للمكالمات أو شهادات مباشرة ومتقاطعة، ثم كيف ثبت أن عدم الرد، إن ثبت أصلا، كان نتيجة الانشغال بالمراسم وليس لسبب آخر.
كما أن الجانب الإسباني يظل ضروريا في أي بحث جاد في أزمة من هذا النوع، فسبتة توجد تحت الإدارة الإسبانية وأي حركة بشرية باتجاه حدودها تطرح بالضرورة أسئلة عن المعلومات التي كانت لدى الأجهزة الإسبانية، وما إذا كانت قد رصدت الدعوات المتداولة على شبكات التواصل، ومتى أدركت حجم الحركة المحتملة، وما مستوى استعداد قواتها، وكيف جرى التنسيق مع الجانب المغربي، وهل كانت هناك تحذيرات متبادلة، وما الأخطاء التي ربما وقعت على الجانب الآخر من الحدود، ولا يعني طرح هذه الأسئلة محاولة نقل المسؤولية من المغرب إلى إسبانيا، وإنما رفض تحديد المسؤول قبل إعادة بناء الوقائع، فقد يكون التقصير مغربيا أو إسبانيا أو مشتركا، وقد تكون الأزمة أكبر من قدرة الطرفين على توقعها، لكن التحقيق وحده هو الذي ينبغي أن يقود إلى إحدى هذه النتائج.
صحة الملك ومستقبل العرش..
ويظهر ذلك بصورة أكثر حساسية في تناول صحة الملك محمد السادس، فصحة رئيس الدولة قد تتحول إلى موضوع ذي مصلحة عامة عندما تكون لها آثار محتملة على ممارسة مهامه أو انتظام المؤسسات، غير أن هذه الحساسية ترفع معيار الإثبات بدل أن تخفضه، وعندما يجري الحديث عن تدهور صحي ثم ربطه بزيادة حضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن أو بتحولات مفترضة داخل نظام الحكم، فنحن لا نكون أمام خبر طبي فقط، وإنما أمام استنتاج سياسي ودستوري بالغ الأهمية، ومن ثم يصبح من حق القارئ أن يعرف طبيعة الأساس الذي تقوم عليه هذه الخلاصة، وهل توجد مصادر طبية مطلعة، وهل تحدث مسؤولون يملكون معرفة مباشرة، وهل تأكدت المعلومات من أكثر من جهة مستقلة، وهل هناك وقائع مؤسساتية ملموسة تثبت أن الوضع الصحي أدى بالفعل إلى تغير في ممارسة السلطة.
كما أن تزايد حضور الأمير مولاي الحسن في الأنشطة الرسمية لا يشكل في ذاته تشخيصا طبيا ولا دليلا سياسيا حاسما، فمن الطبيعي في الأنظمة الملكية الوراثية أن يتوسع الدور التمثيلي لولي العهد مع تقدمه في السن، وأن يشارك في المناسبات الوطنية والدبلوماسية، وأن يتدرج في اكتساب الخبرة المرتبطة بموقعه، ولذلك فإن الانتقال من ملاحظة هذا الحضور إلى تفسيره حصرا باعتباره نتيجة للوضع الصحي للملك يحتاج إلى أدلة إضافية، مثل تغير ملموس في طبيعة المهام أو المشاركة في اتخاذ القرار أو شهادات موثوقة من داخل دوائر الحكم، وإلا أصبح التأويل هو الذي يمنح الواقعة معناها، بدل أن تكون الواقعة هي التي تفرض التأويل.
ربع قرن من الحكم..
إذا كانت “ذي إيكونوميست” تريد تجاوز سبتة إلى تقديم تقييم أوسع لعهد الملك محمد السادس، فإن المعيار يتغير مرة أخرى، فنحن نتحدث عن ملك اعتلى العرش سنة 1999، أي عن أكثر من ربع قرن من الحكم لا يمكن اختزاله مهنيا في مجموعة من التفاصيل الشخصية أو البروتوكولية، وليس المقصود هنا مطالبة المجلة بموازنة كل انتقاد بإنجاز، ولا تحويل المقال إلى مادة ترويجية، وإنما الاعتراف بأن الحكم على حقبة طويلة يقتضي إدخال التحولات البنيوية والإخفاقات والتناقضات داخل الصورة نفسها.
فالانحياز الصحافي لا يحتاج دائما إلى نشر معلومة كاذبة، وقد تكون المعلومات المنفردة صحيحة ومع ذلك تنتج عن تجميعها صورة ناقصة أو موجهة، لأن الصحافة لا تصنع المعنى بما تنشره فقط وإنما بما تستبعده أيضا، ويمكن لمصور أن يلتقط عشرات الصور الحقيقية لشقوق في جدران بناية من دون أن يزور صورة واحدة، غير أن عرض تلك الصور وحدها باعتبارها تمثل البناية كاملة سيظل مضللا، فصدق الجزء لا يعني اكتمال الكل، كما أن وجود العيب لا يعني أن اختياره وحده يقدم وصفا أمينا للمشهد، ومن هنا فإن السؤال المهني لا ينبغي أن يقتصر على ما إذا كانت التفاصيل الواردة في المقال صحيحة، بل يمتد إلى سبب اختيارها، وما إذا كانت هناك وقائع أخرى صحيحة جرى استبعادها لأنها كانت ستعقد الصورة التي يراد تقديمها.
ولهذا فإن الاعتراض على مقال “ذي إيكونوميست” لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع غير مشروط عن الملك أو المؤسسات المغربية، لأن الصحافة التي تنتقي الإنجازات وتحذف الإخفاقات تقع في الخلل المنهجي نفسه الذي تقع فيه الصحافة التي تنتقي الإخفاقات وتحذف كل ما يعقدها، والمطلوب ليس أن تحب المجلة المغرب ولا أن تمدح الملك محمد السادس، وإنما أن تستخدم في نقده الأدوات التي بنت بها سمعتها، فإذا تحدثت عن تقصير أمني أعادت بناء سلسلة القرار، وإذا تحدثت عن وضع صحي أوضحت درجة يقين معلوماتها، وإذا ربطت حضور ولي العهد بتحول سياسي قدمت ما يثبت العلاقة، وإذا أرادت تقييم ربع قرن من الحكم وضعت النجاحات والإخفاقات ضمن السياق الذي يسمح للقارئ بفهم التجربة لا مجرد الحكم عليها.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر عدلا الذي يمكن توجيهه إلى محرري “ذي إيكونوميست” هو هذا، ما المعلومة التي لو ظهرت أثناء إعداد المقال كانت ستدفعكم إلى تغيير فرضيتكم؟ فإذا كانت الإجابة أنه لا توجد معلومة من هذا النوع، فإننا لا نكون أمام فرضية قابلة للاختبار وإنما أمام قناعة تبحث عما يؤكدها، أما إذا كانت هناك وقائع كان يمكن أن تغير الاستنتاج، فيصبح السؤال التالي هو ما إذا كانت المجلة بحثت عنها بالفعل، وهل اختبرت الروايتين المغربية والإسبانية بالصرامة نفسها، وهل بحثت في الدور الرقمي الذي سبق الأحداث، وهل حاولت إثبات العلاقة بين البروتوكول والاستجابة الأمنية بدل الاكتفاء بتزامنهما، وهل وضعت التفسيرات المتعلقة بصحة الملك وولي العهد أمام فرضيات منافسة.
والقارئ في النهاية لا يحتاج إلى صحيفة تحب الدولة التي تكتب عنها، ولا إلى صحيفة تعاديها، بل يحتاج إلى مؤسسة تحترم حقه في معرفة أين تنتهي الوقائع وأين يبدأ التأويل، وما الذي تعرفه يقينا وما الذي ترجحه، وما الذي قالته المصادر وما الذي استنتجه المحرر، ثم تمنحه من السياق ما يسمح له بتكوين حكمه بنفسه، فهذه هي المسافة التي تفصل التحقيق عن لائحة الاتهام، وهي كذلك المسافة التي تفصل الصحافة التي تبحث في الواقع عن إجابة، عن الصحافة التي تبحث في الواقع عن الأدلة المناسبة لإجابة سبق أن اختارتها، لأن المكانة الإعلامية، مهما عظمت، لا تقوم مقام البرهان، ولأن جوهر الصحافة يظل في النهاية بسيطا، أن نبحث لكي نعرف الحقيقة، لا أن نختار من الحقيقة ما يناسب القصة التي قررنا روايتها.
سبتة وصحة الملك ومستقبل العرش .. ماذا وراء سردية "ذي إيكونوميست"؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة سبتة وصحة الملك ومستقبل العرش ماذا وراء سردية ذي إيكونوميست
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سبتة وصحة الملك ومستقبل العرش ماذا وراء سردية ذي إيكونوميست قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سبتة وصحة الملك ومستقبل العرش .. ماذا وراء سردية "ذي إيكونوميست"؟.
في الموقع ايضا :