كتب: د. مسعود عمشوش
بعد أن حاولنا في المقال السابق الإجابة عن سؤال: ماذا تستطيع الشرعية أن تفعل أمام تصاعد الهجمات الحوثية؟، يبدو السؤال الآخر أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الجنوبيين: ماذا يستطيع المجلس الانتقالي وأنصاره، والقوى الجنوبية بمختلف توجهاتها، أن يفعلوا اليوم لحماية الجنوب من الحوثيين، وحماية ثرواته من أن تتحول إلى ورقة في صفقات الآخرين؟ السؤال ليس افتراضياً. فالتصعيد الحوثي الأخير لم يعد محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات إلى مأرب والمخا ومناطق في حضرموت، في وقت تزايد فيه الضغط على المواقع والمنشآت والموانئ الواقعة خارج سيطرة الحوثيين. وأصبح واضحاً أن الجماعة لا تحتاج بالضرورة إلى اجتياح الأراضي الجنوبية كي تؤثر في مستقبلها؛ يكفيها أن تمتلك القدرة على تهديد أمنها، وتعطيل مواردها، وإرباك القوى التي تتولى حمايتها. الهجوم على المخا، والتصعيد في مأرب وحضرموت، يأتيان في سياق إقليمي أكثر اضطراباً، فيما اتسعت أخيراً المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب. وهنا ينبغي على الجنوبيين أن يدركوا حقيقة أساسية: المعركة مع الحوثي ليست معركة حدود فقط، وليست معركة عدن أو الضالع أو لحج وحدها، وإنما معركة على مستقبل الجنوب وموقعه وثرواته وقدرته على اتخاذ قراره بنفسه. لكن مواجهة هذا الخطر لا تعني أن يدخل الجنوب في حرب عشوائية جديدة، ولا أن يعيد تجربة الانقسامات والصدامات الجنوبية ـ الجنوبية. بل العكس تماماً. إن أول شرط للانتصار على الحوثي، بالنسبة إلى الجنوبيين، هو ألا يسمحوا له بأن يجعل خلافاتهم الداخلية بديلاً عن المعركة الحقيقية. أولاً- الجنوب يحتاج إلى تعريف جديد للمعركة خلال السنوات الماضية، جرى اختزال القضية الجنوبية أحياناً في معادلة بسيطة: الحوثي في الشمال، والانتقالي في الجنوب. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالجنوب ليس حزباً واحداً، ولا قبيلة واحدة، ولا محافظة واحدة، ولا حتى مشروعاً سياسياً متطابقاً في كل مناطقه. هناك عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وشبوة، وحضرموت، والمهرة، وسقطرى، ولكل منطقة خصوصيتها ومصالحها وحساسياتها السياسية والاجتماعية. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الجنوبيون في هذه المرحلة هو محاولة فرض إجابة واحدة على سؤال الجنوب قبل أن تتوافر له قاعدة توافق واسعة. فالمطلوب الآن ليس أن يقول كل جنوبي إنه عضو في هذا التنظيم أو ذاك. المطلوب أن يتفق الجنوبيون على مجموعة من المصالح العليا التي لا يجوز التفريط بها أياً كان شكل الدولة الذي ستنتهي إليه التسوية السياسية. وفي مقدمة هذه المصالح: حماية الأرض الجنوبية. حماية الثروات والموارد. منع الحوثيين من التمدد جنوباً. منع أي طرف من استخدام الجنوب كمنطقة نفوذ عسكري دائم. حماية الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية. وضمان أن يكون للجنوبيين حق حقيقي في تقرير مستقبلهم السياسي. وهذا يعني الانتقال من سياسة الانتماء إلى الأشخاص إلى سياسة الدفاع عن المصالح الجنوبية.
ثانياً: لا يمكن مواجهة الحوثي بجنوب منقسم إذا كان الحوثيون يريدون، كما يبدو، إبقاء خصومهم في حالة استنزاف وانقسام، فإن أفضل هدية يمكن أن يقدمها لهم الجنوبيون هي أن يواصلوا صراعاتهم الداخلية. لقد أثبتت أحداث الأشهر الماضية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي. ففي ديسمبر 2025 تمكنت قوات جنوبية من التقدم سريعاً في حضرموت والمهرة، قبل أن تتراجع. وتشير تحليلات حديثة إلى أن إعادة ترتيب البنية الأمنية الجنوبية أصبحت منذ ذلك الحين أبرز التحديات التي على الجنوبيين التصدي لها. هذه التجربة ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها هزيمة لطرف وانتصار لطرف آخر فقط. بل باعتبارها درساً لكل الجنوبيين: لا يمكن بناء مشروع سياسي جنوبي مستقر من دون توافق جنوبي واسع، ولا يمكن حماية حضرموت بواسطة قوات طوارئ يمنية وربما متحوثة، كما لا يمكن حماية عدن أو شبوة أو أبين أو المهرة إذا تحولت كل محافظة إلى جزيرة سياسية وعسكرية منفصلة. ومن هنا فإن الخطوة الأولى المطلوبة هي تشكيل جبهة جنوبية سياسية واسعة، لا تقوم بالضرورة على دمج الأحزاب والتنظيمات، وإنما على تنسيق المواقف في القضايا الكبرى. وتبين التظاهرات الأخيرة في الجنوب أن المجلس الانتقالي يظل قوة بارزة بل ورائدة في الأرض ومن الصعب تجاهله. يمكن أن تختلف القوى الجنوبية حول شكل الدولة المقبلة، ويمكن أن تختلف حول العلاقة مع التحالف، ويمكن أن تختلف حول طريقة إدارة الموارد. لكن لا ينبغي أن تختلف حول سؤال واحد: هل يجب أن يبقى الجنوب قادراً على حماية نفسه وامتلاك قراره السياسي والاقتصادي؟ إذا اتفقوا على ذلك، يصبح الخلاف السياسي قابلاً للإدارة. أما إذا تحول الخلاف السياسي إلى صراع عسكري جنوبي، فإن الحوثي سيكون المستفيد الأول. ثالثاً: إعادة بناء القوة الجنوبية، لا إعادة إنتاج الفصائل لا يستطيع الجنوبيون مواجهة الحوثي بالشعارات. والإعلام. الحوثيون بنوا خلال سنوات الحرب منظومة عسكرية وأمنية واستخباراتية وصاروخية، وأثبتوا قدرتهم على استخدام المسيّرات والصواريخ لمسافات واسعة. والتصعيد الأخير يؤكد أن التهديد لم يعد تقليدياً. لكن الرد الجنوبي لا ينبغي أن يكون بتكاثر التشكيلات العسكرية. فالجنوب لا يحتاج إلى عشرات القوات التي تتنافس على الاسم والتمويل والقرار. إنه يحتاج إلى منظومة أمن ودفاع جنوبية منضبطة، تتكون من قوات محلية مدربة، وتعمل وفق قيادة واضحة، وتكون مهمتها الأساسية حماية الأرض والسكان والمنشآت. وهنا يمكن أن تستفيد القوى الجنوبية من تجربة السنوات الماضية، بدلاً من تكرار أخطائها. القوة العسكرية الجنوبية يجب أن تكون: مهنية وليست حزبية. منضبطة وذات ولاء جنوبي مؤكد. دفاعية في وظيفتها، وقادرة على الردع. مرتبطة لقيادات جنوبية واضحة. قادرة على حماية الحدود والموانئ والمنشآت. بعيدة عن الصراع الشخصي أو التنازع على الموارد والمناصب. والأهم أن حضرموت يجب أن يكون لها دور أساسي في حماية حضرموت، وشبوة في حماية شبوة، وأبين في حماية أبين، وعدن في حماية عدن، ضمن منظومة جنوبية متكاملة. فالقوة الجنوبية المحلية ليست نقيض القوة الجنوبية الشاملة بل يمكن أن تكون أساسها إذا جرى تنظيمها ضمن مؤسسة وطنية جنوبية أوسع. رابعاً: حضرموت ليست مجرد جبهة عسكرية ربما يكون هذا هو الدرس الأهم. حضرموت ليست محافظة أخرى في الخريطة. إنها الثقل الجغرافي والاقتصادي الأكبر في الجنوب، وتضم حقولاً ومنشآت نفطية وموانئ ومطاراً ومساحات شاسعة، وتمتد حتى الحدود السعودية. ولهذا فإن أي مشروع جنوبي لا ينجح في بناء علاقة متوازنة مع حضرموت سيبقى ناقصاً. والأمر نفسه ينطبق على المهرة وشبوة وسقطرى. لا يجوز أن يكون المشروع الجنوبي عبارة عن مركز سياسي في عدن يبحث عن إخضاع المحافظات الأخرى. إذا أراد الجنوبيون إقناع حضرموت بأن مستقبلها لن يكون تكراراً للمركزية القديمة، فعليهم أن يقدموا نموذجاً مختلفاً تماماً. علينا ان نبني جنوبا متعدد المراكز، لا جنوباً مركزياً جديداً. وهذا يعني أن لكل محافظة حقاً حقيقياً في إدارة شؤونها المحلية، مع وجود مؤسسات جنوبية مشتركة تتولى الدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد الكلي والقضايا السيادية. بهذه الطريقة فقط يمكن تحويل التنوع الجنوبي من مصدر ضعف إلى مصدر قوة. خامساً: الثروة الجنوبية ليست غنيمة لأي طرف في هذا الجانب تحديداً يجب أن يكون الموقف الجنوبي أكثر صرامة. فالنفط والغاز والموانئ ليست ملكاً لحزب أو مجلس أو قبيلة أو قيادة عسكرية. وإذا كان الجنوبيون يريدون الدفاع عن ثرواتهم، فعليهم أولاً أن يثبتوا أنهم قادرون على إدارتها بشفافية. فلا معنى للقول إن (ثروات الجنوب للجنوبيين) إذا انتهى الأمر إلى توزيعها بين مراكز النفوذ المحلية. وحتى اليوم المجلس هو الذي رفض صراحة استئناف تصدير النفط، ورفض أي ترتيبات تمنح الحوثيين نصيباً من عائدات الموارد الجنوبية. لكن الموقف الأكثر قوة ليس مجرد رفض إعطاء الحوثيين أموال النفط. الموقف الأقوى هو تقديم مشروع جنوبي لإدارة الثروة. صندوق سيادي. حسابات معلنة. رقابة مستقلة. نسبة واضحة للمحافظة المنتجة. نسبة للخدمات العامة. نسبة للأجيال القادمة. وآلية تمنع استخدام عائدات النفط لتمويل الصراعات السياسية والعسكرية. عندها يستطيع الجنوبيون أن يقولوا للمجتمع الدولي والإقليم: نحن لا نريد إهدار ما تبقى من نفط حضرموت وشبوة الذي هو ملك للأجيال القادمة؛ نريد أن تكون الثروة العامة خاضعة لقواعد شفافة وعادلة تضمن ذهاب ايراداته للنهوض بالجنوب. وهذه حجة سياسية أقوى بكثير. سادساً: لا بد من حماية الموانئ والممرات البحرية الجنوب يمتلك ميزة جغرافية لا يمكن تجاهلها. عدن. المكلا. الشحر. بلحاف. سقطرى. وباب المندب. هذه ليست مجرد أسماء جغرافية. إنها جزء من واحدة من أهم المناطق البحرية في العالم. والحوثيون أدركوا هذه الحقيقة مبكراً. فقد تحول البحر الأحمر وباب المندب إلى جزء أساسي من استراتيجيتهم العسكرية والسياسية، بينما أظهرت التطورات البحرية الأخيرة أن تهديد الملاحة لم يعد قضية بعيدة عن الأمن الجنوبي. لذلك ينبغي أن تكون حماية الساحل والموانئ جزءاً من العقيدة الأمنية الجنوبية. لكن حماية الموانئ لا تعني تحويلها إلى قواعد مغلقة أو ملكيات عسكرية. بل يعني بناء قوات خفر سواحل محترفة، ومراقبة بحرية، وقدرات إنذار مبكر، وتعاوناً مع دول المنطقة والمجتمع الدولي. إن أمن عدن والمكلا وبلحاف وباب المندب لا يخدم الجنوب وحده. إنه يخدم التجارة الدولية كلها. وهذه ورقة سياسية واقتصادية هائلة يمكن للجنوبيين استخدامها بطريقة ذكية.
سابعاً: على الجنوبيين أن يخوضوا المعركة السياسية لا العسكرية فقط الخطأ الذي وقع فيه كثير من القوى الجنوبية أنها تعاملت مع القضية باعتبارها قضية عسكرية في المقام الأول. لكن المعركة المقبلة ستكون سياسية بقدر ما هي عسكرية. فالنتيجة النهائية للحرب لن يحددها عدد الصواريخ التي يمتلكها كل طرف فقط. ستحددها أيضاً الطاولة التي سيجلس حولها اليمنيون والإقليم والمجتمع الدولي. ومن يدخل تلك الطاولة منقسماً، سيخرج منها ضعيفاً. ومن يدخلها بمشروع واضح، يستطيع تحويل قوته على الأرض إلى مكاسب سياسية. ولهذا يجب على القوى الجنوبية أن تضع رؤية تفاوضية موحدة. ما شكل الدولة؟ ما حدود صلاحيات المركز؟ ما وضع الجنوب؟ كيف توزع الثروة داخل الجنوب؟ كيف تدار القوات المسلحة؟ ما مصير الموانئ؟ كيف تحمى حقوق حضرموت والمهرة وشبوة؟ وما الضمانات الدولية لأي اتفاق؟ هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُترك للحظة الأخيرة. ثامناً: العلاقة مع الاقليم يجب أن تنتقل من التبعية إلى الشراكة وهذه ربما أكثر القضايا حساسية. الجنوبيون لا يستطيعون الاقليم. لكنهم أيضاً لا يستطيعون بناء مستقبلهم على أساس أن دولة إقليمية ستقاتل بالنيابة عنهم أو ستقرر لهم شكل الدولة المقبلة. لقد أظهرت أحداث الأشهر الماضية أن التحالفات الإقليمية قابلة للتغير بسرعة. فقد انتقلت العلاقة بين القوى المدعومة من الخارج من التعاون إلى الصدام في الجنوب، ثم أعيد ترتيب المشهد بصورة جذرية. ولهذا فإن المصلحة الجنوبية تقتضي التعامل دول الجوار وغيرهما باعتبارهم شركاء إقليميين. ويمكن للجنوب أن يقدم للإقليم شيئاً مهماً: أمن الحدود. أمن الملاحة. مكافحة الإرهاب. حماية الموانئ. استقرار حقول النفط والغاز. ومنع الحوثيين من التمدد نحو الجنوب. لكن مقابل ذلك يجب أن تكون هناك ضمانات سياسية واضحة لحقوق الجنوبيين. تاسعاً: لا ينبغي أن يتحول العداء للحوثي إلى عداء للشماليين هذه نقطة لا بد من التأكيد عليها. الحوثي ليس هو الشمال. والجنوبي الذي يريد استعادة دولته لا يحتاج إلى معاداة أبناء المحافظات الشمالية. هناك ملايين اليمنيين في الشمال لا علاقة لهم بمشروع الحوثيين، وكثير منهم ضحايا لسلطة الجماعة. بل إن الجنوب سيكون بحاجة إلى علاقات طبيعية مع اليمن أياً كان شكل الدولة الذي سينتج عن التسوية. فإذا أصبح المشروع الجنوبي مشروع كراهية جغرافية، فسوف يفقد جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية والأخلاقية. أما إذا قال الجنوبيون: نحن نريد دولة أو كياناً جنوبياً يحمي حقوقنا، ولسنا في حرب مع اليمن، فإنهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب مشروع سياسي، لا أصحاب مشروع انتقامي. وهذه نقطة مهمة جداً أمام المجتمع الدولي. عاشراً: يجب أن يتحول الجنوب إلى نموذج ربما تكون هذه هي الورقة الأقوى التي يمتلكها الجنوبيون. بدلاً من الاكتفاء بالقول إن الجنوب يستحق دولة، عليهم أن يقدموا نموذجاً مصغراً لما يمكن أن تكون عليه هذه الدولة. مدينة آمنة. قضاء مستقل. شرطة محترفة. موانئ تعمل. مطارات منتظمة. خدمات كهرباء ومياه. جامعات فاعلة. إدارة محلية حقيقية. شفافية في النفط. صحافة حرة. ومؤسسات لا تعتمد على الولاء الشخصي. فالجنوبيون لن يقنعوا العالم بأنهم قادرون على إدارة دولة بمجرد رفع العلم. سيُقنعونه عندما يستطيع المواطن الجنوبي أن يقول: إن هذه الأرض تُدار بطريقة أفضل من الماضي. وهذا تحدٍ بالغ الصعوبة، لكنه أكثر أهمية من أي خطاب سياسي. فالجنوب اليوم يعاني انهياراً اقتصادياً وإنسانياً عميقاً؛ وتشير الأمم المتحدة إلى أن من الجنوبيين يحتاجون إلى مساعدات وحماية في 2026، ويواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد. في مثل هذا الوضع، لن يكفي أن تقول للناس: «لدينا قضية عادلة». بل يجب أن تقول لهم أيضاً: لدينا مشروع دولة قادرة على توفير الأمن والخدمة والكرامة. والحل ليس في حرب جنوبية جديدة . من أخطر السيناريوهات التي يمكن أن يقع فيها الجنوبيون أن تتحول مواجهة الحوثي إلى ذريعة لاستئناف صراع جنوبي ـ جنوبي. إذا اندلعت المعركة بين القوى الجنوبية حول من يسيطر على عدن أو حضرموت أو شبوة، فإن الحوثي لن يحتاج إلى إطلاق صاروخ واحد. سيكون قد حقق هدفه. ولهذا فإن الأولوية يجب أن تكون منع أي اقتتال جنوبي. الخلافات السياسية يجب أن تنتقل إلى المؤسسات. والخلاف حول حضرموت يجب أن يعالج بالحوار الحضرمي ـ الجنوبي. والخلاف حول الموارد يجب أن يعالج بالقانون والشفافية. والخلاف حول شكل الدولة الجنوبية يجب أن يحسم عبر تفاوض سياسي واستفتاء أو آلية شرعية يتفق عليها الجنوبيون والمجتمع الدولي. أما السلاح، فيجب أن تكون مهمته الأساسية مواجهة الحوثي وحماية السكان والمنشآت، لا حسم الخلافات السياسية الداخلية. ماذا يستطيع الجنوبيون أن يفعلوا الآن؟ إذا أردنا اختصار كل ما سبق في برنامج عملي، فإن الجنوبيين يستطيعون البدء بستة مسارات متوازية: أولاً: تشكيل إطار سياسي جنوبي واسع يضم القوى السياسية والاجتماعية والقبلية والمدنية، ولا يستثني حضرموت والمهرة أو أي محافظة جنوبية. ثانياً: إعادة تنظيم القوات الجنوبية في منظومة دفاع وأمن مهنية، مع إعطاء الأولوية لمواجهة تمدد الحوثيين جنوبا وحماية المدن والمنشآت والموانئ. ثالثاً: إنشاء آلية جنوبية شفافة لحماية وإدارة الموارد، بحيث لا تستخدم الثروة في تمويل الصراعات الداخلية. رابعاً: بناء استراتيجية أمن بحري لحماية الساحل والموانئ والممرات الدولية، بالتعاون مع الدول الإقليمية والمجتمع الدولي. خامساً: صياغة مشروع سياسي جنوبي واضح، لا يكتفي بشعار «استعادة الدولة»، وإنما يجيب عن شكل الدولة، وعلاقة المحافظات ببعضها، وتوزيع الثروة، ومؤسسات الحكم. سادساً: فتح قنوات تفاوض حقيقية مع الاقليم والمجتمع الدولي، ومع القوى اليمنية ، على أساس أن الجنوب طرف سياسي أصيل، وليس مجرد قوة عسكرية تنتظر ما سيقرره الآخرون. المعركة الحقيقية: ألا يكون الجنوب هو الجائزة في نهاية المطاف، قد لا تكون المشكلة الأساسية هي ما إذا كان الحوثي يستطيع الوصول إلى عدن غداً. ربما لا يحتاج إلى ذلك. الخطر الأكبر هو أن تنتهي الحرب إلى تسوية يحصل فيها الحوثيون على اعتراف سياسي بقوتهم في الشمال، بينما تتحول موارد الجنوب إلى جزء من ترتيبات مالية وسياسية لا يملك الجنوبيون قرارها. وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة من سؤال سقوط مدينة أو بقاء مدينة. من يملك القرار في الثروة والموانئ والموقع الجغرافي؟ إذا ظل الجنوبيون منقسمين، يمكن للآخرين أن يقرروا ذلك نيابة عنهم. أما إذا توحدوا حول مصالحهم الأساسية، وأعادوا بناء قوتهم، وقدموا مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة، فإنهم يستطيعون أن يمنعوا الحوثي من تحويل قوته العسكرية إلى حق دائم في تقرير مستقبل الجنوب. ولذلك فإن مواجهة الحوثي لا تبدأ بالضرورة من الجبهة. قد تبدأ من عدن، ومن المكلا، ومن شبوة، ومن داخل المؤسسات، ومن المصالحة الجنوبية، ومن شفافية النفط، ومن بناء جيش مهني، ومن الاتفاق على ما الذي يريد الجنوبيون حمايته بالضبط. فالجنوب الذي لا يستطيع إدارة خلافاته لن يستطيع إدارة دولته. والجنوب الذي لا يحمي ثروته بشفافية لن يستطيع إقناع العالم بأنه أحق بها. والجنوب الذي ينتظر الآخرين ليحاربوا عنه لن يستطيع أن يفرض قراره السياسي. أما الجنوب الذي يوحد قواه، ويحترم تعدده، ويحمي موارده، ويبني مؤسساته، ويجعل مواجهة الحوثي جزءاً من استراتيجية وطنية لا ذريعة لصراع داخلي، فسوف يمتلك للمرة الأولى أوراقاً حقيقية على طاولة المستقبل. وهنا تحديداً يمكن أن تتغير المعادلة. فالمطلوب ليس أن يدخل الجنوبيون حرباً جديدة من أجل الحرب. المطلوب أن يجعلوا الجنوب عصياً على الحوثي، وعصياً على الابتلاع السياسي، وعصياً على نهب الثروة، وعصياً كذلك على إعادة إنتاج المركزية القديمة. وعندها لن يكون السؤال: هل يستطيع الحوثي أن يصل إلى الجنوب؟ بل سيصبح السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع: هل يستطيع الحوثي، أو أي طرف آخر، أن يقرر مستقبل الجنوب من دون موافقة الجنوبيين؟ إذا كانت الإجابة: لا، فإن الجنوبيين يكونون قد قطعوا نصف الطريق. أما النصف الآخر، فهو أن يحولوا هذه القدرة على الرفض إلى مشروع دولة ومؤسسات واقتصاد وأمن وسياسة. وذلك، في تقديري، هو الرد الجنوبي الأكثر قوة على الحوثي، والأكثر واقعية في مواجهة محاولات الآخرين إعادة إنتاج وضع ما قبل 1990 بأسماء جديدة.
ماذا يستطيع الجنوبيون أن يفعلوا اليوم في مواجهة الحوثي وحماية الجنوب وثرواته؟ سما نيوز.
مشاهدة ماذا يستطيع الجنوبيون أن يفعلوا اليوم في مواجهة الحوثي وحماية الجنوب وثرواته
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ماذا يستطيع الجنوبيون أن يفعلوا اليوم في مواجهة الحوثي وحماية الجنوب وثرواته قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما نيوز ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ماذا يستطيع الجنوبيون أن يفعلوا اليوم في مواجهة الحوثي وحماية الجنوب وثرواته؟.
في الموقع ايضا :