تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 22: القيادة والمساءلة بين المكاسب والمخاطر ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (اليوم 24) -

في صميم التحول التربوي الذي ينشده المغرب من أجل تحقيق نهضة تنموية مستدامة وشاملة، تبرز مسألة القيادة المدرسية والمساءلة. كيف تقدم الهياكل التربوية حساب أدائها؟ وكيف يتم تنفيذ دورة ضبط المنظومة لأداء مهامها على أحسن حال، انطلاقا من مرحلة التخطيط،مرورا بمرحلة التنفيذ، وانتهاء بمرحلتي التقييم والتحسين؟

يطرح المعيار 11.2 من تقييم المنظومة التربوية هذا المطلب الأساسي: يجب على الهياكل التربوية تقديم حساب أدائها على جميع مستويات المسؤولية، ويجب أن يقوم الضبط على دورة منظمة مكتملة الأركان. يكشف تقييم هذا المعيار عن حصيلة دقيقة: تم إحراز تقدم حقيقي خلال عشرية الإصلاح هذا لا مراء فيه، لكن ثمة ثغرات بنيوية تعيق التشغيل الكامل لدورة الضبط. كما أن العلاقة بين المساءلة القائمة على الأداء وجودة التعليم ليست تلقائية، وهناك مخاطر كبرى تهدد تطبيقا صارما للمساءلة.

مكاسب المغرب في مجال القيادة والمساءلة

يعترف تقرير اليونسكو لسنة 2025، الذي اعتمد على استطلاع في 300 مدرسة ابتدائية، أن المغرب يحقق نتائج جيدة نسبيا في مجال التعاقد بين مستويات المسؤولية من أجل تحقيق أهداف معينة. فالمملكة هي إحدى الدولتين الإفريقيتين الوحيدتين، إلى جانب زمبابوي، حيث تعمل السلطات التربوية المحلية بأهداف تعلم واضحة وقابلة للقياس وعقود أداء رسمية مع المدارس. ويتيح النظام الرقمي « مسار » للمديرين متابعة بيانات التلاميذ ومراقبة الأداء ومقارنة النتائج في الوقت الفعلي. ويشكل المشروع المندمج للمؤسسة أداة للتخطيط والتتبع رغم عدم تعميمه على جميع المؤسسات. وتتم عملية انتقاء المديرين بإجراءات صارمة: امتحان كتابي يليه سنتان من التكوين الأساس، تم التراجع عنها للاكتفاء بسنة واحدة فقط.

ويشكل برنامج المدارس الرائدة، الذي أطلق في 2023، تقدما ملموسا على مستوى التحكم في التعلمات الأساس وذلك بفضل الدعم التربوي المكثف الموجه للتلامذة المتعثرين، غير أن هذا التقدم يفتقد إلى الاستدامة رغم اعتماد تقنية التدريس الصريح التي نفى التقييم الذي قام به المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أي أثر لها في ذلك. ويرتكز هذا النجاح النسبي على قيادة منظمة: 81 بالمائة من مديري المدارس الرائدة يقومون بزيارات صفية أسبوعية، مقابل 51.4 بالمائة في المدارس غير الرائدة. تستفيد المدارس الرائدة من مرافقة أكثر تنظيما ومتابعة منتظمة من طرف المفتشين التربويين، الذين يتابعون تقدم التلاميذ عبر اختبارات التموقع، والتجميع حسب مستوى التعلم، وتوفير آليات الدعم والاستدراك.

مساءلة الأساتذة بين المراقبة والمواكبة

يعتمد تقييم الأساتذة في المغرب على آليتين رئيسيتين: التفتيش التربوي والامتحان المهني. يجب على الأساتذة الخضوع لزيارة تفتيش وامتحان مهني للترقية. يقوم المفتشون التربويون بزيارات التفتيش، حيث يراقبون الممارسات الصفية ويقيمون المطابقة للتوجيهات الوزارية. ويساهم مدير المدرسة في تقييم الأساتذة وفق خمسة معايير: (1) تنفيذ المهام المرتبطة بالوظيفة، (2) الأداء، (3) السلوك المهني، (4) القدرة التنظيمية، و(5) البحث والابتكار. تحدد نتائج التقييم الترقية في المسار المهني، والعقوبات التأديبية، واحتياجات التكوين المستمر.

غير أن تقرير اليونسكو لسنة 2025 يشير إلى عدة ثغرات لا تزال قائمة. فالمعطيات حول غياب الأساتذة غير موثوقة، مما يحد من القدرة على معاقبة أو تصحيح السلوكيات غير المناسبة. وربع أساتذة الابتدائي لا يتوفرون على دليل بيداغوجي، مما يشير إلى نقص في دعم التدريس.

مساءلة المفتشين رافعة يجب تعزيزها

يتم تقييم المفتشين التربويين من طرف الرئيس المباشر الذي قد يكون حسب موقع المفتش مفتشا عاما أو مدير أكاديمية أو مديرا إقليميا. يركز تقييمهم على جودة زيارات التفتيش والتقارير المنتجة، وفعالية مرافقة الأساتذة، والمساهمة في تحسين التعلمات، والمطابقة للتوجيهات الوزارية. تحدد النتائج الترقية والعقوبات التأديبية والانتقالات.

غير أن عدة عقبات كبرى لا تزال قائمة. تكشف المقابلات التي أجرتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية سنة 2024 أن المفتش الواحد يؤطر في المتوسط 315 أستاذا، وهي نسبة تجعل المرافقة الفردية والجيدة شبه مستحيلة. وتشير المنظمة أيضا إلى أن التفتيش يظل مركزا على المطابقة الإدارية أكثر من تقييم الممارسات البيداغوجية. ويؤكد المجلس الأعلى للتربية (2021) أن تقارير التفتيش نادرا ما تستغل لأغراض التحسين. هذه الثقافة الرقابية، التي تقاوم التغيير، تحد من أثر التفتيش على تحسين الممارسات. وتعكس التوترات المتكررة داخل هيئة التفتيش،

لكن أزمة المفتشين تخفي تناقضا وظيفيا أساسيا : وظيفة المفتش هي في آن واحد المواكبة (مهمة قرب ودعم وبناء ثقة) والتقييم (مهمة مراقبة وقياس نتائج وجزاء). هذا الالتباس، الذي يمكن تصنيفه بمثابةـ انفصام وظيفي حاد، يولد تواطؤا بيداغوجيا متبادلا : الأستاذ يشوه ممارسته لنيل الرضا، والمفتش يجمل تقاريره لإثبات فعالية مرافقته. للخروج من هذا المأزق، نقترح ناج فصلا وظيفيا واضحا بين مفتش المواكبة، الذي ينبغي أن يتبع للتفتيش العام، ودوره بناء علاقة ثقة مع الأساتذة ومساعدتهم على التقدم. ومفتش التقييم، الذي ينبغي أن يتبع لهيئة وطنية مستقلة ذات طابع تقريري، ودوره تقييم أداء المنظومة بشكل موضوعي ومحايد. هذا الفصل يحرر المفتش من « عقدة الذنب » المهنية ويمنحه « المسافة النقدية الضرورية » للتقييم دون تواطؤ. وهو يتلاءم مع أحكام القانون الإطار 17-51، الذي ميزت مادته 54 بين التقييم الداخلي والخارجي.

المساءلة السياسية: مطلب دستوري لا يزال غير مكتمل

المساءلة السياسية منصوص عليها في دستور المغرب لسنة 2011، الذي كرس مبدأ الارتباط بين المسؤولية والمحاسبة. وتنص المادة 54 من القانون الإطار 17-51 على أن التقييم الخارجي للمنظومة التربوية من اختصاص المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. لكن المجلس الأعلى هيئة استشارية: فآراؤه وتوصياته غير ملزمة للحكومة. يمكنه التقييم والتنبيه والتوصية، لكن لا يمكنه فرض إجراءات تصحيحية. هذا الوضع يعرقل عملية المساءلة السياسية للفاعل الحكومي خاصة في المحطات الانتخابية وفي جلسات المساءلة أمام البرلمان. كما أن الشفافية لا تصل إلى مداها فرغم أن تقارير المجلس تنشر بشكل ممنهج، إلا أن تعطيل المادة 5 من القانون المنظم له التي تلزمه بتقديم تقرير عن حصيلة وآفاق عمله كل سنة على الأقل، ويكون موضوع مناقشة أمام البرلمان، يحرم المواطنين من فرصة أساسية لممارسة رقابة ديمقراطية.

المساءلة القائمة على الأداء وجودة التعليم: تنبيه حاسم

يقدم تقرير الرصد العالمي للتعليم 2017/2018 لليونسكو إضاءة حاسمة حول هذه العلاقة. فهو يؤكد أن الإلزام بتقديم الحساب القائم على الأداء لا يحسن بالضرورة جودة التعليم. ووفقا لاستطلاع شمل 101 نظاما تعليميا، تنشر 51 منها نتائج الامتحانات، ويستخدم 17 منها هذه النتائج للمعاقبة أو المكافأة. قد تخلف هذه الآليات آثارا سلبية من بينها إعادة تشكيل مجموعات الامتحان، تخفيف البرامج، الاقتصار على التحضير للامتحانات، والغش. وبالتالي، قد تؤدي المساءلة القائمة على الأداء إلى سلوكيات انتهازية تضر بالجودة الحقيقية للتعليم.

ويشير التقرير إلى أنه « لن تنجح أي مقاربة للمساءلة بدون بيئة مواتية توفر للفاعلين الموارد والقدرات والتحفيز والمعلومات اللازمة ». يجب أن تركز المساءلة على بناء أنظمة تعليمية أكثر شمولا وإنصافا وجودة، بدلا من البحث عن كبش فداء.

في المدارس الرائدة، قد يؤدي التركيز على نتائج الاختبارات إلى التدريس للاختبار، أو التلاعب بالمعطيات، أو استبعاد التلاميذ في صعوبة، أو ضغطا مفرطا على الأساتذة. وقد يؤدي الخوف من العقوبات إلى إجهاد مهني وانخفاض في التحفيز. ويحذر تقرير اليونسكو 2017/2018: « في الأنظمة التي تنعدم فيها الثقة، يكون الإصلاح التعليمي عرضة لأن يكون بطيئا وسطحيا ». لتجنب هذه المخاطر، يجب أن تصاحب المساءلة قيادة تربوية قوية، وبيئة مواتية، وثقافة ثقة.

تحليل المؤشرات الثلاثة

المؤشر 11.2.1 – نسبة إنتاج واستخدام تقارير الأداء في إطار سلسلة المساءلة

يقيس هذا المؤشر نسبة الهياكل التربوية التي تنتج تقارير أداء وتستخدمها في إطار سلسلة مساءلة. يمتلك المغرب أدوات مساءلة (عقود الأداء، مسار، مشروع المؤسسة المندمج). لكن المعطيات حول التعلمات المبكرة ضعيفة، والشفافية محدودة، وعواقب الأداء نادرة. وتعاني مساءلة الأساتذة من ثقافة مراقبة ونسبة غير كافية من المفتشين. وتضعف المساءلة السياسية بالطابع الاستشاري للمجلس الأعلى. الحكم: المؤشر غير محقق.

المؤشر 11.2.2 – نسبة تنفيذ إجراءات التحسين الصادرة عن تقييمات الأداء

يقيس هذا المؤشر نسبة إجراءات التحسين التي تم تنفيذها فعليا عقب تقييمات الأداء. تظهر المدارس الرائدة نتائج واعدة، لكن الأعباء الإدارية ساحقة: 41 بالمائة من وقت المديرين مخصص للإداري، و63 بالمائة يعتبرون أن الإداري يطغى على التعلم. 40 بالمائة فقط من المديرين يعقدون اجتماعات شهرية منتظمة مع الأساتذة. وربع الأساتذة لا يتوفرون على دليل بيداغوجي. نسبة تنفيذ التدابير الموصى بها هي 18 بالمائة حسب المجلس الأعلى للحسابات. خطر المساءلة المفرطة القائمة على الأداء حقيقي ويمكن أن يؤدي إلى آثار سلبية. الحكم: المؤشر غير محقق.

المؤشر 11.2.3 – نسبة إنجاز دورة التحسين المستمر على جميع مستويات المسؤولية

يقيس هذا المؤشر نسبة الهياكل التي تنفذ دورة ديمنغ للتحسين المستمر بأكملها. يمتلك المغرب أدوات التخطيط (مشروع المؤسسة المندمج، عقود الأداء، خطط الأكاديميات). لكن التنفيذ يعوقه نقص قدرات الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية. والتقييم محدود بضعف المعطيات حول التعلمات المبكرة وبتغطية غير منتظمة للتفتيش. والتحسين يعيقه ضعف نسبة التنفيذ (18 بالمائة) وغياب السلطة التقريرية للمجلس الأعلى. الحكم: المؤشر غير محقق.

توصيات

لكي يمكن اعتبار المعيار 11.2 مكتسبا بالكامل، ينبغي للسلطات العمومية:

1. تعزيز المعطيات حول غياب الأساتذة والتلاميذ وتحسين المعطيات حول التعلمات المبكرة للسماح بالتدخل المبكر.

2. تخفيف الأعباء الإدارية عن المديرين للسماح لهم بالتركيز على القيادة التربوية.

3. إعادة تصور مهنة المفتش بتوضيح دوره في نظام ضمان الجودة، وتكوينه في أساليب افتحاص الجودة.

4. إلزامية متابعة التوصيات الصادرة عن التقييمات، مع تقارير دورية وعقوبات في حالة عدم التنفيذ.

5. نشر تقارير أداء المؤسسات والهياكل التربوية لضمان الشفافية والسماح بالرقابة المواطنة.

6. تحويل المجلس الأعلى إلى سلطة إدارية مستقلة ذات سلطة تقريرية، أو إحداث وكالة وطنية مستقلة لضمان الجودة للتعليم المدرسي.

7. إرساء دورة التحسين المستمر على جميع مستويات المنظومة: التخطيط، التنفيذ، التقييم، التحسين.

8. الحرص على ألا تتحول آليات المساءلة القائمة على الأداء إلى سباق نحو المؤشرات، بل يجب أن تتضمن أبعادا نوعية (المناخ المدرسي، رفاهية التلاميذ، الممارسات البيداغوجية المبتكرة) لتجنب الآثار السلبية التي حددتها اليونسكو.

9. ربط مساءلة المؤسسات بمرافقة معززة، بحيث تتلقى المدارس في صعوبة دعما مركزا بدل عقوبات حصرية. مع تطوير ثقافة الثقة.

إذا لم يتم الشروع في هذه الإجراءات دون تأخير، ستبقى المكاسب المحققة هشة، وستواصل المنظومة التربوية معاناتها من عجز بنيوي في الحكامة والمساءلة، مما يرهن مستقبل الشباب المغربي ومستقبل البلاد بأكمله.

 

مشاهدة تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة 22 القيادة والمساءلة بين المكاسب

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2030 الحلقة 22 القيادة والمساءلة بين المكاسب والمخاطر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 22: القيادة والمساءلة بين المكاسب والمخاطر.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار