جْرِي عْليَّ نَجْرِي عْلِيكْ ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

ليس الجري مجرد حركة عضليّة بريئة، إنه إعلانٌ وجودي: الإنسان لا يزال يجهل ماذا يفعل بنفسه إذا توقّف. كأن السّكون يفضحُه، كأن الجُلوس لحظةً واحدة أمام روحه أخطر عليه من التّعب، ومن العرق، ومن الرّكبتين اللّتين تتآكلان في صمتٍ أخلاقيّ نبيلٍ. كان أسلافُنا يركضون لأن وراءَهم وحشًا، أو أمامهم فريسة، أو لأن الحرب بدأت، أو لأن النّجاة لا تنتظرُ المتأخّرين. في الحضارات القديمة، كان الجري فعلًا مشحونًا بالمعنى: رسولٌ يحمل خبرًا يغيّر مصير مدينة، مُحاربٌ يندفع نحو المجد أو الهلاك، عبدٌ يلهث تحت سلطة لا ترحم. كان للجري ثمنٌ ورهبةٌ وضرورة.

يحملُ الجري في أعماقه أثرًا من ذاكرة النوع البشري؛ فالجسد لا يكفّ عن تذكيرنا بما يتغافل عنه العقل: أننا عشنا طويلًا كائناتِ عُبور، لا كائناتِ إقامة، وسلكنا الطريق قبل أن نطلب الاستقرار. لذلك يجيء الجري مألوفًا على نحوٍ غامض، كأنّه يردّنا إلى إيقاعٍ أقدم من المدن، وأسبق من اللغة المهذّبة، وأعرى من ذلك الوهم الاجتماعي الذي نسمّيه “نمط حياة متوازن”. كانت الحضارات كلها، على اختلاف وجوهها، تجري بشكل أو بآخر وراء الخلود، وراء السلطة، وراء الذَّهب، وراء حدودٍ جديدة للنّفوذ. والإنسان الحديث لم يقطع مع هذا الإرث، ذلك أنه جعله أكثر أناقة فقط. استبدل السيف بسمّاعة لاسلكية، واستبدل صهيل الخيل بقائمة تشغيل تحفيزية، واستبدل سؤال “إلى أين؟” بسؤال أكثر تفاهة لكنه أكثر ربحية: “كم خطوة مشيت اليوم؟” هنا تبلغ المأساة ذروتها: كانت الحضارات القديمة تسعى وهي تظنّ أنها تعرف وجهتها، أمّا الإنسان المعاصر فقد جرّد السَّعي من غايته، ثم رفعَه إلى مرتبة الغَاية نفسها. لم يعُد يعنيه الوُصول بقدر ما يعنيه أن يظلّ ظاهرًا في هيْئة المتحرّك؛ كأن الحركة هي التي تمنحه وهْمَ الشّرعية والحياة.

أجْري إذن أنا قَلق

أن تتعب لتشعر أنك تستحقّ الرّاحة، أن تتحرّك لتقنع نفسك أنك لا تضيع، أن تلهث لتؤجِّل سماع السُّؤال الأقدم والأبْشع: وماذا بعد؟ لذلك يبدو العدَّاء المعاصر كاهنًا مدنيًا لِدِينِ السُّرعة. يعدّ أنفاسه كما كان القدماء يعدّون صلواتهم، ويؤمن بالأرقام كما آمن غيره بالنّجوم، ويثق أن الخلاص، أو بعضه، قد يكمن في كيلومتر إضافي. وهو لا يدري أن المعضلة لم تكن يومًا في بطء القَدَم، وإنما في تِيه الوِجْهة. ورُبّما لهذا كلّه يظلّ الجَري مشهدًا إنسانيًا عظيمًا ومُضحكًا في آنٍ واحد: عظيمًا لأنه يكشف إصرار الإنسان المذهل على مقاومة التلاشي، ومضحكًا لأنه يفعل ذلك غالبًا دون أن يعرف إلى أين يمضي.

في هذا المثل تكمن خبرة شعبية حادّة بطبيعة النّفس البشرية التي تملّ المتاح، وترغب في الممتنع، وتستيقظ فيها الرغبة كلما شعرت أن سلطتها مُهددّة. فالذي “يجري عليك” يمنحك، دون أن يقصد، شعورًا بالتفوق الرمزي: أنتَ المطلوب، إذن أنت الأعلى موقعًا في ميزان التَّعلُّق. لكن ما إن تتوقف المطاردة حتى يختل هذا الميزان، ويبدأ القلق: كيف انسحب؟ لماذا لم يعُد يطلب؟ هل فقدتُ قيمتي؟ هنا ينقلب المشهد، ويبدأ الجريُ المعاكس. يفضح هذا المثلُ، إذن، كثيرًا من العلاقات التي لا تُبنى على المحبة بقدر ما تُبنى على اللُّعبة: لعبة الأخذ والرّد، القُرب والانسحاب، الإقبال والتَّمنُّع. بهذا المعنى، يبدو الإنسان كائنًا لا يطمئن بسهولة إلى ما يملكه؛ يحتاج دائمًا إلى تهديدٍ خَفِيّ بالخسارة؛ وهذا ليس نُضجًا عاطفيًا، إنه شكل مهذب من أشكال الفوضى الداخلية. نرغب فيمن لا يلتفت إلينا، ونزهد أحيانًا فيمن يفرط في الالتفات، لا لأنَّنا أشرار بالضرورة، وإنما لأن كيْنونتنا تريد أيضًا أن تشعر أن هذا الحبّ ليس مضمونًا بالكامل، لأن الضمان الكامل يطفئ التّوتر الذي تتغذَّى منه الرغبة.

إنه منطق العصر كلّه: القيمة لا تُنتجها الحقيقة، يُنتجها الانْسحاب المدروس. الشيء لا يصبح مرغوبًا لأنه جيّد، وإنما لأنه لا يقدّم نفسه بسهولة. من هنا تتحول العلاقات الإنسانية إلى سُوق رمزية، حيث النّدرة تساوي الهيْبة، والتَّمنع يرفع السّعر، والجَريُ وراءكَ قد لا يدلُّ على الحب بقدر ما يدل على اختلال ميزان القوى. يمكن الذهاب أبعد من ذلك: “جْري عليّ نجْري عليك” ليس وصفًا للتّقلب العاطفي، إنه نقدٌ مُبطَّن لغياب الصّدق، لأن العلاقة السّليمة لا تقوم على من يجري أوّلًا ومن ينسحبُ أولًا، ولا على توزيع الأدوار بين صائد وفريسة، وإنّما على حُضور مُتوازن لا يحتاج إلى هذه المسرحية القَديمة.

الجَرْيُ الأبَدي نحوَ الاعْتراف

لنتأملْ؛ وإلى حديث آخر.

جْرِي عْليَّ نَجْرِي عْلِيكْ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة ج ر ي ع لي ن ج ر ي ع ل يك

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ج ر ي ع لي ن ج ر ي ع ل يك قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، جْرِي عْليَّ نَجْرِي عْلِيكْ.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار