بقلم: د. حنان سالم (دكتوراة الفلسفة المعاصرة كلية الآداب جامعة العريش)
ثمة مآسٍ تنتهي بانتهاء الحادث، ومآسٍ أخرى تبدأ بعده. حينما يُعلن عن عدد الضحايا والمصابين، وتتكالب الاهالي علي موقع الحادث لينكشف الستار عن هشاشة المصير.
وثمة أحزان لا تكفيها الكلمات، وفراغ لا تملؤه بلاغة اللغة؛ وغياب يترك في الروح ندبات صامتة لا يعوضها الكلام.
حين يصبح الإنسان ضحية لحدث لا يملك دفعه.
وحين يخطف الموت ريعان الشباب ممن لا يبحثون عن مجدٍ ولا عن ترف، فقد خرجوا في الصباح يحملون أبسط أحلام الإنسانية: أن يعودوا إلى بيوتهم سالمين يحملون القليل من الكفاف الذي تحتاجه أسرهم، ويمنح أبناءهم حقهم البسيط في الحياة ..
هكذا تبدو مأساة طريق الدواويس – وصلة مفارق خيري بمركز القصاصين بالإسماعيلية؛ حادثة موجعة أعادت إلى الذاكرة حادثة أخرى لم تندمل جراحها بعد، هي حادثة زهروات الجنة ١٨ فتاة ضحايا الحاجة ولقمة العيش في قرية السنابسة بالمنوفية، فما أشبه الليلة بالبارحة!!
وما أصعب أن تتكرر الفاجعة وأن يختزل الإنسان في رقم أو تعد المأساة حادثًا مروريًا عابرا يطويه النسيان في عداد التاريخ أو يقاس بالمال والتعويضات. وهنا تنكشف أقبح وجوه المسؤولية ـ لو تخلي عنها أصحابها ـ حين تتجرد الحياة الإنسانية من قيمتها الأخلاقية!.
فكل حادثة تترك وراءها أسماءً ووجوهًا وأسرًا وذكريات لا تمحي، وكل بيت وراءه حكاية: آباء وأبناء وأمهات، أسر كاملة خرجوا سعيا للرزق، ذهبوا إلى لقمة العيش، إلى مسؤوليات تنتظرهم في بيوتهم.. إلي أحلام تجول بخيالاتهم، فإذا بالطريق الذي كان وسيلة للوصول أو طوق للنجاة يختصر المسافة بين الحياة والفقد.
وإذا بالبيوت تستيقظ على غياب من كان يحمل عنها بعض أثقال الحياة، وتدني المعيشة، وتكاليف الدراسة وجهاز العروسة وغيرها.. وأسر أخرى تعيش الآن لحظات القلق والخوف على مصابيها.
وهنا تلتقي مأساة الدواويس بمأساة زهروات الجنة؛ ليس لأن الموت يتكرر فحسب، وإنما لأن ذاكرة الإنسان ينبغي ألا تكون قصيرة أمام الألم.
فمهما اختلف المكان، وربما تختلفت التفاصيل، غير أن السؤال واحدًا: إلى متى يظل العامل البسيط يدفع من حياته ثمنًا للبحث عن حياة كريمة؟.
وإلي متي تدفع الأمهات فاتورة الفقد والحرمان؟
وإلي متي نعتاد الكارثة؟.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان أمام الكارثة هو الاعتياد، والانزلاق في ثقافة تطبيع المخاطر؛ وكأن الخطر جزء طبيعي من العمل.
أن يرضي العامل بوسيلة مواصلات غير آدمية، أو يتنازل عن حقه في بيئة عمل آمنة وأقرب إلى محل إقامته، وأن يرضي بالمهانة، فتلك مسؤلية لا يسأل عنها وحده.
وهنا تكمن مأساة الكرامة الإنسانية: حين يتحول الخطر من استثناء إلى أمر معتاد، ويغدو التنازل عن الامان شرطا غير معلن في سبيل العمل.
عندها تصبح الكارثة مسألة وقت لا مسألة احتمال. فالاعتياد على الموت يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية.
وقتها نُلقي بالمسؤولية على كتف القدر، ونربأ بأنفسنا عن مواجهة مسؤوليتنا الأخلاقية والاجتماعية؛ فنحوّل القدر من حقيقةٍ وجودية إلى ذريعةٍ أخلاقية، فبئس الإنسان، وبئست المسؤولية حين يغيب عنها الضمير.
لكن الإيمان بالقدر لا يلغي المسؤولية؛ ولا يعفي أحدا من الأخذ بالأسباب. كما لا يعني إهمال الإنسان. فبين المسؤلية والقدر تقع الكرامة الإنسانية.
فحين تقع الحادثة مع اتخاذ أسباب السلامة والأمان، تكون قدرا قاسيا لكنه يحفظ الكرامة. أما إذا تكررت الحوادث المحفوفة بالمخاطر وتكررت معها الظروف، حينها تصبح سلامة العامل أمرا مؤجلا لضرورات العمل، هنا يبرز السؤال الاخلاقي : هل نحن أمام قدر أو أمام خطر ؟
هل القدر يحرم الإنسانية من حقها في الأمان؟
فكل ما يحدث للانسان قدر محتوم، لايمكن أن نمنعه، لكننا نستطيع أن نمنع كثيرًا من الإهمال، و نطوي كثيرا من النسيان.
نستطيع أن نسأل عن معايير نقل العمال، وعن حالة المركبات، وعن ساعات العمل، وعن الطرق، وعن الرقابة، وعن إجراءات السلامة، وعن كل تفصيل يمكن أن يحول دون تكرار المأساة.
فالمسؤولية الحقيقية تبدأ من إدارة المخاطر قبل أن تتحول إلى خسائر بشرية.
” فإذا كان الموت قدرًا، فإن الوقاية مسؤولية”. وهي هنا ليست إجراءً إداريًا، بل موقفًا أخلاقيًا: يرى في حياة العامل قيمةً لا يجوز المقامرة بها.
إذا كان العمل حقًا لكل إنسان، فإن السلامة في العمل ليست رفاهية.
وإذا كانت لقمة العيش ضرورة، فإن الوصول إليها لا ينبغي أن يكون ثمنه الحياة.
فالرحمة بالضحايا لا تعني فقط أن نبكيهم، وإنما أن نتعلم من رحيلهم. فالإنسان يظل هو الإنسان: يخرج صباحًا وفي قلبه أمل صغير بأن يعود يحمل رزقه إلى بيته، ويطمئن أهله بأنه عاد سالمًا. “فلنمنح هذا الأمل حقه”.
رحم الله من رحلوا في طريق لقمة العيش، ومنَّ على المصابين بالشفاء، وربط على قلوب أسرهم بالصبر والسلوان.
ونحن لا ننعى الراحلين فحسب، ولا نرثي المفقودين وحدهم، وإنما ننعى فيهم شيئًا من الضمير الإنساني حين يعجز عن حماية الإنسان.
ولعل أكثر ما يليق بهم ألا نكتفي بأن نقول: كان قدرًا محتومًا؛ بل كان وجعا ومسؤولية، فهل فعلنا ما كان ينبغي أن نفعله كي لا تقع أو تتكرر المأساة؟.
#.
ظهرت المقالة مأساة الكرامة الإنسانية.. بين المسؤولية والقدر أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة مأساة الكرامة الإنسانية بين المسؤولية والقدر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مأساة الكرامة الإنسانية بين المسؤولية والقدر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مأساة الكرامة الإنسانية.. بين المسؤولية والقدر.
في الموقع ايضا :