هنا تفقد السياسة منزلتها بوصفها تدبيرًا عقلانيًا للشأن العام، وتتحوّل إلى مسرح واسع تتغير فيه الأدوار والملابس والدّيكورات، بينما يحافظ الممثل نفسه على الغاية ذاتها: الاقترابُ من السّلطة بأي خطاب، وتحصيل الموقع بأيّ راية. لا تكمن المفارقة في اختلاف الشعارات، وإنما تكمن في قدرة أصحابها على حمل المتناقضات بالجدّية نفسها، وعلى مخاطبة كل جمهور باللغة التي تفتح لهُم أبوابه.
ما إن تقترب الانتخابات حتى تستيقظ في بعض السّياسيين حاسةُ الهجرة، فيجمعُ الواحد منهم حقائبه الأيديولوجية الخفيفة، وينفض الغبار عن خطاب جديد، ثم يعبر من حزب إلى آخر بخفة سائح لا يسأله أحد عن جوازه الفكري ولا عن تاريخ إقامته في المبادئ. يدخل الحزب الجديد كما يدخل المرء قاعة انتظار، يبتسم للقيادة، يُثني على المشروع، يعلن اكتشافه المتأخر للحقيقة، ثم يشرح للناس أن انتقاله لم ينبع من “طموحٍ شخصي”، وإنما فرضته عليه “مصلحة الوطن”، تلك العبارة المطاطية التي تتّسع للمصلحة الشخصية والعائلية والانتخابية، وتضيق كلما اقترب منها معنى الالتزام.
يملكُ بعض المترحلين قدرة عجيبة على تغيير القناعات بسرعة تفوق سرعة تغيير اليافطات. ينام أحدهم اشتراكيًا يحاضر في العدالة الاجتماعية، ثم يستيقظ ليبراليًا يُسبِّحُ بحَمْد السوق والمنافسة. يغادر حزبًا محافظًا بعد أن كان يحرس قيَمه، ثم يظهر في تجَمُّع حداثي مدافعًا عن الحرية الفردية. لا يعاني هذا التحول أي مخاض فكري، ولا يسبقه نقدٌ ذاتي، ولا ترافقه مراجعة نظرية. تحدث المعجزة عند إعلان الترشيحات، فيكتشفُ السِّياسي أن ضميره يحمل بطاقة عضوية جديدة، وأن مبادئه القديمة انتهت صلاحيتها مع نهاية الولاية السابقة.
الانتماء السياسي بين الفكرة والمقعد
لاَ يعني الانتماء السّياسي الحقيقي حمل بطاقة ولا ترديدَ شعار، ولا الظّهور خلفَ زعيم في صورة جَماعية. يبدأ الانتماء من اقتناع واعٍ بمنظومةٍ من القيم، ويستمرّ عبر الدفاع عنها في أوقات المكسب والخسارة. يختبر الزمنُ صدق المنتمي حين يفقد موقعه، وحين يخسر حزبه الانتخابات، وحين تختلف رؤيته مع القيادة.
تتحمل الأحزاب جزءًا كبيرًا من المسؤولية حين تستقبل الوافدين الجُدد كما يستقبل ناد رياضي لاعبًا مشهورًا قبل مباراة حاسمة. تبحث عن الاسم القادر على حصد الأصوات، وتتغاضى عن تاريخه وتقلّباته، ثم تمنحه مكانة لم ينلها المناضلون الذين أمضوا سنوات في العمل الميداني. بذلك ترسل القيادة رسالة قاسية إلى أعضائها: الوفاء لا يضمن التقدم، والعمل التنظيمي لا يصنع المكانة، والقدرة على جلب الأصوات تمحو تناقضات الماضي. عندها يفهم الشباب أن أقصر طريق داخل الحزب لا يمرُّ عبر التّكوين والنّضال، وإنمَا يمرُّ عبر النفوذ والمال والشهرة.
لا يقدس الفكر السّياسي المتنور الحزب ولا يحوِّل الزعيم إلى مرجع نهائي. إنه يجعل الحزب أداة لخدمة المجتمع، ويجعل السلطة مسؤولية محددة، ويجعل الاختلاف حقًا، ويجعل النقد شرطًا للاستمرار. كما يربط السياسة بالأخلاق، لأن السياسة التي تفصل نفسها عن الأخلاق تتحوَّلُ إلى فنّ لإدارة المصالح الخاصة تحت لافتة المصلحة العامة. لا تكفي الكفاءة التقنية لصناعة رجل دولة، إذ يحتاج رجل الدولة إلى ذاكرة سياسية، وإلى شجاعة تجعله يرفض المنصب حين يتعارض مع قناعته. لا يمثل الترحال الحزبي مجرد حركة بين مقرين وشعارين، وإنما يعكس ترحالًا داخل الوعي السياسي نفسه. السياسي الذي لا يجد وطنه الفكري داخل حزب، ولا يحمل تصورًا ثابتًا للمجتمع، سيظل يبحث عن مقعد يشبهه: متحرك، مؤقت، قابل للاستبدال. وقد يفوز في الانتخابات مرة، وقد يحصد التصفيق في مهرجان، غير أن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين أتقنوا القفز بين السفن، وإنما يحفظ أسماء الذين حافظوا على البوصلة عندما اضطربَ البحر.
حين تتحوَّلُ السِّياسة إلى سيَّارة أجْرَة
كما تحتاج إلى مواطن يرفض دور المتفرج، وينظر إلى صوته باعتباره عَقدًا سياسيًا لا مجاملة اجتماعية ولا استجابة لخوف عابر أو منفعة قريبة. حين ينمو هذا الوعي، ستفقد الخطابات الموسمية قدرتها على التضليل، وسيدرك المترحّلون أن الذاكرة العامة لا تمحو آثار الخُطوات مهما كثرت اللافتات الجديدة. قد ينجح السياسي في تغيير حزبه، وقد ينجح في تغيير صورته، وقد ينجح في إقناع بعض الناس أن انتقالَه فتحٌ فكريٌّ عظيمٌ، غير أنهُ لنْ ينجح دائمًا في تغيير الحقيقة: من جعل السياسة مهنة من دون مبدأ، سيحمِلُ المنصبَ فترةً، ويحمل اسمه طويلًا عبءَ الفراغ.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
موسم الهجرة إلى الأحزاب Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة موسم الهجرة إلى الأحزاب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ موسم الهجرة إلى الأحزاب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، موسم الهجرة إلى الأحزاب.
في الموقع ايضا :