كتب: علي سيقلي
ثمة لحظات في السياسة لا تحتاج إلى كثير من التأويل؛ لأن أصحابها يقولون ما يكفي، ثم يتركون للناس مهمة اكتشاف ما وراء الكلمات.
وفي ملف الجنوب تحديدًا، تبدو الصورة اليوم أكثر وضوحًا مما كانت عليه في السابق، ولمن أراد أن يفهمها، فما عليه إلا أن يضع التصريحات إلى جوار بعضها، ثم يسأل: ماذا تعني؟ وإلى أين تقود؟
ففي أحدث تصريحاته، عاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، ليؤكد أن القضية الجنوبية قضية سياسية عادلة. وهي عبارة تبدو، للوهلة الأولى، اعترافًا مهمًا، لكنها تصبح أكثر إثارة للتساؤل حين نضعها إلى جوار الطريقة التي جرى بها إعداد الحوار الجنوبي في الرياض، والجهة التي دعت إليه، والمرجعية التي ستتعامل مع مخرجاته.
فالسعودية أعلنت منذ يناير الماضي أنها استجابت لطلب العليمي بعقد مؤتمر شامل في الرياض، يجمع المكونات الجنوبية لبحث ما سمته «الحلول العادلة للقضية الجنوبية».
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
إذا كان الحوار جنوبيًا، والقضية جنوبية، فلماذا لا تكون إرادة الجنوبيين وحدها هي صاحبة الكلمة الأخيرة في مخرجاته؟
هذه ليست مسألة لغوية، ولا اعتراضًا على مبدأ الحوار.
الحوار في حد ذاته ليس مشكلة؛ إنما المشكلة في رأس من تبنّى هذا الحوار، وسعى إلى تفريخ كل تلك المكونات لغرضٍ في نفس عرقوب.
والمصيبة تكمن في تفاصيل وظيفة الحوار، وسقفه، والجهة التي تملك حق تفسير مخرجاته أو اعتمادها أو رفضها.
العليمي قالها، والسعودية قالت ما يكمل الصورة، وهذا ما سمعناه بالصوت العالي.
حين يقول العليمي إن القضية الجنوبية قضية سياسية، فهو يخرج بها من توصيفها كقضية حقوقية إلى توصيفها كقضية سياسية، وكأن حلها لا يحتاج إلا إلى معالجة سياسية تحت سقف محدد سلفًا.
وهنا ينبغي أن يتوقف الجنوبيون أمام هذا التوصيف طويلًا، لأن تحويل القضية إلى «قضية سياسية» لا يعني بالضرورة أن أي صيغة سياسية تصلح حلًا لها، ولا يعني أن من يملك النفوذ هو من يملك حق تحديد طبيعة الحل.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل جنوبي مشارك في هذا الحوار هو:
هل نحن ذاهبون إلى الرياض لنبحث عن حل للقضية الجنوبية، أم لنبحث عن صيغة يمنية لإدارة القضية الجنوبية؟
الفرق بين الاثنين شاسع.
فالأول يعني أن الجنوبيين يجلسون ليقرروا مستقبل قضيتهم.
أما الثاني فيعني أن الجنوبيين يجلسون ليتوافقوا على رؤية، ثم تعود هذه الرؤية إلى مؤسسات يمنية أخرى لتقرر ما إذا كانت صالحة أم غير صالحة.
وهنا تكمن الألعوبة السياسية التي ينبغي ألا تمر مرور الكرام.
فإذا كانت مخرجات الحوار الجنوبي ستُعرض في النهاية على مجلس القيادة الرئاسي اليمني، كما جاء في التصريحات السعودية المتداولة حول مسار الحوار، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا:
من صاحب القرار إذن؟
هل الحوار هو صاحب الولاية؟
أم مجلس القيادة؟
أم الدولة المضيفة؟
أم أن الجنوبيين مجرد طرف يُطلب منه أن يتوافق، ثم تُرفع أوراقه إلى جهة أخرى لتقرر مصيرها؟
من أعطى التفويض لمن؟
العليمي يقول إنه طلب من السعودية استضافة الحوار، والسعودية تقول إنها استجابت لطلبه. وهذه حقيقة وردت في البيان السعودي الصادر في يناير الماضي.
لكن هنا المفارقة:
كيف يمكن لرئيس مجلس القيادة اليمني أن يطلب من دولة أخرى عقد مؤتمر لمعالجة قضية يقول هو نفسه إنها قضية سياسية جنوبية؟
لا أحد يعترض على أن تكون السعودية وسيطًا أو راعيًا أو مستضيفًا.
لكن الاستضافة شيء، والوصاية على القرار شيء آخر.
والرعاية شيء، وامتلاك حق تحديد سقف النتائج شيء آخر.
والوساطة شيء، وأن تتحول المخرجات إلى توصيات تُرفع إلى مؤسسة يمنية لتقرر مصيرها، شيء آخر تمامًا.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الجنوبيون هو أن يدخلوا قاعة الحوار وهم منشغلون بمن سيجلس إلى جوار من، ومن يمثل هذا المكوّن أو ذاك، ومن حصل على دعوة ومن لم يحصل عليها، بينما يغيب السؤال الأكبر:
ما الذي يملك هذا الحوار أن يقرره أصلًا؟
الجنوب ليس اجتماعًا للمكونات
هناك محاولة واضحة لتحويل القضية الجنوبية إلى مجرد قائمة طويلة من المكونات والشخصيات والتيارات.
وبطبيعة الحال، الجنوب ليس حزبًا واحدًا، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد.
لكن تعدد المكونات لا يعني سقوط القضية.
والاختلاف السياسي بين الجنوبيين لا يعني أن تاريخ الجنوب أصبح بلا قضية.
والحوار بين أبناء الجنوب يجب أن يكون وسيلة لتوحيد الرؤية، لا وسيلة لتحويل القضية من قضية شعب إلى مجرد خلاف بين مكونات.
وهنا ينبغي أن ينتبه الجنوبيون إلى أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفشل الحوار.
بل أن ينجح الحوار في إنتاج مخرجات لا تملك القدرة على تحقيق ما يريده الجنوبيون.
فالفشل الواضح يمكن مواجهته.
أما النجاح الشكلي الذي يُقدَّم للجنوبيين باعتباره إنجازًا تاريخيًا، ثم يكتشفون لاحقًا أن مخرجاته لا تتجاوز حدود التوصيات، فذلك هو الخطر الحقيقي.
ماذا يريدون من الجنوبيين؟
ربما يكون السؤال الأكثر صراحة هو:
هل المطلوب من الجنوبيين أن يتفقوا على حل قضيتهم، أم أن يتفقوا على كيفية استمرار بقائها داخل إطار الدولة اليمنية؟
لأن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حوار يبحث عن حل، وحوار يبحث عن إدارة الأزمة.
ومن هنا فإن كل جنوبي ذاهب إلى الرياض يجب أن يدخل القاعة وهو يحمل مجموعة من الأسئلة قبل أن يحمل ورقة المداخلات:
من يحدد جدول الأعمال؟
من يحدد سقف الحوار؟
من يقرر أن المخرجات نهائية؟
من يملك حق رفضها؟
هل هي ملزمة؟
ولمن؟
وهل يستطيع مجلس القيادة الرئاسي تعديلها أو رفضها أو إعادة تفسيرها؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فإن الجنوبيين أمام حوار جنوبي في الشكل، لكنه ليس جنوبيًا بالكامل في القرار.
وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الزحام.
لا تجعلوا الحوار فخًا أنيقًا
ليس المطلوب من الجنوبيين مقاطعة الحوار.
وليس المطلوب رفض أي جهد للتقريب بين أبناء الجنوب.
بل العكس تمامًا.
الحوار الجنوبي الحقيقي ضرورة تاريخية، لأن الجنوب بحاجة إلى ترتيب بيته الداخلي، وتوحيد خطابه السياسي، وإدارة اختلافاته بعيدًا عن التخوين والإقصاء.
لكن الحوار الحقيقي لا يخاف من الأسئلة.
بل يبدأ بها.
والجنوبي الذي يدخل الحوار من دون أن يعرف من يملك القرار بعد انتهاء الحوار، قد يكتشف بعد فوات الأوان أنه لم يكن شريكًا في صناعة القرار، وإنما كان شاهدًا على صناعة قرار آخر.
لقد قالت السعودية إن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، وإن معالجتها تكون عبر الحوار ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن.
وهنا تحديدًا يجب أن يتوقف الجنوبيون طويلًا أمام عبارة:
«ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن».
لأنها ليست عبارة عابرة.
إنها سقف سياسي.
ومن يقبل بالسقف قبل أن يناقش القضية، يكون قد وافق ضمنيًا على حدود اللعبة قبل أن تبدأ.
الكرة الآن في ملعب الجنوبيين
إذا كان العليمي قد طلب الحوار، والسعودية قد استجابت، فهذا يعني أن الطرفين يعرفان جيدًا لماذا يريدان هذا الحوار وماذا يريدان منه.
أما الجنوبيون، فعليهم أن يعرفوا أيضًا:
لماذا يذهبون؟ وماذا يريدون؟ ومن يملك القرار بعد أن يقولوا كلمتهم؟
القضية الجنوبية ليست ورقة تفاوضية بين أطراف يمنية.
وليست بندًا في جدول أعمال مجلس القيادة.
وليست ملفًا إداريًا يُعاد ترتيبه داخل ما يسمى بالشرعية.
إنها قضية سياسية، وهذا بالضبط ما قاله العليمي بنفسه.
ولذلك، إذا كان قد اعترف بأن القضية سياسية، فعليه أن يقبل بالنتيجة المنطقية لهذا الاعتراف:
أن أصحاب القضية هم من يحددون طبيعة الحل السياسي، لا أن يُطلب منهم الاتفاق على مخرجات، ثم تُرسل تلك المخرجات إلى جهة أخرى لتقرر مصيرها.
وهنا فقط يعرف الجنوبيون معنى الحوار الذي هم ذاهبون إليه.
أما إذا كان المطلوب منهم أن يتفقوا، ثم ينتظروا موافقة الآخرين على ما اتفقوا عليه، فذلك ليس حوارًا يبحث عن حل للقضية.
إنه حوار لإعادة تعريف القضية وفقًا لمن يملك ختم الموافقة.
وهذه، في السياسة، ليست شراكة.
إنها لعبة أخرى… مهما كانت الطاولة فاخرة، ومهما كانت القاعة مكيفة، ومهما كانت الدعوات رسمية.
فالسؤال الذي يجب أن يسبق كل الأسئلة في الرياض هو:
من يملك الكلمة الأخيرة؟
إذا كانت الكلمة الأخيرة للجنوبيين، فليبدأ الحوار.
وإذا كانت الكلمة الأخيرة لغيرهم، فمن حق الجنوبيين أن يسألوا قبل أن يجلسوا:
لماذا نحاور أصلًا؟
الحوار الذي طلبه العليمي… ولمن ستذهب مخرجاته؟ سما نيوز.
مشاهدة الحوار الذي طلبه العليمي hellip ولمن ستذهب مخرجاته
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الحوار الذي طلبه العليمي ولمن ستذهب مخرجاته قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما نيوز ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الحوار الذي طلبه العليمي… ولمن ستذهب مخرجاته؟.
في الموقع ايضا :