وكيف يمكن لطبق طعام أن يروي تاريخ أمة؟ وكيف تصبح المائدة مرآة للسلطة والطبقة والهوية والذاكرة؟ وأي بلاغة تلك التي تستطيع أن تقرأ الجسد كما تقرأ القصيدة، وأن تفسر الصمت كما تفسر الاستعارة، وأن تبحث عن المعنى في تفاصيل الحياة اليومية بدل الاكتفاء بزينة الألفاظ ومحسنات القول؟ وهل كانت البلاغة، طوال قرون، أسيرة تصور ضيق حصرها في حدود البيان والبديع، بينما كانت الحياة كلها تنطق ببلاغتها الخاصة دون أن يلتفت إليها أحد؟
وما يميز هذا الحوار على جريدة هسبريس، أنه لا يتوقف عند حدود الحديث عن كتابين أو تجربة بحثية، وإنما يطل على رؤية فكرية كاملة، تسعى إلى إعادة الاعتبار للبلاغة باعتبارها أداة لفهم العالم، لا مجرد علم لتزيين الكلام. ومن هنا تتجاوز الأسئلة حدود النقد الأدبي لتلامس الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والفلسفة والنقد الثقافي، في رحلة فكرية آسرة تكشف أن الأشياء الصامتة أكثر بلاغة مما نتصور، وأن تفاصيل الحياة اليومية تكتب، كل يوم، نصوصها الكبرى لمن يمتلك شجاعة قراءتها.
في كتابيكم “الطعام والكلام” و”مطبخ الرواية”، قمتم بنقل البلاغة من حدودها التقليدية بوصفها علماً للمحسنات والأساليب إلى فضاء الثقافة والأنثروبولوجيا. كيف وُلد هذا المشروع الفكري؟ وما الذي دفعكم إلى النظر إلى الطعام باعتباره خطاباً بلاغياً لا يقل ثراء عن القصيدة أو الرواية؟
ولا بد من الإشارة إلى أن اهتمامي بدراسة خطاب الطعام في التراث العربي وجنس الرواية لم تكن الغاية منه ادّعاء سبق واهم أو هوس البحث ضد التيار السائد، وإنما كان مؤطَّرا بنزوع بحثي مالت إليه المراكز العلمية الكبرى في العالم منذ عقود، جاعلة من قضايا اليومي وموضوعات الجسد مجالات مركزية لفهم تعقيدات الفرد والجماعة. وضمن هذا السياق العام، تنزّل اهتمامي بخطاب الطعام من منظور بلاغي ثقافي يميط اللثام عما تخفيه مشاهد الأكل والشرب من علاقات متشابكة مع أسئلة الوجود والدين والهوية والأدب والعلم والسياسة والطبقية والغيرية والجندر، متتبِّعا كل ذلك في منجز خِطابي واسع عكسته كتب الدين والأخبار والأمثال والأدب والأحلام وعلوم اللغة العربية.
صحيح أن البلاغة العربية ارتبطت أساسا بقراءة النصوص الأدبية والخطابية، ولم تهتم كثيرا بقراءة الظواهر الاجتماعية والسياسية، حتى أمكننا الحديث عن بلاغتين محوريتين هما: بلاغة الشعر، وبلاغة النثر. ونحن عندما نقصر البلاغة على النصوص دون الظواهر، نقزِّم دورها الحضاري ولا نستفيد من إمكاناتها الهائلة.
ولذلك، نلمس في الدعوة لأطباق طبقة الحكّام مقصد “التشرّف لا التشبّع”، حيث تتوجّه الآداب السلطانية للمدعوّ بالقول: “قم عن المائدة وأنت جائع”؛ لأن “مائدة الهيمنة” تهدف إلى التشبّع من قيم التوقير والتعظيم والطاعة التي تملأ العقول والنفوس أكثر من المآكل والمشارب التي تملأ البطون. وكثيرا ما تكون هذه المائدة فخّا أو امتحانا يستعمله السلطان لاستغوار نفسية المسؤولين، بناء على أن “من شَرِه إلى طعام كان إلى أموال الرعايا والسُّوقة أشره”. وربما سعى الأعيان إلى الضيافة الباذخة، لتكون المائدة سبيلا إلى السيادة والسؤدد، انطلاقا من أن “الشرف في السَّرَف”، أو كما قال عبد الأعلى: “ما ساد منا إلا سخي على طعام”. كما تكشف المؤاكلة عموما عن ميلاد تلقائي لمواثيق وعهود رمزية يصعب الإخلال بها، فيتحوّل مدّ اليد إلى مائدة الآخرين إلى نوع من التوقيع المُلزِم على الأمانة والإخلاص والتضامن. وخوفا من الانخراط في هذه المعاني مع الحكّام الظالمين، نادى المتصوِّفة بأن “الجوع طعام الزاهدين”، وامتنعوا عن حضور الولائم، وتأوّلوا أن للطعام عدوى وأن الموائد تستضمر أرواح أصحابها. ومنذ العهد الجاهلي، امتنع بعض المظلومين عن الأكل والشرب حتى تحقيق مطالبهم المشروعة، فكانوا الآباء المؤسِّسين لما نعرفه اليوم بـ “الإضراب عن الطعام”. وامتنع آخرون – مثل أبي العلاء المعري – عن أكل اللحوم، ونادوا بـ “النباتية” منذ زمن بعيد، صدرين عن فلسفة رحيمة بالحيوان لا عن مجرد ميل ذوقي.
يرى كثيرون أن البلاغة انتهى دورها مع انتهاء عصر البيان الكلاسيكي. غير أن مشروعكم يوحي بأن البلاغة ما تزال قادرة على قراءة المجتمع والهوية والسلطة. كيف تعيدون تعريف البلاغة اليوم؟ وهل يمكن اعتبارها علماً لقراءة الثقافة أكثر من كونها علماً لزينة الكلام؟
لا أتّفق مع القول إن البلاغة انتهى دورها أو سينتهي دورها في القريب أو المستقبل، وكل الدعوات التي وصفتها بأنها “قديمة” أو “عجوز” أو “ميتة” أو “عقيم” ليست صحيحة على الإطلاق. إن الكون الذي نعيش داخله يكلّمنا بالبلاغة، وما دام هناك إنسان على هذه الأرض فثمّة بلاغة حيّة لا نستطيع تجاهلها. إن البلاغة قدرنا الذي لا نستطيع الفكاك منه، وحتّى أفلاطون الذي اتهم البلاغة نظريا كان بلاغيا كبيرا في كتاباته ومحاوراته.
تناول كتاب “مطبخ الرواية: الطعام الروائي من المشهدية إلى التضفير” نماذج من الرواية العربية من زاوية الطعام، مبرزا أن مشاهد الأكل والشرب كاشفة عن أبعاد ثقافية متشابكة، حتى إنه ليمكننا إعادة التأريخ للمنجز الروائي العربي عبر توظيف المكون الطعامي مشهديا أو تضفيريا، تماما كما أرّخ سرديا محمد النعاس في روايته “خبز على طاولة الخال ميلاد” لتاريخ ليبيا من خلال تحولات الخبز في “الكوشة” أو المخبز.
وعلى الجملة، أسهم المكون الطعامي في القراءة الداخلية المنتِجة للرواية العربية، فبدا أن في “الطعام ما بعد الطعام” حسب عبارة عبد الله في رواية “كحل وحبّهان” لعمر طاهر.
مشروعكم النقدي يبدو وكأنه يدعو إلى تأسيس بلاغة جديدة تتناول اللغة إلى جانب الصورة، والجسد واللباس والطعام والفضاء وحتى الصمت. هل نحن أمام ميلاد “بلاغة ثقافية” عربية جديدة؟ وما الأسس النظرية التي تقوم عليه؟
ترجع جذور “البلاغة الثقافية” إلى الجاحظ الذي أعدّه رائد البلاغة الثقافية، فهو حين جعل مدار البلاغة على “كشف قناع المعنى” في كل شيء له صله بثنائية “الفهم والإفهام” لم يحصر موضوعها في اللغة فقط، وإنما وسّع مداه إلى المشاهدات والأجساد والأشياء والسلوكات التي تقع في الحياة اليومية للأفراد والجماعات. ويبدو لي أن مشروع الجاحظ لم يجد من يطورّه في القديم، وإن سعى عبد القاهر الجرجاني إلى تطوير الجانب الأسلوبي أو النظمي فيه بدقة عالية وكفاءة عظيمة، سرعان ما سيتلقفها من جاء بعده ليحولها إلى تعليمات صارمة ومنظومات مصطلحية بدأت تخبو روحها رويدا رويدا. وهكذا، فُهم المدى الذي كان يُحلِّق فيه الجاحظ بأنه ناتج عن اضطراب في الرؤية وتشتت في المنهج وجنوح نحو الاستطراد.
أعتقد أن كل دعوة إلى التجديد تُجابه عادة برفض صريح أو ضمني، وكذلك دعوات تجديد البلاغة العربية منذ بدايات القرن العشرين لم تسلم من رفض أو تخوين أحيانا. غير أننا يجب أن نعرف أن تجديد النظر إلى البلاغة هو جزء من تجديد نظرتنا إلى تراثنا ووعينا وثقافتنا ومسلماتنا وتمثلاتنا، مما يُصعِّب المهمة أمام البلاغي المجدّد.
وعلى الرغم من كل هذه العراقيل، فإننا نلحظ في السنوات الأخيرة بوادر ترحيب مغربي ومشرقي بكل تجديد بلاغي يسعى إلى تطوير نظرتنا إلى النصوص والظواهر.
بعد هذا المسار العلمي الذي جعل البلاغة تعانق الثقافة والاجتماع والسياسة والرمز والنفس، ما المشروع الذي تحلمون بإنجازه مستقبلا؟
سعيد العوادي: المائدة العربية تكشف علاقات السلطة والهوية والطبقات Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة سعيد العوادي المائدة العربية تكشف علاقات السلطة والهوية والطبقات
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سعيد العوادي المائدة العربية تكشف علاقات السلطة والهوية والطبقات قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سعيد العوادي: المائدة العربية تكشف علاقات السلطة والهوية والطبقات.
في الموقع ايضا :
- بينما يحتفل قادة طالبان بمرور خمس سنوات على توليهم السلطة في أفغانستان، مسؤول بالأمم المتحدة يحذر من أزمة حقوقية
- قوات الاحتلال الصهيوني تنفذ حملة دهم وتفتيش لعدد من المنازل بعد توغلها في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي
- حروب الجيل الرابع وحصون الزيف.. الشائعات الممنهجة سلاح الإخوان الأخير لضرب المشروعات القومية وتسميم الوعي الجمعي