كتب - زياد فرحان المجالي – عمّان في الحروب الطويلة، لا يُقاس استنزاف القوة العظمى بعدد الصواريخ التي أطلقتها فقط. هناك مقياس آخر أكثر أهمية: من أين تضطر إلى جلب القوة التي تحتاجها لمواصلة الحرب؟ وهذا ما يجعل قرار إرسال حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط أكثر دلالة من مجرد تبديل روتيني لحاملة بأخرى. فبحسب المعلومات الواردة، تصل «جورج واشنطن» لتحل محل «أبراهام لينكولن»، التي أمضت أكثر من 250 يومًا في البحر ضمن الانتشار الأميركي المرتبط بالحرب مع إيران والحصار البحري على الموانئ الإيرانية. على الورق، تبدو العملية عادية. حاملة تغادر. وحاملة تصل. لكن الجغرافيا التي تأتي منها «جورج واشنطن» هي التي تجعل القصة مختلفة. الحاملة قادمة من قاعدتها في اليابان. أي من المسرح الذي تعتبره الولايات المتحدة منذ سنوات الجبهة الاستراتيجية الأهم في صراعها الطويل مع الصين. وهنا تبدأ المشكلة. فواشنطن لا ترسل قطعة عسكرية فائضة إلى الشرق الأوسط. إنها تحرك واحدة من أهم أدوات ردعها من ساحة إلى أخرى. وهذا يعني أن الحرب مع إيران بدأت لا تستهلك فقط موارد القيادة المركزية الأميركية، بل بدأت تفرض نفسها على الخريطة العالمية للقوة الأميركية. وهنا يكمن المعنى الأعمق. فالولايات المتحدة بنت استراتيجيتها خلال السنوات الماضية على فكرة واضحة: الصين هي التحدي الاستراتيجي الأكبر. أما الشرق الأوسط فيجب إدارته بأقل قدر ممكن من الموارد، حتى لا يبتلع القوة الأميركية كما فعل طوال عقدين. لكن الشرق الأوسط، كعادته، يعيد واشنطن إليه كلما حاولت الابتعاد. والآن تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة قديمة بثوب جديد: كيف تحافظ على الضغط على إيران من دون أن تمنح الصين مساحة أوسع في آسيا؟ الحاملة «جورج واشنطن» ليست سفينة عادية. المادة تشير إلى أنها حاملة من فئة «نيميتز» تعمل بالطاقة النووية، ويمكنها حمل جناح جوي يصل إلى نحو 90 طائرة ومروحية، بينها مقاتلات «سوبر هورنت» وطائرات حرب إلكترونية وإنذار مبكر. كما ترافقها مجموعة قتالية تضم طرادات ومدمرات تحمل صواريخ «توماهوك» ومنظومات دفاع جوي متقدمة. أي أننا نتحدث عمليًا عن قاعدة جوية متحركة في البحر. مدينة عسكرية عائمة. وقدرة هجومية ودفاعية يمكن نقلها آلاف الكيلومترات من دون الحاجة إلى قواعد برية إضافية. لكن القوة الهائلة لهذه الحاملة هي بالضبط ما يجعل نقلها من اليابان إلى الشرق الأوسط مهمًا. فالقطعة نفسها لا تستطيع أن تكون في مكانين. إذا كانت في الخليج، فهي ليست في غرب المحيط الهادئ. وإذا كانت تراقب إيران، فهي لا تقوم بالدور نفسه في الردع أمام الصين. وهذا هو الثمن الذي لا يظهر في البيانات العسكرية. الحرب لا تستهلك الذخيرة فقط. إنها تستهلك الوجود. وتستهلك ساعات تشغيل السفن. وتستهلك الطائرات. وتستهلك الأطقم. وتستهلك القدرة على إبقاء القوة موزعة في أكثر من مسرح في الوقت نفسه. وبحسب المادة، فإن استبدال «لينكولن» أصبح أكثر إلحاحًا بسبب الظروف الصعبة التي عاشها الطاقم بعد الانتشار الطويل، بما في ذلك الإرهاق ومشكلات الإمداد والبنية التحتية على متن الحاملة. وهنا نصل إلى جانب لا يظهر كثيرًا في صور حاملات الطائرات. وراء كل سفينة ضخمة آلاف البشر. و«جورج واشنطن»، وفق المادة، تحمل قرابة خمسة آلاف فرد بين بحارة وطواقم جوية وعسكريين. يمكن للمفاعل النووي أن يعمل سنوات من دون وقود تقليدي. لكن الإنسان لا يعمل بهذه الطريقة. البحارة يتعبون. الطائرات تحتاج إلى صيانة. السفن تحتاج إلى الموانئ. والقوة التي تبدو غير محدودة على الخريطة لها حدود بشرية وتشغيلية حقيقية. وهنا يصبح استمرار الحصار على إيران اختبارًا مختلفًا. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغراق حاملة أميركية كي تعتبر أنها تستنزف واشنطن. يكفي أن تجبر الولايات المتحدة على إبقاء حاملتين، أو مجموعات قتالية كبيرة، في المنطقة لفترة طويلة. يكفي أن تجعلها تبدل الحاملات باستمرار. يكفي أن تجعل كل قطعة بحرية تُرسل إلى الخليج قطعة غير موجودة في بحر الصين. وهذه إحدى قواعد الاستنزاف الاستراتيجي: ليس المطلوب أن تدمر قوة خصمك، أحيانًا يكفي أن تجبره على إبقائها مشغولة بعيدًا عن المكان الذي يريدها فيه. ومن هنا ربما يكون وصول «جورج واشنطن» رسالة مزدوجة. الرسالة الأولى إلى طهران: الولايات المتحدة لا تنوي تخفيف الضغط، واستبدال الحاملة لا يعني تقليص القوة. لكن الرسالة الثانية قد تقرؤها بكين أيضًا: واشنطن اضطرت مرة أخرى إلى تحويل جزء من قوتها البحرية الكبرى من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط. وهذا لا يعني أن الصين أصبحت بلا ردع أميركي. فالولايات المتحدة تملك شبكة واسعة من القواعد والسفن والطائرات والحلفاء في آسيا. لكن الاستراتيجية لا تُقاس بالغياب الكامل أو الحضور الكامل. بل بهوامش القوة. وبعدد الوحدات المتاحة. وبالقدرة على الاستجابة إذا اندلعت أزمتان في الوقت نفسه. وهنا يصبح السؤال الأخطر: ماذا لو تصاعدت الأزمة مع إيران بالتزامن مع أزمة في بحر الصين الجنوبي أو حول تايوان؟ أين ستذهب الحاملات؟ وأي مسرح سيحصل على الأولوية؟ هذه هي المشكلة التي تواجه أي قوة عالمية. أن تكون قويًا في كل مكان لا يعني أنك تستطيع استخدام كامل قوتك في كل مكان في اللحظة نفسها. ولذلك فإن انتقال «جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط يكشف شيئًا أكبر من الحرب مع إيران. إنه يكشف أن الجغرافيا بدأت تضغط على الإمبراطورية العسكرية الأميركية. إيران في الخليج. الصين في آسيا. روسيا في أوروبا. وممرات بحرية تحتاج إلى حماية من البحر الأحمر إلى المحيط الهادئ. وكل أزمة تطلب سفنًا وطائرات وقواعد وجنودًا. ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي عند وصول «جورج واشنطن»: كم طائرة تحمل؟ ولا كم صاروخًا تستطيع مجموعتها القتالية إطلاقه؟ السؤال الأهم هو: من أين جاءت؟ لأن الإجابة تقول الكثير. لقد جاءت من اليابان من الجبهة التي تريد واشنطن أن تركز عليها مستقبلها الاستراتيجي. وهذا يعني أن إيران، حتى من دون أن تهزم البحرية الأميركية، استطاعت أن تجبر الولايات المتحدة على اتخاذ قرار توزيع قوة له ثمن عالمي. وهنا تظهر المفارقة: واشنطن ترسل «جورج واشنطن» إلى الخليج لكي تثبت أنها قادرة على إبقاء الضغط على إيران. لكن مجرد اضطرارها إلى سحبها من آسيا يطرح السؤال الذي لا تحب أي قوة عظمى سماعه: كم حربًا تستطيع الولايات المتحدة أن تدير في الوقت نفسه… قبل أن يبدأ مسرح ما بدفع ثمن مسرح آخر؟ .
مشاهدة حين تسحب واشنطن حاملة من آسيا إلى الخليج hellip من يدفع ثمن الحرب مع إيران
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين تسحب واشنطن حاملة من آسيا إلى الخليج من يدفع ثمن الحرب مع إيران قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.