عمّان… أزمة سير أم أزمة تخطيط حضري؟ ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (جو 24) -

 يقال إن الوقت هو المال، لكنه في حياة المدن أكثر من ذلك؛ إنه جزء من جودة الحياة والإنتاج والاقتصاد. وعندما يقضي آلاف المواطنين يومياً وقتاً طويلاً في الطرقات، فإننا لا نتحدث عن ازدحام مروري فحسب، بل عن موارد اقتصادية مهدرة، ووقود مستهلك، وتلوث متزايد، وضغط نفسي، ووقت كان يمكن أن يُستثمر في العمل والأسرة والحياة.

وتحتل عمّان المرتبة الخامسة بين أكثر العواصم العربية ازدحاماً، والمرتبة الخامسة والستين عالمياً، في وقت يتجاوز فيه عدد المركبات في الأردن 2.4 مليون مركبة،بينما تقدر عدد المركبات المتواجدة في شوارع عمّان اثناء ساعة الذروة ب 1.8 مليون مركبة. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تفسر وحدها الأزمة؛ فمدن كثيرة في العالم تضم أعداداً أكبر من السكان والمركبات، ومع ذلك تنعم بحركة أكثر انسيابية، لأنها أحسنت إدارة النمو قبل أن تدير المرور.

ومن موقعي الأكاديمي والمهني في مجال التخطيط الصحي، أجد أن المبادئ التي تحكم التخطيط الناجح لا تختلف من قطاع إلى آخر؛ فسواء تعلق الأمر بإدارة مستشفى أو مدينة، فإن النجاح يبدأ بتشخيص الأسباب الجذرية، وبناء رؤية طويلة المدى، وتنسيق الجهود بين المؤسسات، واتخاذ القرار استناداً إلى البيانات، لا إلى ردود الفعل. ولذلك فإنني أنظر إلى أزمة السير بوصفها قضية حوكمة وتخطيط حضري بقدر ما هي قضية هندسة مرورية.

من إدارة المرور إلى إدارة المدينة

أزمة السير ليست مشكلة طرق فقط، وإنما انعكاس لطريقة نمو المدينة وإدارتها. فكل مشروع كبير، سواء كان جامعة أو مستشفى أو مجمعاً تجارياً أو مدينة سكنية، لا يضيف مبنى جديداً فحسب، بل يضيف آلاف الرحلات اليومية إلى شبكة الطرق.

ومن هنا تبرز أهمية دراسات تقييم الأثر المروري(Traffic Impact Assessment)للمشروعات الكبرى قبل ترخيصها، بحيث تُحدد قدرتها على استيعاب الحركة المتوقعة، والحلول المطلوبة لمداخلها ومخارجها والتقاطعات المحيطة بها.

فالتنمية الحضرية الناجحة لا تعني بناء المزيد من المنشآت، وإنما ضمان قدرتها على الاندماج في المدينة دون أن تتحول إلى بؤر جديدة للاختناق.

النقل العام… الحل الذي يبدأ قبل الطريق

لا يمكن معالجة أزمة عمّان بالاستمرار في إضافة الطرق لاستيعاب المزيد من السيارات؛ لأن الطريق الأوسع قد يجذب مزيداً من المركبات، فتعود المشكلة بعد فترة بصورة أكبر.

الحل الاستراتيجي هو بناء شبكة نقل عام متكاملة وموثوقة، تتكامل فيها الحافلات مع الباص سريع التردد وخطوط النقل الأخرى، وتربط المناطق السكنية بمراكز العمل والتعليم والصحة والخدمات، مع مواقف تبادلية عند المداخل والمحاور الرئيسية، ونظام موحد للمعلومات والتذاكر والمسارات.

فالناس لن يتركوا سياراتهم الخاصة لمجرد وجود حافلات، وإنما عندما يصبح النقل العام خياراً عملياً: موثوقاً، آمناً، مريحاً، منتظماً، ومنافساً للسيارة من حيث الوقت والكلفة.

وهنا تظهر فلسفة التخطيط الحضري الحديثة: لا نسأل فقط كيف نستوعب مزيداً من السيارات، بل كيف نقلل حاجة الناس إلى استخدامها أصلاً!

ومن المفيد لعمّان الاستفادة من مفهوم التنمية الموجهة حول النقل العام (TOD)، بحيث يتركز النمو العمراني والأنشطة التجارية والخدمية حول محاور ومحطات النقل العام، بما يقلل مسافات الرحلات ويشجع المشي واستخدام النقل الجماعي.

الحوكمة… من تعدد الجهات إلى وحدة الرؤية

كشف أزمة السير أيضاً أهمية الحوكمة المؤسسية. فالمسؤولية اليوم موزعة بين أمانة عمّان، وإدارة السير، ووزارة الأشغال العامة والإسكان، ووزارة النقل، وهيئة تنظيم النقل البري، وجهات أخرى، ولكل منها اختصاصه المشروع، لكن نجاح المدن الحديثة يقوم على وجود قيادة استراتيجية موحدة تنسق السياسات، وتوحد البيانات، وتتابع التنفيذ، وتقيس النتائج.

ولعل الوقت قد حان للتفكير في إنشاء مجلس أعلى للنقل الحضري أو مركز وطني للتنقل الحضري المستدام، يتولى وضع الاستراتيجية الوطنية للتنقل، ويربط التخطيط العمراني بالتنقل، ويستخدم قواعد البيانات الموحدة، ونظم المعلومات الجغرافية، والذكاء الاصطناعي، والنمذجة المرورية، للتنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها، بدلاً من الاكتفاء بإدارتها بعد حدوثها.

فالمدن لا تُدار بالمشروعات المنفردة، وإنما بمنظومة متكاملة.

البيانات قبل القرارات

لا يمكن التخطيط للمستقبل ببيانات الماضي. ولذلك تحتاج عمّان إلى تحديث مستمر للتعدادات المرورية، وتحليل أنماط الحركة، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية والنمذجة المرورية والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمواقع الاختناق قبل حدوثها.

كما ينبغي تطوير مركز التحكم المروري ليصبح مركزاً لإدارة الحركة على مستوى المدينة، قادراً على تعديل توقيت الإشارات وفق الكثافة الفعلية، والتعامل مع الحوادث والاختناقات بصورة استباقية.

ففي التخطيط الحديث، البيانات ليست أداة مساعدة لصنع القرار؛ بل أساس القرار نفسه.

المواطن… شريك في الحل

ومهما بلغت كفاءة التخطيط والتكنولوجيا، يبقى المواطن جزءاً من المعادلة. فالوقوف المزدوج، والتوقف العشوائي، وعدم الالتزام بالمسارب، واستخدام الهاتف أثناء القيادة، والتجاوزات المرورية، كلها سلوكيات فردية تتحول إلى مشكلة جماعية.

وفي المقابل، فإن الالتزام بقواعد السير، والتشارك في المركبات، واستخدام النقل العام عندما يكون مناسباً، واحترام حق الآخرين في الطريق، يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على الشبكة.

من إدارة الازدحام إلى منع الازدحام

تجارب مدن مثل سنغافورة ولندن وستوكهولم تؤكد أن معالجة الازدحام لا تعتمد على بناء الطرق وحده، وإنما على إدارة الطلب على النقل، وتطوير النقل العام، واستخدام التكنولوجيا، وتنظيم استعمالات الأراضي، وتغيير سلوك مستخدمي الطريق.

وهذا هو الدرس الذي تحتاجه عمّان: أن ننتقل من إدارة الازدحام بعد حدوثه إلى منع أسبابه قبل حدوثه.

إن أزمة السير في عمّان ليست قدراً محتوماً، لكنها لن تُحل بإجراء منفرد أو مشروع واحد. إنها تحتاج إلى رؤية حضرية متكاملة تربط بين الإنسان والمكان والنقل، وبين التخطيط والتنفيذ والحوكمة، وبين البيانات وصناعة القرار.

فالمدينة الناجحة ليست التي تملك أكبر عدد من الجسور والأنفاق، وإنما التي تقل فيها حاجة الإنسان إلى استخدام السيارة الخاصة، وتتوفر فيها خيارات تنقل عامة آمنة ومريحة وفعالة.

عمّان لا تحتاج فقط إلى طرق تستوعب سيارات أكثر، بل إلى تخطيط يجعل سكانها بحاجة إلى سيارات أقل.

 

 

.

مشاهدة عم ان hellip أزمة سير أم أزمة تخطيط حضري

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عم ان أزمة سير أم أزمة تخطيط حضري قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عمّان… أزمة سير أم أزمة تخطيط حضري؟.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار