الحوثي واقتصاد الحرب.. معادلة المجنون ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (يمن مونيتور) -

الحوثي واقتصاد الحرب.. معادلة المجنون، لماذا تستهدف الميليشيا ما يُبقي اليمنيين على قيد الحياة ؟ في الحروب ثمة فارق كبير بين أن تضرب موقعاً عسكرياً فتحاول إضعاف خصمك وهزيمته وبين أن تضرب ميناءً تجارياً فتضع يدك مباشرة في جيب المواطن. الأولى : يمكن فهمها في سياق المواجهة العسكرية أما الثانية فتفتح سؤالاً مختلفاً تماماً ما الذي يراد تدميره فعلاً الميناء أم الحياة التي تتحرك من خلاله حركة الميناء ؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي قراءة لاستهداف ميناء المخا بكل هذا التوحش . فالميناء ليس أرصفة ورافعات ومستودعات خلف كل سفينة تصل إليه تجار وعمال وناقلون وأسواق وأسر ومجتمع وخلف كل شحنة سلسلة طويلة تنتهي عند مستهلك يمني أنهكته سنوات الحرب وتآكل العملة وارتفاع الأسعار وطول أمد الانقلاب . ولهذا فإن الصاروخ الذي يصيب ميناءً لا ينفجر في المكان وحده ، جزء من شظاياه يصل متأخراً إلى السوق وإلى فاتورة النقل والتأمين وإلى سعر السلعة ثم يستقر في النهاية على مائدة المواطن ليست المخا البداية .. من الخطأ قراءة ما حدث في المخا باعتباره حادثة منفصلة عن سياق طويل من استهداف البنية الاقتصادية للدولة. لقد عرف اليمن هذا المسار من قبل عندما استهدفت الهجمات الحوثية موانئ تصدير النفط في ميناء الضبة النفطي بحضرموت في أكتوبر 2022 وأدت إلى تعطيل الصادرات وفي بلد تمثل فيه الموارد النفطية أحد أهم مصادر تمويل الخزانة العامة لم يكن توقف التصدير خبراً يخص وزارة النفط وحدها . كان ذلك يعني موارد أقل للدولة وقدرة أضعف على الوفاء بالتزاماتها وضغطاً إضافياً على العملة والخدمات والمرتبات والاقتصاد. واليوم تأتي المخا لتعيد طرح السؤال نفسه : لماذا تتحول المنشآت التي يفترض أن تبقى خارج دائرة الصراع إلى أهداف في قلبه ؟ قد تستطيع جماعة الحوثي المسلحة الخارجة عن القانون أن تقدم لجمهورها صورة صاروخ انطلق أو منشأة أصابها وأن تسمي ذلك نصراً. لكن الاقتصاد لا يقرأ الصور بهذه الطريقة. الاقتصاد يحسب كم تعطلت من تجارة ؟ وكم ارتفعت كلفة التأمين ؟ وكم خسر التاجر ، وكم عاملاً توقف عمله ، وكم دولاراً ستدفعه الدولة لإصلاح ما دمره صاروخ لم يحتج إطلاقه سوى ثوانٍ ؟! وهنا تكمن المفارقة المؤلمة .. الصاروخ رخيص قياساً بما يتركه من فاتورة ، لكن من يدفع الفاتورة ليس من أطلقه. اليمنيون هم من يدفعونها. يريد الحوثي ان يحول اليمن الى مجاعة وان يصرخ كل ابنائه بما يصرخون به في مناطق سيطرته ( أنا جاوع ) الحرب على الدولة من بوابة الاقتصاد هناك فكرة أعمق تستحق التوقف عندها. فالحرب على الدولة لا تعني دائماً إسقاط مؤسساتها عسكرياً. يمكن إضعاف الدولة بطريقة أشد قسوة وأطول أثراً : حرمانها من مواردها. ولذلك كان الإعلان الرسمي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي باعادة تصدير النفط إعلاناً سياديا اكثر من كونه خطوة اقتصادية لفك حصار الاقتصاد المفروض . دولة بلا صادرات كافية وموانئها مهددة، واستثماراتها خائفة، واقتصادها يعمل تحت احتمالات الحرب ، هي دولة تدخل كل صباح معركتها وهي تحمل فوق كتفيها عبئاً إضافياً. ومن هنا : أرى أن استهداف المنشآت الاقتصادية لا ينبغي أن يصنف في هامش المواجهة العسكرية ، بل في صميمها. لأن إفقار الدولة هو أحد أشكال هزيمتها. وإفقار المجتمع أحد أشكال إخضاعه. وهنا يمكن فهم شيء من العلاقة المعقدة بين الحوثية والفقر. فالجماعات المسلحة لا تحتاج بالضرورة إلى اقتصاد مزدهر ومجتمع مستقل وقادر على صناعة خياراته. البيئة المنهكة اقتصادياً أكثر قابلية للاحتواء ، والإنسان الذي ينشغل بالبحث عن قوت يومه يصبح أقل قدرة على مقاومة سلطة تتحكم في الوظيفة والمساعدة والوقود والامتياز والسلاح. لهذا فإن الفقر في زمن الحروب لا يكون دائماً مجرد نتيجة. أحياناً يتحول إلى أداة حكم. كما فعلت الحوثية في ادارة مناطق سيطرتها لاكثر من عقد من الزمن ، الجوع والخوف . ولكن ماذا عن رواية السلاح ؟ تقول الرواية الحوثية : إنها تستهدف أهدافاً مرتبطة بالسلاح والإمداد العسكري. حسناً : في الصحافة كما في القانون والسياسة الادعاء يحتاج إلى دليل. ولا يكفي أن تصف منشأة بأنها عسكرية حتى تفقد وظيفتها المدنية ، خصوصاً عندما تكون النتائج المعلنة للاستهداف قد طالت البنية التحتية والبضائع والإمدادات والحركة التجارية. ثم هناك سؤال منطقي يصعب تجاوزه: الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لديها علاقات رسمية مع دول عديدة ، وتسيطر على منافذ برية وبحرية وجوية. وإذا أرادت الحصول على تجهيزات عسكرية في إطار علاقاتها الرسمية ، فما الذي يجعل ميناءً تجارياً مدنياً تحديداً هو العقدة التي لا طريق للسلاح إلا عبرها؟ إنها رواية تحتاج إلى أدلة أكثر من حاجتها إلى تكرار. والأهم من الروايات كلها هو ما بقي على الأرض بعد الهجوم: ميناء يمني متضرر ، وبنية تحتية يمنية تدفع الثمن، واقتصاد يمني يتحمل الخسارة. من المخا إلى مأرب .. ثم جاءت مأرب. والصورة هنا أشد وضوحاً. ففي الخامس عشر من أغسطس الجاري تعرضت المدينة وفق ما أعلنته المصادر الرسمية لهجوم بستة صواريخ باليستية وأربع طائرات مسيرة استهدف أحياء سكنية. ومأرب ليست رقعة عسكرية مجردة على الخريطة. إنها واحدة من أكبر البيئات التي استقبلت النازحين خلال سنوات الحرب. وفيها آلاف الأسر التي وصلت إليها أصلاً هرباً من جولات سابقة من الحرب. أن تصل الصواريخ إلى مدينة يعيش فيها هؤلاء يعني أن الحرب تلاحق الإنسان حتى إلى المكان الذي اختاره ملاذاً منها. وفي تعز يستمر وجه آخر للمأساة ، في محافظة عاشت سنوات طويلة بين الحصار والجبهات والضحايا وتعطيل الحياة. وعندما تضع المخا ومأرب وتعز في صورة واحدة يصبح من الصعب النظر إلى الأحداث باعتبارها وقائع متفرقة. ثمة تصعيد. وثمة سؤال أكبر منه ؟ ماذا تريد الجماعة الحوثية المدارة من إيران الآن؟ ماذا تريد الحوثية؟ هنا تنتهي الوقائع ويبدأ التحليل. وأظن أن الخطأ سيكون كبيراً إذا اختصرنا كل ما يحدث في الرغبة بإظهار القوة العسكرية. المسألة في تقديري أعمق. الحوثية تريد أن تدخل أي ترتيبات سياسية مقبلة وهي تحمل معها قدرتها على إنتاج الخطر. ففي السياسة التقليدية : تفاوض الدولة بما تمتلكه من اقتصاد ومؤسسات وتحالفات ومصالح. أما الجماعات المسلحة ، فكثيراً ما تفاوض بشيء مختلف: بكلفة الفوضى التي تستطيع إنتاجها إذا لم تحصل على ما تريد. وهنا : تتحول الصواريخ والطائرات المسيرة من أدوات عسكرية فقط إلى أوراق تفاوض سياسية. الرسالة تصبح تقريباً : أنا قادر على تعطيل الميناء. قادر على تهديد المدينة. قادر على رفع كلفة التجارة. قادر على إبقاء الإقليم في حالة قلق. ولذلك فإن التعامل معي أقل كلفة من مواجهتي. هذه المعادلة خدمت الحوثية في مراحل مختلفة من الصراع ، وربما تعتقد الجماعة أنها ما تزال صالحة إلى ما لا نهاية. لكن التاريخ : يخبرنا أن أكثر الأخطاء خطورة هي تلك التي تنجح مرات عديدة ، لأنها تقنع صاحبها بأنها ستنجح دائماً. ماذا لو تغير الطرف الآخر؟ هذه هي النقطة التي أعتقد أن الحوثية بحاجة إلى قراءتها بعناية. فكل استراتيجية تقوم على افتراضات. وأحد افتراضات سياسة التصعيد الحوثية أن الطرف المقابل سيستمر في استيعاب الضربات وأن المجتمع الدولي سيعود في كل مرة إلى العبارة ذاتها : ضبط النفس والعودة للحوار واتفاقات سلام هشة ومبعوث أممي ووساطة عربية ودولية؟! لكن ماذا لو تغير هذا الافتراض؟ الخطاب الرسمي الشرعي في الأيام الأخيرة أصبح أكثر وضوحاً في هذه المسألة. رئيس مجلس القيادة الرئاسي أعلن أن مرحلة الاعتداء بلا كلفة قد انتهت وأكد أن التزام الدولة بالسلام لا ينبغي أن يتحول إلى تصريح مفتوح للميليشيات تختار بموجبه متى تهاجم وأين تهاجم ثم تطلب من الجميع ضبط النفس عندما يأتي الرد. هذه ليست عبارة عابرة. إنها على الأقل سياسياً ، إعلان عن محاولة تغيير قواعد المعادلة. وفي الوقت نفسه تتحدث المؤسسة العسكرية عن عمليات متزايدة ضد مصادر التهديد ، وعن قدرات يجري توحيدها وتطويرها. ولا أعتقد أنه من المهنية أن نتنبأ بموعد معركة أو “ساعة الصفر” ولا أن نقدم تقديرات القدرات العسكرية باعتبارها حقائق ما لم تعلنها الجهات المختصة. لكن يمكن قول شيء واحد بثقة : صورة القوات الحكومية اليوم ليست بالضرورة هي الصورة التي بنت عليها الحوثية حساباتها قبل سنوات. وهذه مسألة قد تغير الكثير. إيران.. ولكن ليس إيران وحدها ومن السهل تفسير كل سلوك حوثي باعتباره تنفيذاً مباشراً للأجندة الإيرانية. ولا شك أن العلاقة بين الحوثيين وإيران عنصر أساسي في فهم المشهد لكن اختزال كل شيء فيها قد يحرمنا من رؤية جانب آخر من سلوك الجماعة. الحوثية لديها مشروعها الخاص أيضاً . لديها سلطة تريد المحافظة عليها . ومناطق تريد الاحتفاظ بها . ونظام مصالح تشكل خلال سنوات الحرب . وجهاز عسكري وأمني واقتصادي سلالي أصبح بقاؤه مرتبطاً ببقاء الوضع الاستثنائي نفسه . ولذلك فإن الحوثية عندما تفاوض لا تفاوض فقط على موقع اليمن في صراع إقليمي. إنها تفاوض أيضاً على مستقبلها هي. تريد أن تدخل أي تسوية وهي الطرف الذي يخشى الآخرون استبعاده ، لا بسبب جاذبية أنموذجه السياسي ، وإنما بسبب حجم الضرر الذي يستطيع إحداثه. وهذه نقطة فارقة (معادلة المجنون) في العلاقات الدولية توجد استراتيجية قديمة تعرف بصورة مبسطة بمحاولة إقناع خصمك بأنك قادر على الذهاب أبعد منه ، وأنك مستعد لتحمل مخاطر لا يستطيع هو تحملها. الحوثية تمارس شيئاً قريباً من ذلك. تريد أن يقتنع الآخرون بأن لها صواريخ تستطيع الوصول ، وأن لديها استعداداً لضرب منشآت حساسة ، وأن تجاهلها قد يكون مكلفاً. أي أنها تحاول أن تجعل الخوف منها جزءاً من قيمتها التفاوضية. لكن هذه اللعبة خطرة للغاية. لأنك عندما ترفع مستوى الخطر باستمرار ، قد تصل إلى اللحظة التي يتوقف فيها خصمك عن التفكير في كيفية احتوائك ، ويبدأ في التفكير في كيفية إنهاء مصدر الخطر نفسه. وهنا تنقلب المعادلة. لذلك لا أعتقد أن السؤال الأهم اليوم هو : لماذا استهدفت الميليشيا الحوثية ميناء المخا؟ ولا لماذا أطلقت صواريخها باتجاه مأرب؟ السؤال الأهم هو : هل ما تزال الحوثية تقرأ خصومها والإقليم والمجتمع الدولي بالمعادلات القديمة نفسها ؟ لأن ثمة فارقاً دقيقاً بين أن تجعل نفسك خطراً يخشى الجميع استفزازه ، وبين أن تتحول إلى خطر يرى الجميع أن بقاءه أصبح أكثر كلفة من مواجهته. وعلى كل حال اليمنيون يريدون شيئاً أبسط وسط كل هذه الحسابات ، هناك حقيقة تضيع كثيراً في ضجيج الحرب. على الحوثي أن يعرف أن الناس في مناطق سيطرة ميليشياته لا تريد أن تعرف مدى الصاروخ واهدافه ولا تريد ان تسمع لصرخات الموت . يريد المواطن أن يعرف متى يصل راتبه. لا تعنيه كثيراً بيانات الانتصارات التي يروج لها إعلامه الحربي . يعنيه أن يصل كيس الدقيق بسعر يستطيع دفعه. يريد ميناءً يعمل. وطريقاً مفتوحاً. ومدرسة لا تتحول إلى ثكنة. ومستشفى يجد فيه الدواء. ومدينة ينام فيها أبناؤه بأمان وحرية . بعد أكثر من عقد من الحرب والانقلاب هذه ليست مطالب رفاهية ، هذه أحلام شعب تم اختصارها إلى أبسط مقومات حقوق الإنسان.

*صحفي يمني ورئيس قطاع قناة سبأ الحكومية

الحوثي واقتصاد الحرب.. معادلة المجنون يمن مونيتور.

مشاهدة الحوثي واقتصاد الحرب معادلة المجنون

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الحوثي واقتصاد الحرب معادلة المجنون قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على يمن مونيتور ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الحوثي واقتصاد الحرب.. معادلة المجنون.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار