أنا المقتول مرتين.. رحلة بحث عن العدالة “10 حلقات” ...اليمن

اخبار عربية بواسطة : (موقع يمنات الأخباري) -

yemenat

يمنات

أحمد سيف حاشد

أعددتُ هذا الكتابَ وأنا في ظروفٍ صحيةٍ سيئة، وأشعرُ ملياً أنني في سباقٍ مع الموت، ولم تتبَقَّ لي من أمنيةٍ سوى أن أُتِمَّ هذا الكتاب لأدين به القتلة.

هذه عشر حلقات من السلسلة الثالثة بعنوان: 

أنا المقتول مرتين.. رحلة بحث عن العدالة

(1)

عدالة مغلولة

كيف لنا أن ننسى، ونفس الوجوه الدميمة التي سادت ماضينا وأفسدته علينا، تعود لتُنتج واقعاً أشدَّ فظاعة؛ تمارس فيه فسادها المهول، وقد باتت أعجز من أن تكبر، وأكثر خبثاً مما كانت عليه، وتحمل في وعيها المريض لؤماً لا يتسع له وطنٌ نبحث عنه.

والأكثر ألماً وغصة، أننا لا نستطيع نسيانها، ليس بسبب حقدٍ نكنّه، بل لأن طعناتها بلغت مغاور الروح وتركت وجعاً يدوم، ما دام الظلم يزهو بخيلائه، وجراحنا فاغرة دون ضماد، ويُعاد نكؤها كلّما حاولتْ أن تندمل أو تلتئم.

تلك المسوخ لا تسبب الأذى فحسب، بل تصير في حياتك عاهةً تلازمك ما بقي لك من عمر، مثقلاً بها، خاصةً إن لم تدرك عدلاً تبحث عنه. فما البال أن يبلغ الظلم مداه، ولا يجد من يكترث بما تعانيه من قهر واضطهاد.

ويستمرّ الظلم ثقيلاً على كاهلك، وأنت رازحٌ تحت وطأته؛ فلا تجد سبيلًا إلى البقاء إلا بذلٍّ وتسليم، تُثني فيه على من يستعبدك، وتصفّق لمن يجلد ظهرك، وتُعلي شأن من يسحق روحك، وتُخمد صوتك؛ هكذا يراد لك أن تكون.

وحين تلتفتُ حولك، أنت الذي تقاوم باطلاً يفرض مشيئته عليك، لا تجد إلا خذلاناً يتسع، وسلبيةً تُطبق خناقها عليك؛ ومن كان يُفترض به حمايتك، تجده قد صار أداةً لقهرك، بدم بارد وموت بطيء، فتبحث في الزحام عن يدٍ تنقذ ما تبقّى من روحك النازفة، فلا تجد إلا جحوداً لم يخطر لك يوماً على بال.

***

(2)

مقاومة بلا استسلام

عندما تفتقد أمنك الشخصي، ويتحول القضاء المعني بإنصافك، إلى أداة إخضاع وقهر، وينحاز حراس القانون، على اختلاف مسمياتهم، مع الظلم الذي يثقل كاهلك، وتتحول السلطة السياسية إلى راعيةٍ لوأد حقك؛ حينها تدرك ملياً أنك دون وطن، وأن الباطل قد ساد واستبدّ.

وعندما يستمر هذا الحال، يتراكم احتقانك، ويشتد إحساسك بالظلم، فتزداد معاناتُك تحت وطأته، والأسوأ أن تجد من الخذلان ما ينهك قواك ويستنزف روحك. ولذلك كله، من حقك أن تقاوم، بل أن تثور إن استطعت؛ وحسبك شرف المحاولة.

لا أُحلِّق هنا في الفراغ ولا أُنظِّرُ من أبراج عاجية، بل لأحكي واقعاً عشته بكل ما فيه، وتجرعته قهراً وكمداً؛ جرعةً أولى عام 2004 حين قُتل أخ زوجتي، عادل صالح يحيى، الذي كان يعمل سائقاً معي، في عهد نظام صالح، وظللت أستعيد فاجعته وتفاصيل ما حدث كل يوم، حتى قال القدر كلمته.

ثم جاءت الجرعة الثانية في مطلع عام 2013 عندما اعتدت سلطات الأمن علينا وعلى الجرحى المحتجين سلمياً، والمعتصمين أمام مجلس الوزراء، يومَ كان لحزب “الإصلاح” فيها باعٌ وذراع، بعد أن غدر بنا، وأراد فرض مشروعه علينا، وتأسيس دولة خلافته على دمنا وحلمنا بدولة مدنية حديثة وديمقراطية، دولة المواطنة والحكم الرشيد.

ثم جرعةٌ ثالثة في عهدٍ تلاه؛ ففي 25 مايو 2017 تعرّضنا في ميدان التحرير بصنعاء لاعتداءٍ همجي ممن يريدون استعادة الولاية، بسبب وقفةٍ احتجاجية ضد سياسة التجويع، وانقطاع الرواتب، وإجراءات رفع الدعم عن المشتقات النفطية، في مواجهة مع سلطة برعت في صناعة الفقر باسم السماء.

ثلاث محطات تركت في نفسي جروحاً غائرةً، غير أنها كانت زادي وذخيرتي في رحلة مقاومة؛ قاومتُ فيها قدر ما استطعت، بروحٍ أبت الانكسار والاستكانة.

مواقفي تلك لم تأتِ من فراغ، وليست منفصلة عما حولها؛ بل هي سيرورة وامتداد لسنوات من القهر والمعاناة التي عشتها وعاشها شعبٌ بأكمله، وتحوُّلُ الوجع الفردي إلى مقاومة جامعة ضد سلطة تريد إلغاء وجودنا لتستمر في حكمها وتستبدّ إلى الأبد.

كان جرحي يتسع مع كل خذلان، لكنني لم أنفصل يوماً عن هموم الناس، وظللت أحمل قضاياهم. أخفق أحياناً، وأتجرع مرارة الهزيمة تارةً أخرى، لكنني لا أستسلم ما دام الظلم يحكم ويسود.

أمضي في المقاومة، وإن اضطررتُ إلى استراحة محارب، أو مسايرة واقعٍ يفرض نفسه بقوة؛ فهي مسايرةٌ تعافها نفسي وتقاتلها بصمت، بانتظار ظروفٍ أفضل، أو فرصة أخلقها بنفسي تمنحني شرف المحاولة مرة أخرى دون يأسٍ أو ختامٍ بتسليم.

***

(3)

مقتل سائقي ومرافقي عادل

عادل مات.. عادل مات”.. هكذا جاءني الخبر من زوجتي المفجوعة عبر هاتفي.. جملةٌ مُقتضبة، قالتها بصوتٍ متهدّجٍ ومختنقٍ بلا مقدمة ولا ختام.. كررتها بذعرٍ طاغٍ وهلعٍ منفلت، وتفجر صوتها بالبكاء، وكان وقعه على نفسي أشبه بزلزالٍ هدَّ كياني.

بدا المصاب جللاً وداهماً، يفوق قدرتي على الاحتمال.. وجدتُ نفسي ممزقاً بين ذهولٍ عاجز عن استيعاب صدقية الخبر، واضطرابٍ عاصف أفقدني توازني، فيما كانت وطأة الفاجعة تقذفني إلى حافة الانهيار.

أحسستُ أن صدري يضيق ولا يحتمل هول الفاجعة.. شعرتُ أنَّه لا مساحة في نفسي لشاسع حزنٍ مريع.. أبيتُ أن أصدق ما سمعت.. كانت صدمة الخبر أكبر من ذهول.

حاولتُ أن أنفي الخبر، وتوسلتُ زوجتي أن تقول أي شيء آخر غير هذا اليقين، ولكنّها غصّت بنحيبها، وهي تؤكد ما حدث بصوتٍ مفجوع وقلبٍ منفطر: “عادل مات.. عادل مات”.

لم تدع لدي فسحةً للشك.. إنه أخوها، وهو الآن أمام عينيها جُثّة هامدة لا نَفَسَ فيها ولا حراك.. قطعاً حاولتْ أن تبعث فيه شيئاً من حياة حتى غلب يأسها، ولم تجد غير الحقيقة العارية.

ورغم كُلِّ ذلك، ظلَّ يراودني أملٌ وسط يأسٍ خانقٍ اشتدّت قبضته.. هرعتُ مُسرعاً إلى البيت وقلبي اللاهث مقطوع النفس؛ لأتحقق مما حدث، فوجدتُ عادلاً قد مات.. مات وجعاً وكمداً إلى الأبد.

حدث ذلك بعد خمسة عشر يوماً من اعتداءٍ وحشيّ نفَّذته عصبةٌ من الضباع البشرية استقدمها ابن مسؤولٍ رفيع في وزارة الداخلية، وهو نجلُ المسؤول الأول والمباشر المناط به حراسة المنشآت والشخصيات الهامّة في عهد وزيرها رشاد العليمي.

إنه موقعُ مسؤوليةٍ يُتيح للجاني الإفلات من العقاب في بلدٍ يموت فيه القانون قبل الضحية، وينجو الجاني بقدر ما يملك أبوه من سلطة ونفوذ.

***

(4)

هل كنتُ باباً للموت؟

عدتُ إلى البيت مذعوراً على إثر الخبر.. لأول وهلة هالني ما رأيت: ابنتُه الصغيرة تداعب وجهه بحركاتٍ طفوليةٍ بريئة، وتحاول إيقاظه وهي تشدُّ شعر رأسه برفقٍ ومحبة، حين وجدته لا يستجيب.

كانت طفلةً لا تعرف شيئاً عن الموت، ولا تعلم أن الموت قد سلب روحه وأوقف قلبه.. كانت على يقين أنّه نائمٌ فقط.. لقد كانت في حياته قرّة عينيه وسكينة فؤاده.

عادلٌ الفقيرُ المعدم كان نبيلاً إلى حدٍ بعيد؛ فإلى جانب أبنائه، كان متبنّياً طفلاً وطفلةً يكدُّ من أجلهم جميعاً، ويقدّم لهم من الحب والرعاية ما لم يقدّمه أبٌ لبنيه.

رحل عادل بصمتٍ غريب.. انسلَّ من هذه الحياة خِفية، دون أن نسمع منه أنين احتضار أو آهة وداع.. غادر بخفة، كأنما شقَّ عليه أن يرى في أعيننا هلع الفاجعة، وعذاب الفراق.. فاضت روحه في هدوء، كنسمةٍ صعدت إلى السماء، تاركاً شقيقته وزوجته في مواجهة يقينٍ عارٍ.

نقلتُه على عجلٍ إلى المستشفى الجمهوري بصنعاء؛ وهو ذاته الذي أسعفته إليه يوم الاعتداء الوحشي عليه.. نقلتُه لاستخراج شهادة الوفاة، ولتعزيز التقرير الجنائي الصادر بشأنه، تأكيدًا للرابطة السببية بين الاعتداء والوفاة؛ لتبقى في أوراقه الرسمية حجةً عصية على دحضٍ وشك، فيما ظلَّت روحه تهيم باحثة عن عدالة مفقودة في وطنٍ مُستلَب؛ فلم تجدْها، ولم يجدْها الوطن.

أصابني حزنٌ غائر، ضاعَفَتْهُ خيبةٌ عارمة من عدالة نبحث عنها فلا نجدها.. ظل ثمة عتب داخلي يوجع ضميري، ويقض مضجعي تحت وطأة حساسيةٍ مفرطة بالذنب أرّقتني كثيراً، ولازمتني سنواتٍ طوال.

كنتُ أعتبُ على نفسي وكأنني الباب الذي دخل منه الموت؛ وأقول: لو لم أتخذه مرافقاً وسائقاً لي، لما أصابه مكروهٌ كهذا.. تملكني وسواسٌ قهري، وعقدة ذنبٍ تلاحقني كلما زارني طيفه في صحوٍ أو منام.

وقفتُ أمام نفسي متهماً إياها بمسؤولية فتح بابٍ لم أكن أعلمُ أن الموتَ متربصٌ خلفه؛ فكانت النتيجة تلك الخسارة التي لا تُنسى؛ وهي إزهاق روح إنسانٍ بريء يستحق الحياة.

ظلّت تحتدم في أعماقي الأسئلة الكبيرة عن الحياة والموت والأسباب؛ بدت لي الأقدار تمضي في طريقها ساكنةً، غير عابئة بحساباتنا، ولا تبالي ببحثنا عن عدالة لا نجدها، تاركةً لنا مرارة العجز، وثقل الأسئلة، وما لا يمكن لنا إصلاحه أو تفاديه.

***

(5)

مرافق وسائق أعزل

كان عادل صالح يحيى في الثلاثينيات من عمره، لكن جسده النحيل كان يوحي بعمرٍ أثقل، ووجهه يحمل وطأة من جاوز الستين، وتفاصيله تنطق بتاريخٍ من مصابرة عنيدة وكدٍّ كديد.

وجهه الصغير خارطةٌ حفرتها قسوة البؤس وشظف العيش، فيما ساقاه متقوستان تحت وطأة ما أناخت به الحياة من عبء وأثقال على جسد منهك ونحيل.

عادل كان واحداً من أولئك الذين أثقلتهم المسؤولية صغاراً، وعبروا في حياتهم دروباً وعرةً، ولم يجدوا فسحةً من رخاء، ولا ملاذاً يفرون إليه من قسوة الأيام وشدائدها.

دفعَه اليتمُ والعوز إلى الاعتماد على نفسه باكراً، فالتحق بالسلك العسكري جندياً. وكان مثابراً ونشيطاً، لكنه لغياب تكافؤ الفرص انتظر طويلاً قبل أن يُرقَّى إلى رتبة رقيب في معسكر صلاح الدين بعدن، وكانت قد أُسندت إليه مهمةُ قيادة حافلة ضباط تابعين للمعسكر.

كان عادل، إلى جانب أخته الكبرى التي تعمل في الخياطة، يكافحان في واقع صعب ويغالبان من الحال أشده؛ ليشكلا الركيزة الأساسية لإعالة أسرةٍ كبيرة تريد أن تعيش.

لم يكن عادل مسيّساً ولم ينتمِ لحزب أو جماعة، ولم يكترث بالانتماءات والصراعات السياسية، ولكن بحكم عمله وضعته الأقدار في حرب 1994 في قلب معركة لم يَخْتَرْها، بل كانت الحربُ هي من اختارَتْه، وكان الواقع أكبر منه؛ ليخرج منها مكسوراً في وطنٍ أضاع حلمه ووحدته، ورجاءً بات بدداً.

نجا من موتٍ محقق بأعجوبة، بعد أن أصابته شظايا قذيفة دبابة تابعة للقوات المهاجمة، وتمكنت منه إصابات بالغة طالت كبده وطحاله وأمعائه، ليدخل أثرها في سلسلة من العمليات الجراحية المعقدة، حتى خرج منها بعافيةٍ هشّة وجسدٍ يحمل ندوباً من وجعٍ وقهر.

تلك الندوب لم تكن مجرد علامات على جسده، بل حوّلت مساره العسكري إلى التقاعد الطبي المبكر براتب زهيد، وليرفع دخله اشترت له أخته سيارة متهالكة، حتى لا يتخلى عن واجبه في إعالة أسرته، ولا يجعلها فريسة الحاجة والعوز. غير أنهما وجدا أنفسهما يعيلان أسرة وسيارة تعاني دوام الأعطال والعطب.

بعد أن صرت نائباً في البرلمان، وفي إحدى زياراتي إلى عدن مطلع 2004 أو قبله بشهور قليلة، طلب مني أن يعمل معي سائقاً ومرافقاً، فكان له ما طلب على رحبٍ وسعة.

كان صديقاً وسائقاً ومرافقاً لي دون سلاح، وقد كنتُ أستهجن السلاح وملازمته لصاحبه، وأتعالى بقلمي وأؤثره عليه؛ نافراً من مظاهر الحماية بالنار والدم.

كانت علاقتنا ببعض تتسم بندية واحترام ومحبة، إلا أن القدر لم يمهل هذه الرفقة غير شهور قليلة لم يدر عليها الحول، لتفجعنا الأيام بجريمة طالت حياته وطوت صفحة رجل عاش مظلوماً ومات بصمت وكمد.

***

(6)

في عهد وزارة “العليمي”

مرثية: أنا المقتولُ شهيداً مرتين!

«في يومٍ مشؤومٍ من ربيع عام 2004، تلقّيتُ دعوةً لحضور حفلٍ في السفارة البريطانية بصنعاء، في إطار دعوةٍ عامة لوزراء ونواب ومسؤولين؛ فلبيتها بدافعٍ من فضولٍ ومعرفة، واكتشافِ عالمٍ أجهله.

انطلقتُ بالسيارة عصر ذلك اليوم من الحصبة نحو السفارة، برفقة سائقي عادل وصديقي مجيد الشعبي. وحالما وصلنا إلى شارع كلية الشرطة، تفاجأنا بسيارة تندفع نحونا من شارعٍ فرعي بصورة مخالفة لقواعد المرور، يقودها شخصٌ بدا لي للوهلة الأولى مراهقاً طائشاً.

حدث احتكاكٌ طفيف بين السيارتين، وأضرارٌ لا تستحق الذكر. أوقفنا السيارتين وجاء رجل المرور الذي كان على بعد نحو مائتي متر من موقع الحادث، فطلبتُ منه أن يقوم بواجبه وفق النظام والقانون. وبدا لي أن الأمور تسير نحو الحل، فغادرتُ المكان بسيارة أجرة كي لا أتأخر عن موعدي، تاركاً الأمر لمتابعة سائقي وصديقي ورجل المرور.

وبعد قرابة نصف ساعة من مغادرتي المكان، هاتفني عادل بصوتٍ مخنوقٍ ومذبوحٍ بغصة، ليبلغني أن سائق السيارة الأخرى هو ابن مسؤول كبير، وقد استدعى أربع سيارات تحمل لوحاتٍ عسكرية للشرطة والجيش، محمّلةً برجالٍ يحملون العصي والجنابي، حيث اعتدوا عليهما وأوسعوهما ضرباً، وكانوا يبحثون عنّي.

تركتُ السفارة والاحتفال وعدتُ على الفور، غير أنني وجدتُ كل شيء قد انتهى؛ إذ غادر المهاجمون وبقي جرحُنا مفتوحاً، واتضح أن مسكن ابن المسؤول ليس بعيداً عن موقع ما حدث.

كان ذلك تصعيداً مريباً من قبل الطرف الآخر يدعو إلى الشك؛ إذ لم يقتصر الأمر على رعونة القيادة، بل امتد إلى ما تلاها من أحداث، وإلى نهايةٍ لم تكن تخطر على بال.

اتضح لي أن الطرف المعتدي هو نجل قائد المنشآت والحراسات الخاصة بكبار الشخصيات التابع لوزارة الداخلية، وكان برفقته عددٌ من الرجال الذين جاء بهم إلى المكان على نحوٍ يزيد التوجس قناعة وإحكاماً.

تواصلتُ مع وزير الداخلية رشاد العليمي، ومع نجله محمد، نائب رئيس لجنة الحقوق والحريات في مجلس النواب “مقرر اللجنة”، فوجدتني مطحوناً بين شقي رحى: أبٌ يتولى أعلى منصبٍ تنفيذي في وزارة الداخلية يردّ ببرودٍ ومراوغة، وابنٌ يُفترض فيه ممارسة الرقابة البرلمانية على الوزارة التي يتولاها أبوه، لكنه فاقه فتوراً وبروداً.. ومع استمرار متابعتي للقضية، وجدتُ نفسي كالمستجير من الرمضاء بالنار.

اليوم.. صار الوزير رئيساً لما يُسمى بـ”الشرعية”، وصار محمدٌ نجلَ “الرئيس” دكتوراً ورجل أعمال، وصرتُ أنا طريد صنعاء وعدن؛ أبحث عن ملاذ، وعن علاج، وعن وطن.. تاركاً للروح تقيتها كي تنجو، فلا تنجو؛ فأُسلِم الروح بنفسٍ راضية وضميرٍ شفيع.. أنا المقتولُ شهيداً مرتين!

***

(7)

من وزير إلى رئيس

– من ضياع ملف إلى وطن أضاعوه.

لجأنا إلى القانون ملاذاً لنا؛ وتقدّمنا بشكوى إلى النيابة المختصة، وطلبنا منها التحقيق وضبط المعتدين، لكنها تعرّت وتنصّلت منذ الوهلة الأولى، رغم جسامة الجريمة واستهتار الجناة، واكتفت بإحالة القضية إلى أمن منطقة الوحدة بصنعاء.

ذهبنا إلى إدارة أمن المنطقة وفي النفس غصّة؛ وأدلينا بدلوِنا لعلّ في البئر ماءً، راجين بصيص أملٍ أن تسير الأمور إلى خَير، غير أن الحقيقة كانت مرّةً ومؤسفة.

لم يكن الأمر تقاعساً عابراً أو رخاوة اهتمام، بل تواطؤاً صارخاً؛ إذ أبلغوني وأنا أتابع الإجراءات في أسبوعها الثاني أن ملف القضية قد فُقِد من دُرجِهِ! هكذا بدأ الفقدان من ملف، لينتهي إلى وطنٍ أضاعوه.

يقضي القانون بإحالة القضية خلال أربعٍ وعشرين ساعة مع محاضر الاستدلالات إلى النيابة، فيما مرّت خمسة عشر يوماً وكأن القانون توقف عند يومنا الأول: لا توقيف، لا إحالة، لا ضبط، ولا حتى طلبٍ أو تكليفٍ بالحضور لمطلوب، رغم متابعتي المضنية.

بدت العدالة أبعد منالاً، وتوالت الخيبات، وكانت أي خطوة أخطوها إلى الأمام أشبه بالمعجزة.. الجهاز الأمني المناط به حمايتنا وحماية حقوقنا يسعى إلى تمييع القضية وإهمالها بعمديةٍ كاملة، لينطبق على هكذا حالٍ: “حاميها حراميها”.

وفي أوج ذلك التعطيل الذي شارك في قهرنا وسحقنا، تُوفي المجني عليه عادل -ذاك العدني الأعزل الذي لا قبيلة له ولا جاه- مات موجوعاً ومقهوراً! فيما عشتُ غصةً ذابحة، حتى بتُّ بحمولةٍ أثقل من جبل، هي بعضٌ من واقعٍ صار اليوم ينسحق تحته شعبٌ بأكمله.

تمالكتُ أعصابي رغم الفاجعة؛ لم أصرخ ولم أنفجر، مع أن كلاهما قليلٌ ومشروعٌ في وضعٍ كهذا، لكنني حاولتُ أن أبوح بوجعي وعتبي للمسؤول الأمني في المنطقة، لأسمع منه جملةً تضاعف الفاجعة، ببلوغ البجاحةِ منتهاها:

“أنا لستُ موظفاً عندك!”

نعم، هو ليس موظفاً لدي، بل موظفٌ عند وزيره، ونحن الشعب علينا أن نطيع أو نموت.. إنها ثنائيات الخيارات الفادحة التي تُفرض علينا من قِبل سلطةٍ تريدك فقط كما تروق لها.. هكذا هي المسؤولية في عيون من يُكَلَّفُ بقتلها.

لقد وجدتُ نفسي تحت وطأة سلطةٍ تصرّ على طمر القضية، رغم أنها حديثة عهد، وكأن همَّها الأول لم يكن كشف الحقيقة، بل إهالة التراب على الجريمة، وطَيُّ حق المجني عليه بنسيان.. رحل عادل بصمتٍ ولكنه أبلغ من كل الكلام، وأقوى من صوت الرصاص.

ظللتُ أسأل نفسي بمرارة: إن كان هذا حال نائبٍ يعرف القانون ويستطيع إثارة الموضوع في هامشٍ متاح، فكيف بمواطنٍ بسيط لا يعرف القانون، ويعيش على هامش حياةٍ أضيقَ من عقدةِ مَشنَقَة؟

أفتقر ملف عادل إلى دولةٍ تحترم نفسها، وإلى مسؤولٍ يرى في القانون أمراً واجب التنفيذ، لا مجرد ورقةٍ تُحفظ في درج، أو ملفٍ يُقال بعد أيام إنه ضاع.

هكذا فقد عادل حقّه في الحياة، وغدا الظلم الذي حذّر منه ابن خلدون، والمؤذن بخراب العمران، واقعاً نعيشه؛ حين أضحى الجهازُ المفترض به حراسة القانون قبضةً تُجهز عليه، وتُضيّع حقوق الضحايا ممن لا ظهر لهم ولا سند.

من كان بالأمس وزيراً، صار اليوم رئيساً بمسمى ألعنَ من أمسنا كله، وبات الخرابُ أكبر من كارثةٍ ولعنةٍ حلّت ولا تريد أن تغادر، وسلطةً تشبع الناس جوعاً وتعشق الخراب المضمّخ بالدم والموت والفساد المهول!

***

(8)

مقبرة البرلمان

ظللتُ أخوض معركةً تلو أخرى من أجل الوصول إلى العدالة، أو على الأقل إلى بعضٍ منها، وكان نيل قليلها مستصعباً، وأحياناً في حكم المستحيل إن كان الظالم نافذاً في السلطة، أو مدعوماً بقبيلةٍ أو سلطانٍ من فساد.

بذلتُ كل جهدٍ ممكن؛ إن استطعتُ أن أفتحَ باباً، أجد نفسي أمام صدٍّ وإغلاقٍ في الباب الذي يليه. مُنِيتُ بخساراتٍ متلاحقة في محاولة انتزاع حقٍّ، أو الوصول إلى عدالةٍ أبحث عنها، فلا أجد في الغالب إلا مزيداً من الظلم والقهر والمعاناة.

حاولتُ أن أثير موضوع مقتل سائقي، عادل، في مجلس النواب باعتباره الجهة المعنية بالرقابة على تنفيذ القوانين، معلناً وجعي اللاسع، وناشراً قهري المكتظ تحت قبّته، ومؤكداً له أنه لم يتم ضبط متهمٍ واحدٍ من عشرين بين مباشرٍ ومتمالئ.

قمتُ بجمع حملة توقيعاتٍ من أعضاء مجلس النواب على عريضةٍ موجهةٍ إلى هيئة رئاسة المجلس؛ وبلغت في ظرف ساعة أكثر من تسعين توقيعاً عليها، يطلبون فيها من الرئاسة تشكيل لجنة تحقيقٍ، وكنتُ متطلعاً إلى استدعاءٍ عاجلٍ لوزير الداخلية رشاد العليمي إلى المجلس، لمساءلته وحمله على ضبط المتهمين.

وبدلاً من أن تشكّل هيئة رئاسة المجلس لجنةً خاصة من القاعة للتحقيق بحسب طلب النواب، أحالت الأمر إلى «لجنة الدفاع والأمن» بالمجلس بتلك الفهلوة التي اعتدنا عليها؛ وهي اللجنة التي أصابتني بخذلانٍ مكين في تلك القضية، وفي كل القضايا اللاحقة التي أحيلتُ إليها.

ما كنتُ أعلمه أن المقابر تضيق، غير أن ما عرفته هنا أن مقبرة البرلمان تتسع، وكأنها لا تكف عن القول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾؟

أصابتني اللجنة بمقتل، حين أبلغني بعض أعضائها أن “المسؤول” قد حكّم ببندقيتين، في محاولةٍ صريحة للالتفاف على الجريمة والعقاب إلى عرفٍ لا أعرفه كوني ابنَ القانون، ومؤمناً بالحريات والحقوق.. يا لقبح الجريمةِ ويا لبخسِ الالتفاف!

ضغط بعض أعضاء تلك اللجنة لأقبل التحكيم، بل وألمح أحدهم أن تقرير اللجنة سيكون مصيره كتقرير رداع إن لم أساير إجراءات التحكيم! في الحقيقة لم أكن أعرف شيئاً عن تقرير رداع، لكنني فهمتُ المعنى جيداً: أنني لن أنال حقاً، وسينال الباطل مني كلَّ منالٍ.

هكذا انتهت رحلتي الأولى مع العدالة في البرلمان؛ بدأت بعريضةٍ حملت أكثر من تسعين توقيعاً، وانتهت بإحالةٍ إلى لجنةٍ تعاطت مع القضية بعيداً عن المسار الذي كان ينبغي أن تسلكه، وحاولت جرَّها إلى تحكيمٍ قبلي، وانتهت بالتلويح بأن مصيرها لن يختلف عن مصير “تقرير رداع”.

عندها أدركتُ ملياً ومن واقع الحال أنني لستُ أمام مؤسسةٍ تبحث عن الحقيقة، بل أمام مؤسسةٍ تُوارى فيها القضايا كما تُوارى الجثث، لاسيما إن كانت السلطة أحد أطرافها.

أدرتُ ظهري للبرلمان الذي تسميه رئاسته “بيت الشعب”، بعد أن أيقنتُ أنني لم أطرق بيت الشعب الذي يفترض أن يكون حارسًا للعدالة، بل طرقتُ بابَ مقبرةٍ تُوارى فيها القضايا والمظالم التي يرتكبها النافذون؛ ومضيتُ أبحث عن بابٍ آخر، لعلّي أجد فيه أملاً أن أنال شيئاً منها، وقد أرهقتني رحلةُ البحث عنها حدَّ إنهاكٍ وإعياء.

واليوم، ما يزال كثيرٌ ممن خذلوني في ذلك البرلمان يتربعون على سدته، بينما الوزير الذي طالبتُ بمساءلته صار رئيساً يمنع انعقاده حتى لا تُكشف أهوال فساد سلطته، بعد أن أغدقَ عليهم المال من “بيت مال المسلمين”.. هذا البيت، وذاك البرلمان، وذلك الوزير الذي صار رئيساً، جميعهم يعاقبونني ويحرمونني اليوم من حقي في العلاج، لأنني تمسكتُ بحقي في الرأي، ورفضتُ الإذعان، وقاومت التدجين.

***

(9)

سماء من حزن لوطن مقهور

في البرلمان، استخطأني بعض الزملاء الواعظين؛ لأنني ما زلتُ أعيش على ماضٍ من عدن لن يعود، فلا دولة، ولا مواطنة، ولا قانون يسود.. فيما ألقى آخرون عليّ اللوم لأن سائقي ومرافقي كان مدنياً وأعزلَ في مجتمعٍ يُعتَبَر فيه حمل الرجل للسلاح بعضاً من رجولته، ودونه أنت ناقص!

نصحني أحدهم أن أحذر وأحتاط في المستقبل، وأن أبحث عن ذوي بأسٍ من أرباب السوابق أو القتلة المهابين، ليكونوا مرافقين لي كما يفعل آخرون؛ لأن في ذلك حماية وحصانة لا تُمَسّ.

أرادوا مني أن أغادر عالمي المدني المسالم لألتحق بعالم الجريمة الفاقعة.. يا لها من مفارقة مروعة حين يريدون لمنطق الغاب أن يسود، ويكون هو الخلاص لتعيش!

حاولتُ دون جدوى أن أُفهم بعضهم أن ابن المسؤول وجماعته ما كانوا ليتجرؤوا على فعل ما فعلوه لو أدركوا أن القانون سيطالهم، ولو بحبسٍ لا يطول.. لكنهم كانوا يدركون تماماً أنهم إن اشتدّ عليهم الأمر، فرّجوها بعقر ثور، أو تحكيمٍ قبلي ببندقيتين! ما أبخسنا في سوق القبيلة وأعرافها حينما يفلت القتلة من العقاب!

وما أسهل على القبيلة أن تقوم بذلك الدور، وما أثقله على الضحايا، وعلى الثيران التي تُعقر بدلاً عن الجناة.. أما الحق العام فليس له وزنٌ ولا مقام في بلادٍ ما تزال محكومةً بسلطة العرف والقبيلة.

من المؤلم أن تجد نفسك هامشاً في مجتمعٍ تُقاس فيه الرجولة بالسلاح.. ولذلك استرخصوا دمنا وكرامتنا في ظل غلبة العُرف وغياب سيادة القانون، واسترخاص الحق العام في دمائنا المستباحة.

وإليكم بعض مقتطفات ما كتبتُه يومها بقلمٍ نازف وقلبٍ مفطور بالوجع:

• عند عودتي إلى مكان الاعتداء، وجدتُ سماءً من حزن، وجرحاً يتسع لوطنٍ مقهور، وإنساناً يقبض على وجعه.. والآخر وقارٌ مكسور، وغصةٌ حارقة، غير أن ما يحزّ في النفس أكثر أن تجدهما يداريان عنك ما يؤلمك، ويمعنان في الحرص ألا تصيبك شظيةُ حزنٍ، أو شررٌ من وجعٍ مما حدث بهما وحلّ.

• عادل صالح يحيى قُتل حزيناً ومقهوراً ويائساً من أن يطال نُتفاً من حقٍّ مسلوب وعَدْلٍ مفقود؛ ضاعا بين سطوة القبيلة، ونفوذ الفساد، وتواطؤ الجهات المسؤولة.

• عادل.. لا يحمل مسدساً، بل لا يحمل حتى سكيناً.. ليس له قبيلةٌ تؤازره أو تأخذ بحقه أو تثأر لدمه، في دولةٍ ما زالت القبيلة فيها تنتعل القانون، وتخنق الوعي وتقتله.

• عادل.. من أبناء عدن الطيبين المعهودين بالبساطة والنقاوة والمسالمة التي يذبحها كل يومٍ الاستقواءُ بالسلطة والقبيلة والمال، وغرور الباطل، وعجرفة أبناء المسؤولين.

استمررتُ في بذل ما بوسعي، بل وتحويل بعض المستحيل إلى ممكن. وما كان ليتأتى هذا إلا بشق النفس وطلوع الروح؛ حيث استطعتُ تحويل قضية عادل إلى قضية رأي عام.. لقد كان الرأي العام والإعلام يومها سندي الأول في الضغط للوصول إلى ما وصلتُ إليه، وهو ضبط ثلاثة متهمين من قِوام عشرين.

ولكنَّ ثلاثةً من بين عشرين أشبه بنقطة ضوء في ثقبٍ أسود نعيش في دياجيه.. أما الباقون، فما زالوا طلقاء ومبندقين، وكأنهم حرّاس المقبرة!

قُتل عادل، لكنني حملتُ قضيته رسالةً ما حييت، معارضاً للظلم ومنحازاً للمظلومين، ودفعتُ الثمن، ونجوتُ من الموت مراتٍ عديدة، ولكنني اليوم أُقتل ببطءٍ ممنهج بحرماني من حقي في العلاج. والمفارقة الذابحة أن المنظومة التي أفلتت قتلة عادل من العقاب، هي نفسها التي تقتلني هنا كل يوم.

***

(10)

من يومها صرتُ معارضاً

كانت رحلتي نحو العدالة أكثر من شاقةٍ ومضنية إلى حدٍّ بعيد.. استخدمتُ كلَّ ما هو ممكنٌ ومتاح لأبلغ نُتَفًا منها، لكنني لم أصل إلى عُشرها

إذا كان هذا ما حدث مع نائبٍ في البرلمان وممثلٍ للشعب، ورئيسِ محكمةٍ سابق دارسٍ للقانون ومارَسَهُ من منصة القضاء؛ فكيف يكون الحال مع المواطن المغلوب على أمره، المنهك حدّ الحطام، والغارق في همّه اليومي حتى شَعْرِ رأسه، والمخنوق بأمعائه وحبال جوعه؟!

رفعتُ تظلّماً إلى وزير العدل بشأن تعرّض مرافقي لاعتداءٍ من قبل أكثر من عشرين شخصاً من ذوي ومرافقي مدير حراسة المنشآت والشخصيات الهامة، واستخدامهم لسيارات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية في الاعتداء المفضي إلى الموت على سائقي ومرافقي، مطالباً بضبط جميع المعتدين، والتحقيق مع المدير المذكور، وسرعة استكمال التحقيقات في القضية.

تسلّمتُ من وزير العدل مذكّرةً إلى النائب العام، تطالب بضبط جميع المعتدين واتخاذ ما يلزم طبقاً للقانون، لكن الإجراء لم يُوقِظ ضميراً غائباً، ولم يردع سلطةً آثرت تعطيل القانون لحماية أزلامها.

وزير العدل يخاطب النائب العام، والنائب العام يخاطب وزير الداخلية، والنتيجة حصاد اليباس! حلقةٌ مفرغة ليس لها نهاية، ولا عدلٌ في حصاد!

فقدان العدالة أَوْزَرُ من كل فقدان.. لم أستطع إحضار شهودٍ مؤثرين في الواقعة إلى النيابة؛ بسبب نفوذ الجناة والسلطة التي تقف وراءهم.. حاولتُ كثيراً دون جدوى، رغم أن الجريمة كانت مشهودة جهاراً نهاراً وأمام العيان، والسماء شاهدة!

ترددتُ كثيراً على المحلات التي وقعت أمامها جريمة الاعتداء والضرب، ولكن كان الخذلان أكبر، ولم أجد أيَّ شاهدٍ ممن أبحث عنهم.. تهرّب الجميع تحت ضغوطٍ موازية، فما وجدتُ بعد إعياءٍ إلا خرابةً مات الأمل تحت ركامها.

عندها ذهبتُ إلى السفارة الإسبانية بحثاً عن شريط الفيديو الخاص بالسفارة التي ارتُكب الاعتداء قريباً منها، علَّ التسجيل يوثق بعض ما جرى، لكنهم أبلغوني أن الكاميرات كانت عاطلة!

خرجتُ بعد حصارٍ واستكلاب بقرار اتهامٍ هشّ ضد ثلاثةٍ من قِوام عشرين! كم هو طريق العدالة شاقٌّ وصعب في واقعٍ أشدَّ صعوبةً ووعورة!

كانت والدة عادل المجلوطة، والمشلولة نصفها، قعيدة الفراش تتردّد بين خيارين مؤلمين: إما ترك الأمر لعدالة السماء، أو التنازل مقابل أي شيءٍ لأطفاله، خشية أن تنتهي تلك المعركة غير المتكافئة بخسارة كل شيء.

أما أنا، فكان لي أن أخاطر بحقوقي، حتى بحقي في الحياة، لكن لم يكن لي أن أقامر بحقوق إنسانٍ ائتمنني على قضيته.

لم نكن نخاف فقدان بلح الشام أو عنب اليمن، بل كنا نخاف ظالماً يُطبِق علينا بكلكله، وعبئاً أثقل من جبالٍ شداد، وخيبةً تصيبنا لا نقوم بعدها أبداً.

واجهتُ ضغوطاً شتى، فيما ازدادت مخاوف أمّ المجني عليه حتى نالت منها كلَّ منال، خوفاً على حياةٍ باقية هي حياتي؛ إذ كان مصابها بي سيضاعف خسارتها وفقدها على نحوٍ أشدَّ وأفدح.

تدخل الشيخ الذي أحسنتُ فيه الظن يوماً، فتكالبت علينا خيبات السنين الطوال.. كان التعويض مليونَيْ ريالٍ فقط! كم دَمُنا مُستبْخَسٌ، وكم نحن في سوق النخاسة رخاص!

دفع والد الجاني الأول مليوناً، وتعهّد شيخنا خطياً للمحكمة – وكان حينها رئيساً لكتلة الحزب الحاكم في البرلمان – بدفع المليون الثاني خلال أيام، وهو تعهّدٌ لم يُوفَ به إلى يومنا هذا، وقد انقضى على ذلك أكثر من اثنين وعشرين عاماً؛ زمنٌ يكفي لطوله أن ننسى حتى أسماءنا!

واليوم صار شيخنا ذاك رئيساً للبرلمان، بينما ما زلنا نحن نمضغ جراحنا ونقتات خيباتنا مكرهين.

اكتفى القاضي بمدة حبسٍ لم تتجاوز الشهرين، وأُسقِط بها حق المجتمع، وهو الحق العام بتلك المدة التي تسخر من دمنا ووجودنا.. حشرجة الموت وغصة الرحيل! هذا إذا حدث حبسٌ بالفعل، رغم شكوكي في أن يكون شيءٌ من ذلك في الواقع قد حدث.

شعورٌ مرير أن ترى السلطة نفسها هي الظلم بكامله؛ تستخف بك، وتمارس تأثيرها على سير العدالة، وتستخدم نفوذها ضد مواطن، وتمنعك من الوصول إلى حقوقك، ولا تريد أن تراك إلا مذعناً مستسلماً، بقبول ما تفرضه عليك دون رفض أو معارضة.

إن المفارقة المؤلمة أن مَن كان رئيساً لكتلة الحزب الحاكم يوم مقتل سائقك ومرافقك، قد صار اليوم رئيساً لبرلمان ما تُسمّى “الشرعية”، وتصير أنت وحقوقك أسيرها! وفي قبضة رئيسٍ آخر بفخامته، يجعل حرماني من العلاج وسيلةً لقتلي ببطءٍ وبأعصابٍ باردة.. أنا المقتول مرتين!

ولا يسعني هنا إلا أن أرسل عزائي الواسع إلى عادل وكل ضحايا هذا الواقع الثقيل بظلمه، إلا بقول نزار قباني:

“برغْمِ النزيف الذي يعتريه

برغمِ السهام الدفينةِ فيه

يظلُّ القتيلُ على ما به

أجلَّ وأكبر من قاتليهِ!”

ومنذ مقتل الإنسان البسيط الطيب النقي، عادل، صرتُ أشدَّ معارضةً من أي وقتٍ مضى، وما زلتُ كذلك إلى اليوم، وإن تخللت الطريقَ استراحةُ مرضٍ، أو استراحةُ محاربٍ، أو فسحةٌ من حذرٍ فرضتها ظروفُ المرحلة، فإنها لا تدوم.. لقد كان ذلك الحدث، بالنسبة إليَّ، ولادةً جديدةً لمقاومةٍ لا تنتهي ما حييت.

***

يتبع ..

yemenat

مشاهدة أنا المقتول مرتين رحلة بحث عن العدالة ldquo 10 حلقات rdquo

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أنا المقتول مرتين رحلة بحث عن العدالة 10 حلقات قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أنا المقتول مرتين.. رحلة بحث عن العدالة “10 حلقات”.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار