كَأنَّهُ خَرَجَ قليلاً مِنَ الغُرْفَة .. محمود درويش بَعْدَ ثَمَانية عشَرَ عاماً: غِيابٌ لا يَكْتَمِل !
رحَلَ محمود درويش في التاسع من غشت سنة 2008. رَحَل الجسدُ في مدينةٍ بعيدَة، وبَقِيَ الصوتُ قريباً. كانتِ السّنواتُ تمْضِي، وكانَ هُو يقْتَرِب. تَتَغَيَّرُ الوجُوهُ والخرائطُ واللُّغةُ اليومية، ويَظَلُّ صَوْتُهُ مُحتفِظاً بِنْبَرَتِه؛ حزِيناً مِنْ غَيْرِ انكسارٍ، ودافِئاً مِنْ غير طُمأنِينةٍ زائِفَة. كأنّ القصيدةَ وُجِدتْ كَيْ تَمْنَحَ الغائِبَ حياةً لا يَطالُها الغيابُ، وكأنَّ الشاعرَ يهْمِسُ مِنَ الجهةِ الأُخْرَى: “لَسْتُ أنَا مَن غابْ”، فمَا غابَ إلّا الجسَدُ.
دخَلَ إلَى الشعْرِ مِنْ بابِ فلسطينَ، وتجاوَزَ عتبَةَ الشعارِ منْذُ وقْتٍ مبكِّرٍ. حمَلَ فلسطينَ إلَى اللغَةِ، ومنهَا مضَى باللغَةِ إلَى الإنسانِ. لذلِكَ اتّسعَتْ فلسطينُ فِي شعرِهِ عَنْ حدودِ الخريطَةِ؛ صارَتْ وطناً مِنَ التفاصيلِ الصغيرَةِ: طفولَةً بعيدَةً، ونافذَةً تطِلُّ علَى مَا لَمْ يعُدْ موجوداً، ورائحَةَ خبْزٍ تتقدَّمُ علَى المعانِي الكُبرَى، وشجرَةً تحفَظُ مَا نسيَهُ “العابرونَ”، وَ”حصاناً وحيداً” ينتظِرُ مَنْ غادَروا، ومِفتاحاً يتشبَّثُ بيَدِ صاحبِهِ بعْدَ اختفاءِ البابِ. يكفِي أَنْ يقولَ: “أنَا مِنْ هناكَ. ولِي ذكرياتٌ”، فيغدُو المكانُ ذاكرَةً، وتغدُو الذاكرَةُ دليلاً علَى أَنَّ الاقتلاعَ لَمْ يكتمِلْ.
وصانَ درويش، بوصفِهِ شاعراً كبيراً، الصّلَةَ الدقيقَةَ بيْنَ القضيَّةِ والشعْرِ؛ فالقضيَّةُ حاضرَةٌ فِي عمْقِ القصيدَةِ، مِنْ غيْرِ أَنْ تُصادِرَ حريّتهَا. وحافَظَ علَى المسافَةِ بيْنَ الالتزامِ والحريَّةِ، وبيْنَ التاريخِ والجمالِ، وبيْنَ صَوْتِ الجَماعَةِ وارتعاشِ الفرْدِ. عرَفَ أَنَّ القصيدَةَ لَا تخدُمُ الحقيقَةَ حينَ تُكرِّرُهَا؛ تخدُمهَا حينَ تُعيدُ خلقهَا، وتُنقذهَا مِنَ البلاغَةِ المستهلكَةِ. لذلِكَ ظَلَّ شعرُهُ يتحوَّلُ، مُغادراً كُلَّ صورَةٍ تكادُ تستقِرُّ حولَهُ، ومُتَخَفِّفاً مِنَ اللقَبِ الذِي التصَقَ بِهِ طويلاً. سُمِّيَ شاعِرَ المقاومَةِ، وأدرَكَ أَنَّ المُقاومَةَ نفسهَا تحتاجُ إلَى لغَةٍ تقاوِمُ التكرارَ؛ فاللغَةُ التِي تَتَوقَّفُ عَنْ مراجعَةِ ذاتهَا تتحوَّلُ إلَى عادَةٍ، والعادَةُ عدُوُّ الشعْرِ. وكانَ يقولُ: “أمشِي أمامِي علَى إيقاعِ أغنيتِي”، مُتَقَدِّماً علَى صورتِهِ السابقَةِ.
إلَى جوارِ الوطَنِ، دخلَتِ الذاتُ بكُلِّ هشاشتهَا، ودخَلَ الزمَنُ بثقلِهِ، والجسَدُ بخوفِهِ مِنَ المرَضِ والزوالِ، وصارَ الموْتُ جليساً دائماً للنَّصِّ. وظلَّتِ القصيدَةُ، مَعَ ذلِكَ، بعيدَةً عَنِ الكآبَةِ. أضاءَ الحزْنُ مِنَ الداخِلِ، واحتشمَتِ المأساةُ، وتراجَعَ اليأْسُ أمامَ زهرَةٍ، أَوِ امرأَةٍ، أَوْ فنجانِ قهوَةٍ، أَوْ صباحٍ عابِرٍ يذكرنَا بأَنَّ “علَى هذِهِ الأرْضِ مَا يستحِقُّ الحياةَ”.
خشِيَ درويشٌ الموْتَ، وكتَبَ خوفَهُ بصدْقٍ، مِنْ موقِعِ مَنْ يحدِّقُ فِي مصيرِهِ ولَا يستسلِمُ لَهُ. اقترَبَ منْهُ باللغَةِ؛ اختبرَهُ، وحاورَهُ، وسلبَهُ شيئاً مِنْ سُلطتِهِ. فالقصيدَةُ عنْدَ محمودٍ تحديقٌ طويلٌ فِي الفناءِ، يظَلُّ فيهِ صوْتُ الحياةِ مسموعاً. ومَعَ ذلِكَ ظَلَّ يواجهُهُ بيقينِ مَنْ يقولُ: “سأصيرُ يوماً مَا أريدُ”. ففِي “جداريَّةٍ”، يقِفُ الشاعِرُ أمامَ العدَمِ عارياً مِنْ كُلِّ شيْءٍ تقريباً، وفِي يدِهِ الكلماتُ وحدهَا، عارفاً أنّهَا، أحياناً، أكثَرُ عناداً مِنَ الفناءِ. كانَ أكثَرَ حكمَةً مِنِ ادعاءِ الانتصارِ علَى الموْتِ، وقَدْ خاطبَهُ مَعَ ذلِكَ: “هزمَتْكَ يَا موْتُ الفنونُ جميعهَا”. أرادَ أثراً، لَا ضجيجاً؛ أثراً خَفِيفاً يستقِرُّ فِي الروحِ بعْدَ انطفاءِ المشهَدِ؛ فَـ”أثَرُ الفراشَةِ لَا يرَى”، وَ”أثَرُ الفراشَةِ لَا يزولُ”.
وهنَا تكمُنُ قوتُهُ. كتَبَ الأسئلَةَ أكثَرَ ممَّا طارَدَ الأجوبَةَ النهائيَّةَ. ومَنْ يكتُبُ السؤالَ الحقيقِيَّ لَا يشيخُ سريعاً؛ فالأجوبَةُ تتغيَّرُ، ويبقَى السؤالُ العميقُ مفتوحاً ومؤلماً. مَنْ نحْنُ حينَ نفقِدُ المكانَ؟ ماذَا يبقَى مِنَ البيْتِ حينَ يصيرُ ذكرَى؟ هَلْ تستطيعُ اللغَةُ أَنْ تعوِّضَ الأرْضَ؟ وهَلْ يعودُ المنفِيُّ حقّاً حينَ يعودُ، أَمْ يجِدُ مكاناً آخَرَ يحمِلُ الاسْمَ نفسَهُ؟ خرجَتْ هذِهِ الأسئلَةُ مِنْ جرْحٍ شخصِيٍّ، مِنْ حياةٍ انتقلَتْ بيْنَ قرَىً ومدُنٍ ومنافٍ، ومِنْ شعورٍ بأَنَّ العالَمَ يمنَحُ الشاعِرَ مكاناً مؤقتاً، ثُمَّ يطلُبُ منْهُ أَنْ يغادِرَهُ قبْلَ أَنْ يطمئِنَّ.
لهذَا قاوَمَ الصورَةَ الجاهزَةَ عَنْ نفسِهِ. خشِيَ أَنْ يصيرَ رمزاً صامتاً أَوْ تمثالاً قوميّاً بارداً؛ فالأيقونَةُ ترفَعُ الشاعِرَ عالياً، ثُمَّ تمنَعُ الناسَ مِنْ رؤيَةِ إنسانِيتهِ. وقَدْ ظَلَّ إلَى آخِرِ حياتِهِ يصِرُّ علَى حقِّهِ فِي أَنْ يكونَ شاعراً، لَا ناطقاً رسميّاً باسْمِ الألَمِ، ولَا حارساً لعباراتٍ قيلَتْ وانتهَتْ. وكلّمَا عُدْتُ إلَى مراحِلِ تجربتِهِ، بدَا لِي أَنَّ أشَدَّ مَا دافَعَ عنْهُ هُوَ حقُّهُ فِي التحوُّلِ: أَنْ يخطِئَ ويجرِّبَ ويغيِّرَ لُغتَهُ. وكانَتِ الحروفُ تدعوهُ، فِي كُلِّ منعطَفٍ: “اكتُبْ تكُنْ. واقرَأْ تجِدْ”.
عرَفَ أَنَّ اللغَةَ لَا تعيدُ الأرْضَ، وأَنَّ ضياعهَا فقْدٌ آخَرُ للأرْضِ؛ لذلِكَ تشبَّثَ بالعربيَّةِ، لَا بوصفهَا ميراثاً مغلقاً، ولكِنْ مادَّةً حيَّةً يصقلهَا، ويعيدُ تركيبهَا، ويوقِظُ القديمَ فيهَا. استدعَى الأُسطورَةَ والتّاريخَ والنُّصوصَ الكُبرَى دُونَ أَنْ يَجعلهَا مَعرِضاً لثقافَتِهِ. كانَ يبحَثُ عَنْ نَسَبٍ أوسَعَ للقصيدَةِ، وعَنْ ذاكرَةٍ تتجاوَزُ الفرْدَ، وعَنْ صوْتٍ يلتقِي فيهِ الشخصِيُّ بالجماعِيِّ، والمحلِّيُّ بالكونِيِّ. تبدُو عِبارتُهُ بَسيطَةً، ويقومُ خلْفَ خِفَّتِهَا بناءٌ شديدُ الدقَّةِ ووعْيٌ حادٌّ بالإيقاعِ. كانَ يعرِفُ متَى ترتفِعُ الجملَةُ، ومتَى تنكسِرُ، ومتَى تضيءُ الصورَةُ، ومتَى تنسحِبُ لتترُكَ للبياضِ أَنْ يتكلَّمَ.
لذلِكَ منَحَ الفلسطينِيَّ حقَّهُ فِي الجمالِ والحُبِّ والتأمُّلِ والخطَإِ والحياةِ العاديَّةِ. جعَلَ الإنسانَ أَكْبَرَ مِنْ مأساتِهِ، وتلْكَ واحدَةٌ مِنْ أعظَمِ مُنجزاتِهِ. فالقضيَّةُ العادلَةُ قَدْ تتحوَّلُ، فِي الخطابِ الرّديءِ، إلَى كَلماتٍ ميّتَةٍ؛ أمَّا درويش فأعادَ إليهَا نبضهَا. قدَّمَ الفلسطينِيَّ إنساناً يخافُ ويُحِبُّ ويتعَبُ ويحلُمُ، فأنقذَهُ مِنَ التجريدِ. وكانَ يطلُبُ فهماً يبْقَى بعْدَ انقضاءِ التعاطُفِ.
وفِي سنَةِ 2026، تبدُو حاجَتُنَا إلَى محمودٍ درويشٍ أشَدَّ مِنْ أَيِّ وقْتٍ قريبٍ. نَحتاجُهُ حينَ يُدفَعُ الفلسطينِيُّ إلَى مِساحاتٍ أضيَقَ، وحينَ يَضيقُ البيْتُ حتَّى يَصيرَ خيمَةً، ثُمَّ تَضيقُ الخيمَةُ حتَّى لَا تجِدَ فِي الجغرافيَا مَوْضِعاً آمناً. نحتاجُ لُغتَهُ حينَ تتحوَّلُ الضحايَا إلَى أرقامٍ، والجُوعُ إلَى خبَرٍ، والاقتلاعُ إلَى تفصيلٍ عابِرٍ فِي نَشراتِ المساءِ؛ كَيْ تُعيدَ إلَى الإنسانِ اسمَهُ ووجهَهُ وذاكرتَهُ، وتُذَكِّرَنَا بأَنَّ حِفْظَ الحِكايَةِ وصَوْنَ المعنَى مِنْ أشكالِ مُقاومَةِ المَحْوِ. وفِي أشَدِّ الأزمنَةِ قَسْوَةً، يَفْعَلُ المحاصرونَ مَا سمّاهُ: “نربِّي الأمَلَ”، ونسمَعُ وصيتَهُ: “فاخترِعْ أملاً للكلامِ”.
فِي كُلِّ خَرابٍ جَديدٍ يعودُ صَوْتُهُ، لَا لِيَمْنَحنَا عزاءً سهلاً، ولكِنْ لِيَحفَظَ للضحيَّةِ اسمهَا ووجههَا وحُلمهَا الصغيرَ بحياةٍ عاديَّةٍ. يَعودُ ليقولَ إِنَّ الفاجعَةَ ليسَتْ خَبراً عابراً، وإِنَّ البيْتَ ليْسَ حجارَةً فقَط، وإِنَّ قتْلَ المكانِ قتْلٌ لجزْءٍ مِنْ ذاكرَةِ ساكنيهِ. ويمنَحُ الألَمَ لُغَةً لَا تَسْتَغِلُّهُ ولَا تَبْتَذِلُهُ، بَلْ تصغِي إليْهِ بوقارٍ.
كانَ درويشٌ رَفيقاً لِقُرّائِهِ، يَكتُبُ مِنْ هَشَاشتِهِ وشَكِّهِ وارتِباكِهِ؛ لهذَا صَدّقْناهُ. فالقَصيدَةُ التِي تَدَّعِي القُوَّةَ دائماً لَا تُشبِهُ الإنسانَ، أمَّا قَصيدَتُهُ فكانَتْ تَعرِفُ ضَعْفهَا، وتَعرِفُ أَنَّ اليقينَ الكامِلَ شكْلٌ آخَرُ مِنَ العَمَى. وكانَ ضعفهَا الواعِي سِرَّ قُوّتِهَا، وقُرْبِهَا مِنْ جِراحنَا سِرَّ بقائهَا.
فِي ذكرَى رحيلِهِ، لَا نَحتاجُ إلَى مَزيدٍ مِنَ التّمجِيدِ؛ فقَدْ تجاوَزَهُ. نَحتاجُ إلَى قِراءَتِهِ مِنْ جديدٍ، بعيداً عَنِ الاقتباساتِ المَبْتُورَةِ والصُّورَةِ المَدْرسيَّةِ الجاهزَةِ. نَحتاجُ إلَى اكتشافِ الشاعِرِ القلِقِ، والمُثقَّفِ الصّارِمِ، والصّانِعِ الماهِرِ، والإنسانِ الذِي كانَ يَخافُ المرَضَ والموْتَ والوَحدَةَ. ونحتاجُ إلَى قراءَةِ تَحَوُّلِهِ؛ فشِعرُهُ لَمْ يكُنْ مَساراً مستقيماً، كانَ مُراجعَةً دائمَةً للذاتِ، وخُروجاً متكرراً مِنْ نجاحٍ سابِقٍ نَحْوَ مجهولٍ جديدٍ.
ذلِكَ مَا أبقاهُ حيّاً. بَقِيَ لأنَّهُ كتَبَ فلسطينَ شِعراً، ولأنَّهُ لَمْ يتوقَّفْ عندهَا موضُوعاً مُغْلقاً. مَضَى نحْوَ الإنسانِ والحُبِّ والموْتِ وسُؤالِ الهويَّةِ والحَيرَةِ التِي تَسْبِقُ المعنَى. لَمْ يمنَحْ قارئَهُ راحَةَ الإجابَةِ الأخيرَةِ؛ تركَهُ فِي مِنطقَةٍ خِصبَةٍ مِنَ الشَّكِّ، حيْثُ يَصيرُ الشِّعْرُ طريقَةً أخرَى لفهْمِ العالَمِ، لَا تفسيراً نِهائيّاً لَهُ.
كأنَّهُ خرَجَ قليلاً مِنَ الغُرفَةِ، وترَكَ كلماتِهِ تَتَحدَّثُ نيابَةً عنْهُ. وأَحسبُ أَنَّ هذِهِ أجمَلُ صوَرِ انتصارِ الشعْرِ: أَنْ يعجِزَ عَنْ إعادَةِ الموتَى، ويَقدِرَ علَى حِمايتهِمْ مِنَ الغِيابِ التامِّ؛ فيمنحهُمْ حياةً أقَلَّ جَسداً وأكثَرَ اتّسَاعاً، تتَجدَّدُ مَعَ كُلِّ قراءَةٍ. ويُشارِكُ فِي صنعهَا كُلُّ قارِئٍ يجِدُ فِي القصيدَةِ مَا لَمْ يجدْهُ قارِئٌ قبلَهُ.
يَعيشُ محمودٌ درويشٌ هذِهِ الحياةَ الآنَ: فِي لغتنَا، وذاكِرتِنَا، وخَوْفِنَا مِنَ المنفَى، وإصرارنَا علَى الجَمالِ؛ ويعيشُ كُلّمَا دافَعَ إنسانٌ عَنْ حقِّهِ فِي اسْمٍ وبيْتٍ وصَباحٍ عادِيٍّ.
غِيابٌ لا يَكْتَمِل! Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة غ ياب لا ي ك ت م ل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ غ ياب لا ي ك ت م ل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، غِيابٌ لا يَكْتَمِل!.
في الموقع ايضا :