ويقدر الأكاديمي أن مؤسستين اثنتين نسجتا مكونات المتخيل الإسباني الجمعي، هما الكنيسة والجيش، ويقرأ المواقف المعبر عنها خلال أحداث سبتة المحتلة الأخيرة، من طرف منتمين إلى المؤسستين، لا بوصفها تصريحات معزولة، أو رأيا شخصيا؛ ويدعو إلى فهمها في إطار كون: “عمليات التحديث الواسعة للمجتمع والاقتصاد والسياسة في إسبانيا لم تواكبها خلخلة موازية للنظرة العتيقة التي استوطنت المتخيل الإسباني نحو الآخر”، وفي طليعة هذا الآخر: المغربي.
نص المقال:
ما يَختزِنُه المُتخيَّل الإسباني عن المغرب
تفاوتت هذه العلاقات بين المواجهة والخصومات والمعارك المباشرة، وبين مناسبات تقارب وتفاهمات متفاوتة الأسباب والسياقات؛ وذلك منذ دخول المسلمين إلى الأندلس في القرن الثامن الميلادي إلى اليوم. وقد شهدت هذه العلاقات محطات تاريخية كتبت رواياتها، وأنتجت متخيَّلها الجمعي لدى الطرفين، ونسجت قصصا إنسانية وثقافية كانت للجغرافية والتاريخ فيها مكانة استثنائية، ولجدلية السيطرة والتحرر القاعدة التي تمنحها، في كل مرة، توازناتها وأشكال تدبير مقتضياتها وزمنيتها. فصول من النزاع، والاحتلال، والاسترجاع، إلى حرب تطوان بقسوتها ونتائجها المدمرة سنتي 1859 و1860، إلى أحداث سبتة الأخيرة مرورا باحتلال الصحراء سنة 1884، ومؤتمر الجزيرة الخضراء (1906) الذي تفاوضت فيه الدول الاستعمارية حول اقتسام النفوذ في المغرب، وتوزيع الجغرافية المغربية بين الاستعمارين الفرنسي والإسباني في 1912، ومعركة أنوال المشهودة (1921)، وتجنيد آلاف المغاربة والزج بهم في الحرب الأهلية الإسبانية ما بين 1939-1936، واستقلال المغرب (1956)، واسترجاع مدينتي طرفاية وسيدي إفني، وملحمة المسيرة الخضراء، وما فرضته حسابات اليمين الإسباني بخصوص قضية جزيرة المعدنوس سنة 2002، وأحداث مترو الأنفاق الدامية بمدريد سنة 2004، إلى إقرار الوزير الأول بيدرو سانشيس بأحقية المغرب على الصحراء واعترافه بكون “الحكم الذاتي” يشكل حلها الوحيد.
في معمعة هذه المواجهات والتوترات نَحَتَ الإسبان نعوتا متعددة من أجل تسمية المغاربة؛ فتارة اعتبروهم أراغنة Aragenos، وعربًا، وسارازانيين، ومُحمَّديين، وعموما متوحشين، أو حتى أتراكا، وخصوصا موروس Moros، ومغاربيون، وإسلامويون… إلى آخر ما أنتجه الوجدان العدائي عبر التاريخ الصراعي الطويل بين الضفتين. فمنذ دخول المسلمين إلى الأندلس إلى ما نجم عن أحداث سبتة ومليلية الأخيرة من ردود فعل واتهامات وهجومات لفظية وسياسية، تبلورت النظرة السلبية للموروس وانتصرت لتستوطن المتخيَّل الجمعي الإسباني، وتحتل كثيرا من مساحات وعي النخب والأوساط الاجتماعية المختلفة.
تسكن هذه النظرة جملة أحكام مسبقة Préjugés عن المغربي تأتي في طليعتها صفات التعصب، والتوحش، والقسوة، والشبقية، والقدرية، والكسل، والكذب، وغيرها من الصفات التي لعب فيها المتخيل المسيحي الوسيط دورا كبيرا في إنتاجها؛ وتحرص المؤسسة الكنسية الإسبانية – التي تمتلك مؤسسات ووسائط في منتهى القوة والتأثير، وتشكل فئات عريضة منها قواعد لليمين الإسباني- على توظيفها واستغلالها والتذكير بها كلما طرأ طارئ، أو برز خلاف بين إسبانيا والمغرب. ولعل تحريض رجل دين بقصف الرباط و”استعادة شمال المغرب” كشْفٌ عن تعبيرات هذا المتخيل الدفين. وقد تشكلت هذه الأحكام الانتقاصية والتعميمية مع تطور الصراعات المتكررة التي نشبت في التاريخ بين البلدين، لعبت فيها فصول حروب الاسترداد المسيحي للأندلس أدوارا كبرى حين جعل المسيحيون الإسبان من صورة الداعية “سان جاك”، الذي اعتُبر “قاتل الموروس”، شعارا توجيهيا لسياسات الإبادة الإنسانية والثقافية التي اقترفوها ضد المسلمين واليهود في الأندلس. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه سنة 1992، وبمناسبة مرور خمسة قرون على عمليات “الطرد”، عرفت إسبانيا نشر عدد لا بأس به من الدراسات والكتب من طرف مؤرخين أثبتوا بالوثائق والحجج أن ما نعتت بـ”حرب الاسترداد” كانت سياسات إبادة وقتل سقط فيها مئات الآلاف من المسلمين، فضلا عمَّا تعرضوا له من تجويع، وترحيل، واستعباد، وإكراه على تحويل العقيدة.
ولذلك فإن استعمال المصطلحات التي تمت تعبئتها بمناسبة أحداث سبتة الأخيرة، من قبيل “الغزو” و”الاجتياح”، و”الاعتداء على السيادة الإسبانية”، و”انتهاك الوحدة الترابية”، و”الغزو المدبَّر”… وغيرها من الصيغ التي استثمرها اليمين، بجناحيه المعتدل والمتطرف، أو تلك التي استعملها الرسميون، يفترض فهمه في سياق الخوف التاريخي الوهمي الدفين الذي يسكن العديد من الأوساط من تجدد رغبة “الموروس” والمورسكيين في “الانتقام” والعودة إلى الأندلس لاستعادة ممتلكاتهم، وأراضيهم، وحقوقهم التي سلبها لهم المسيحيون الإسبان، أو الخوف من تنظيم مسيرة مغربية أخرى لاسترداد مدن المغرب وجزره المحتلة.
ورغم ذلك تعبأت جمهرة من المُستعربين، والأفريقانيين والمستشرقين، لعرض خدماتهم على الدولة الإسبانية بتقديم “الحجج” والمخططات الجغرافية والتاريخية والسياسية من أجل التحكم في المناطق المتوسطية الشمالية للمغرب. وفي مقابل ذلك لم تستسلم الدولة المغربية، مهما كانت الهزائم التي ابتليت بها، لإرادة القوة الاحتلالية والاستيطانية لإسبانيا، واستمر السلاطين في محاولات استرجاع ما استولت عليه بالقوة، ومنها المحاولة التي قام بها السلطان الحسن الأول من أجل تحرير مدينة مليلية سنة 1893. وقد شكلت هذه المواجهة، مرة أخرى، فرصة للإسبان لتقديم المغاربة في هيئة أهالي “متوحشين يكرهون الحرية، والتحضر، والمدنية”. وهو القاموس نفسه الذي استعمله الفرنسيون في أدبياتهم في وصف الجزائريين والتوانسة، واستثمره البريطانيون في حديثهم عن المصريين.
وفجَّرت هزيمة أنوال، بالشكل التي تمت بها، صور المغربي الذي يجسد العنف، والقسوة، والغدر، والتعصب. لكن الحرب الأهلية الإسبانية، التي اشتعلت سنة 1936، شهدت تجنيد عشرات الآلاف من المغاربة من طرف الجنرال فرانكو في حربه ضد الحكومة الشرعية، وضد أحزاب اليسار الاشتراكي، والشيوعي، والفوضوي، والقوميين الكطالان والباسك. ولعل البطش الذي تعامل به فرانكو في هذه الحرب واستغلاله البشع للمغاربة دفع النخب السياسية الإسبانية إلى الاقتناع بالأوصاف التي أطلقت عليهم باعتبارهم “دمويين، مغتصبين، سكيرين، وجشعين” إلى آخر الأحكام الانتقاصية. وعلى العكس من ذلك تعامل عسكر فرانكو مع “الكتيبة المغربية” بكثير من الاحترام المشفوع بنوع من الأبوية والتحكم، لأنهم كانوا يقدمون الحرب ضد المعسكر الآخر بكونها حرب مؤمنين، مسيحيين ومسلمين، ضد مُلحدين وجمهوريين.
وبفضل نجاح عملية “الانتقال الديمقراطي” في إسبانيا بعد وفاة فرانكو، وتوسيع دوائر الحرية، وخلق مناخ يتيح الجهر بالرأي والاختلاف، انتفضت أقلام مثقفين إسبان من مؤرخين، ومستشرقين جدد، وفنانين، وروائيين، في طليعتهم خوان غويتيسولو، وبرنابي لوبيز، والمؤرخة ماريا روزا مادارياغا، وغيرهم، لمناهضة الصور النمطية التعميمية المسيئة للمغرب والمغاربة، وعمل كل منهم بطريقته ومجال نشاطه على كشف الخلفيات السياسية والدينية والنفسية والثقافية التي تحرك الأوساط التي تكن عداء عاريا أو متسترا للمغاربة، سواء في خطابات اليمين المتطرف كما المعتدل، أو بين التنظيمات الليبرالية واليسارية التي تنامت في أوساطها مشاعر معاداة المغرب، أيضا، بعد المسيرة الخضراء واستعادة الأقاليم الجنوبية؛ حيث اعتبرتها “خيانة” مغربية جديدة لإسبانيا باستغلال فترة احتضار الجنرال فرانكو، وارتباكات عملية انتقال السلطة، للإجهاز على ما تعتبرها حقوق “شعب صحراوي” في تقرير مصيره. وفي هذا السياق يبدو لي أن قرار اعتراف بيدرو سانشيز بأرجحية الحكم الذاتي كحل وحيد لقضية الصحراء مهما كانت حيثياته ومضامين التفاوض حوله يُعتبر قرارا شجاعا، ساهم في بلورته حكماء اشتراكيون كالوزير الأول السابق لويس رودريغيز زاباثيرو ووزير خارجيته السابق ميغيل أنخيل موراتينوس وآخرين، وذلك رغم التعاطف الواسع الذي لا تكف شرائح عديدة عن التعبير عنه مع الصحراويين، كما هو معلوم.
يتعلق الأمر في العلاقة بإسبانيا بما ينعته سمير بنيس “سوء التفاهم العظيم”، وبما يسميه نبيل دريوش “الجِوار الحذر”، بسبب رضَّات الماضي، ورهانات التوازنات الجيو-إستراتيجية المتجددة، وحسابات المصالح، وحرب المواقع، وتحديات الهجرة، وصعوبات تدبير الحروب الهجينة. ومع ذلك تشكَّلَ وعي صعب لدى كلا الطرفين بالحاجة إلى “التفاهم” مع جار يمتلك إمكانيات كبيرة للاستفادة من موقعه الجغرافي ومقدراته الاقتصادية والثقافية، بقدر ما يحوز أسبابا وإمكانيات لتأزيم العلاقات، وزعزعة الأوضاع، وتهديد المصالح. ولم يتوقف العقلاء من الجهتين عن الدعوة إلى الحاجة الحيوية لتدبير مفردات هذا “التناقض” بكثير من الحكمة والتوازن ومراعاة مصالح الطرفين وحقوقهما، والعمل على محاصرة أسباب الخلافات، بما فيها حل مشكلة المدن المحتلة، ومحاصرة الصور الدونية التي مازال أغلب الإسبان مصرين على إلصاقها بالمغاربة؛ حيث تُظهر البيانات السنوية لمعهد “إلكانو الملكي الإسباني” عن وجود فجوة كبيرة بين التعاون الاقتصادي والدبلوماسي الرسمي وبين التصورات السلبية للرأي العام الإسباني تجاه المغرب والمغاربة، الذين يُعتَبَرون مصدر التهديد الأول لإسبانيا بنسبة لا تقل، سنويا، عن 55 بالمائة.
أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب .. "عنف التاريخ" يختبر منطق الجوار Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب عنف التاريخ يختبر منطق الجوار
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب عنف التاريخ يختبر منطق الجوار قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب .. "عنف التاريخ" يختبر منطق الجوار.
في الموقع ايضا :