سبتة ومليلية .. هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي؟ ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

تعاملت الحكومات الإسبانية المتعاقبة مع سبتة ومليلية، في الغالب، باعتبارهما قضية سيادة تستند إلى معطيات تاريخية وقانونية مستقرة. غير أن البيئة التي نشأ فيها هذا الوضع لم تعد هي نفسها. فقد تغيرت موازين القوة، وتبدلت أولويات الأمن، وأصبحت الهجرة، والإرهاب، والجريمة المنظمة، وأمن المضيق، والربط بين أوروبا وإفريقيا، عناصر تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل هذا الملف. وفي مثل هذا السياق، لا يكفي الدفاع عن الوضع القائم إذا كانت البيئة التي يقوم عليها قد تغيرت.

خصوصية سبتة ومليلية لا تفسر بالتاريخ وحده. فوجود مدينتين تديرهما دولة أوروبية داخل المجال الجغرافي الإفريقي يجعل هذه الحالة من بين الحالات القليلة التي استمرت بعد انتهاء موجة تصفية الاستعمار. الأمر لا يتعلق بمجرد خلاف حدودي، بل بوضع يجمع بين التاريخ والقانون الدولي والجغرافيا السياسية، وهو ما يمنحه مكانة خاصة في العلاقات الدولية المعاصرة.

غير أن أهمية هذا الملف لا ترجع إلى قدمه التاريخي فقط، وإنما أيضا إلى البيئة الجيو-سياسية التي يوجد داخلها اليوم. فسبتة ومليلية تقعان في فضاء تغيرت طبيعته بصورة عميقة خلال العقود الأخيرة. ولم تعد المنطقة مجرد نقطة تماس بين دولتين، بل أصبحت مجالا تتقاطع فيه قضايا ذات أهمية جيو-استراتيجية إلى جانب العلاقات بين أوروبا وإفريقيا. وأدى ذلك إلى انتقال هذا الملف من دائرة الخلاف الثنائي إلى دائرة أوسع تتداخل فيها اعتبارات إقليمية وأوروبية ودولية.

الجغرافيا السياسية وحدود القوة

عرف النموذج الاقتصادي الذي قامت عليه سبتة ومليلية لعقود تغيرات واضحة، خاصة بعد إغلاق معابر التهريب المعيشي، وتراجع المبادلات الحدودية، وارتفاع كلفة تأمين الحدود وإدارة تدفقات الهجرة. وأظهرت هذه التحولات أن تفسير وضع المدينتين لا يمكن أن يقوم على المؤشرات الاقتصادية وحدها، لأن الجغرافيا تفرض معادلات تختلف عن منطق القوة الاقتصادية المجردة.

فالجغرافيا السياسية لا تحدد حدود حركة الدول فحسب، وإنما تؤثر بمرور الوقت في توزيع القوة بينها. فالتغيرات التي تصيب البيئة الجيو-سياسية لا تبدل المراكز القانونية تلقائيا، لكنها تؤثر في الشروط التي تمارس في إطارها القوة، وفي الكلفة الاستراتيجية لاستمرار الأوضاع القائمة. وتكشف حالة سبتة ومليلية أن الجغرافيا لا تعيد توزيع القوة بين الدول فحسب، وإنما تحدد أيضا الشروط التي تمارس في ظلها هذه القوة، والحدود التي تستطيع بلوغها، والكلفة التي يفرضها استمرارها عندما تتعارض الترتيبات السياسية مع الواقع الجغرافي.

ويطرح الموقف الأوروبي بدوره سؤالا يتعلق باتساق المبادئ أكثر مما يتعلق بالتكييف القانوني المباشر. فالاتحاد الأوروبي يتعامل مع سبتة ومليلية بوصفهما جزءا من التراب الإسباني والأوروبي، مع إخضاعهما لأنظمة جمركية وضريبية خاصة. ولا تدرجهما الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. غير أن هذا الوضع لا يمنع استمرار التساؤل، خصوصا في عدد من دول الجنوب، حول الكيفية التي يتعامل بها النظام الأوروبي مع الموروثات الاستعمارية المرتبطة بدوله الأعضاء.

تستند بعض القراءات المتداولة في دوائر التفكير السياسي والاستراتيجي في إسبانيا إلى فرضية مفادها أن المغرب يتبنى سياسة توسعية، أو يسعى إلى إعادة فتح ملفات تاريخية خدمة لاعتبارات سياسية أو إقليمية. وتساعد هذه القراءات على فهم جانب من البنية الإدراكية التي لا تزال تحكم جزءا من النقاش الإسباني حول المغرب، وخصوصا في ملف سبتة ومليلية. غير أن هذا المنظور يختزل القضية في سلوك دولة، بينما يتجاوز هذا الملف، في جوهره، اعتبارات الظرف السياسي أو تغير الحكومات. فسبتة ومليلية ليستا نتيجة سياسة مغربية مستجدة، وإنما قضية تعود إلى عدة قرون، واستمرارها في صدارة النقاش يرتبط أساسا بخصوصية موقعهما الجغرافي، وبالتحولات التي عرفها الفضاء الأورو-متوسطي، وبالتداخل المتزايد بين قضايا السيادة والأمن والهجرة والتعاون الإقليمي. ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بما إذا كان المغرب يتبنى سياسة توسعية، وإنما بما إذا كانت التحولات الجيو-سياسية التي شهدتها المنطقة تسمح بالاستمرار في قراءة هذا الملف بالأدوات التحليلية نفسها التي سادت خلال العقود الماضية.

استمرار هذا الوضع يدفع بعض الفاعلين الإسبانيين إلى ترسيخ مقاربة أمنية تجعل من المغرب مصدر التهديد الرئيس في هذا الملف، وهو ما يوفر مبررات لاستمرار أنماط معينة من الإنفاق الأمني والحضور المؤسسي المرتبط بالحدود. غير أن هذه المقاربة تغفل أن الجغرافيا تفرض علاقة من الاعتماد الوظيفي المتبادل لا يمكن إدارتها بمنطق التهديد وحده، وأن بناء علاقة أكثر استقرارا يقتضي الانتقال من إدارة المخاطر إلى إدارة المصالح المشتركة.

وتعكس هونغ كونغ وماكاو هذا المسار. فقد انتهى الوجود البريطاني والبرتغالي عبر اتفاقات تفاوضية نقلت السيادة إلى الصين، مع اعتماد ترتيبات انتقالية حافظت على خصوصية النظامين المحليين خلال مرحلة محددة. وتكشف هذه التجربة أن استمرار الإدارة الأجنبية لعقود لا يحول دون إعادة النظر في الوضع القانوني عندما تتغير البيئة الاستراتيجية التي نشأ فيها ذلك الوضع.

أما جبل طارق، فيمثل نموذجا مختلفا. فالخلاف القانوني ما زال قائما بين المملكة المتحدة وإسبانيا، غير أن التفاهمات التي توصل إليها الطرفان خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدعم من الاتحاد الأوروبي، أظهرت أن استمرار النزاع لا يمنع تطوير ترتيبات عملية لتنظيم حركة الأشخاص والبضائع، والتعاون الجمركي، والتنسيق الأمني، مع احتفاظ كل طرف بموقفه من مسألة السيادة. وتبين هذه التجربة أن إدارة المصالح المشتركة قد تتقدم على تسوية الخلاف القانوني، من دون أن تعني التخلي عن المواقف المبدئية.

وتقود هذه الخلاصة إلى ما يمكن تسميته “الجغرافيا الوظيفية للسيادة”. فالجغرافيا، في هذا المنظور، لا تقتصر على تحديد مواقع الدول أو رسم حدودها، وإنما تنتج وظائف عملية تفرض أنماطا من الترابط والتنسيق، بصرف النظر عن المواقف القانونية أو السياسية. وعندما تصبح هذه الوظائف جزءا من إدارة الأمن، والهجرة، والاقتصاد، وحركة الأشخاص والبضائع، فإنها تتحول إلى عامل مؤثر في ممارسة السيادة نفسها.

الحكامة الوظيفية: من إدارة الأزمة إلى إدارة المجال

الحكامة الوظيفية تندرج ضمن هذا المنطق. فهي لا تقوم على إعادة تعريف السيادة أو تعديل المراكز القانونية للأطراف، وإنما تنطلق من تنظيم المجالات التي يفرض فيها الواقع قدرا من التنسيق، مثل تدبير الحدود، وحركة الأشخاص والبضائع، والتعاون الأمني والاستخباراتي، وحماية البيئة البحرية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

فالجغرافيا تجعل المدينتين جزءا من فضاء وظيفي واحد مع محيطهما المغربي، سواء تعلق الأمر بالحركة الاقتصادية، أو أمن الحدود، أو تدبير الهجرة، أو حماية المجال البحري، أو مواجهة التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة. وتفرض هذه المعطيات مستوى من التنسيق لا يرتبط بالمواقف السياسية، وإنما بطبيعة المجال الجغرافي الذي تتحرك داخله هذه الوظائف.

نحو إعادة صياغة العلاقات المغربية الإسبانية

أظهرت التحولات التي عرفها المجال الإقليمي لغرب البحر الأبيض المتوسط خلال العقدين الأخيرين أن سبتة ومليلية لم تعودا ملفا يمكن عزله عن بيئتهما الإقليمية. فقد أصبحت قضايا أمن الحدود والهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وحماية طرق الملاحة تؤثر بصورة مباشرة في إدارة هذا الملف، وهو ما يجعل الحفاظ على الوضع القائم أكثر كلفة من البحث عن ترتيبات أكثر استقرارا.

وفي هذا السياق، يتحول الخطاب المرتبط بسبتة ومليلية أو بالهجرة عند كل استحقاق انتخابي إلى أداة لحشد التأييد السياسي، وهو ما يجعل قضايا ترتبط في جوهرها بالأمن الإقليمي وعلاقات الجوار خاضعة لاعتبارات ظرفية تتغير بتغير موازين القوى الحزبية. والحال أن العلاقات المغربية الإسبانية تتجاوز بطبيعتها هذا الإطار، لأنها تقوم على مصالح جيو-سياسية وأمنية واقتصادية دائمة لا تتبدل بتبدل الحكومات أو الأغلبية البرلمانية، الأمر الذي يجعل تحصينها من التجاذبات السياسية الداخلية مصلحة مشتركة للطرفين.

ولا يعني ذلك أن معالجة هذا الملف تقتضي التخلي عن المواقف القانونية لأي من الطرفين. فالخبرة الدولية تبين أن الخلافات المرتبطة بالسيادة قد تستمر زمنا طويلا، من دون أن تمنع بناء آليات مستقرة للتعاون في المجالات التي تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة. ولهذا، فإن الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة العلاقات يمثل تحولا في منهج التعامل مع الملف، أكثر مما يمثل تغييرا في المواقف السياسية. وتفرض الجغرافيا على المغرب وإسبانيا نمطا دائما من التفاعل لا يمكن تجاوزه. فالموقع الذي تشغله سبتة ومليلية يجعل مستقبل المدينتين مرتبطا، بدرجات مختلفة، بطبيعة العلاقات بين البلدين وبمستوى الاستقرار الذي يعرفه المجال المتوسطي الغربي.

فسبتة ومليلية ليستا مجرد امتداد لترتيبات تاريخية، بل تطرحان سؤالا يتعلق بقدرة السياسات على التكيف مع التحولات التي تعرفها الجغرافيا السياسية. وتكشف سبتة ومليلية أن “الجغرافيا الوظيفية للسيادة” أصبحت، في عدد متزايد من النزاعات، إطارا تفسيريا يساعد على فهم الكيفية التي تؤثر بها الجغرافيا في شروط ممارسة السيادة، بصرف النظر عن ثبات المراكز القانونية للأطراف.

سبتة ومليلية .. هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة سبتة ومليلية هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سبتة ومليلية هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سبتة ومليلية .. هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي؟.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار