انخرط المغرب، منذ اعتماد القانون الإطار 17-51، في ورش إصلاحي عميق لمنظومته التربوية. الهدف واضح: الانتقال من مدرسة الكم إلى مدرسة الجودة والإنصاف والنجاعة والمساءلة. وفي صميم هذا التحول، تبرز مسألة الحكامة. كيف تتخذ القرارات وتنشر وتراقب؟ كيف تشارك الأطراف المعنية في العملية؟ كيف يتم ضبط السياسات وتعديلها؟
يطرح المعيار 13.1 من تقييم المنظومة التربوية هذا المطلب الأساسي: يجب أن تتوفر المنظومة التربوية على إطار حكامة واضح وشفاف وتشاركي، ويجب أن تتوفر على جهاز ضبط يكفل اتساق السياسات التربوية ومطابقتها وتعديلها. يكشف تقييم هذا المعيار، المستنير بتقرير مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (2025)، والتقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات 2024-2025، وتقرير وزارة الاقتصاد والمالية حول المؤسسات والمقاولات العمومية، وأحكام القانون الإطار 17-51 والقانون الإطار 50-21، عن حصيلة قاسية: إطار قانوني طموح يتعايش مع تنفيذ قاصر وضبط غير كاف. هذا التناقض بين النص والممارسة هو سمة من سمات المفارقة المغربية: نصوص رائعة، وواقع ميداني مخيب للآمال.
تشخيص مركز السياسات: حكامة في أزمة
يرسم مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، في مذكرته الصادرة في فبراير 2025 بعنوان « إصلاح منظومة التربية والتكوين في مواجهة معضلة الحكامة »، تشخيصا دون مواربة للمنظومة التربوية المغربية. يذكر المركز أن المغرب يخصص 90.6 مليار درهم للتعليم ، لكن العائد يبقى محدودا. ووفقا للخبير الاقتصادي لعربي الجعيدي، فإن المستوى المتوسط للتلاميذ المغاربة « من بين الأضعف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا »، و « تعليمنا يستهلك الموارد ».
يحدد المركز عدة مظاهر للقصور الهيكلي. الأول هو سياسة تعليمية متقلبة وغير مستقرة : « سياستنا التعليمية تتأرجح – بحسب الظروف والتناوب – بين لحظات من وضع كل المشاكل التعليمية على الطاولة، والتي نادرا ما تملي خطا سياسيا واضحا، وعودة عرضية لقرارات تتخذ بطريقة سلطوية إلى حد ما ». هذه التقلبات تعطل تنفيذ الإصلاح وتخلق مناخا من عدم اليقين بالنسبة للفاعلين الميدانيين.
الثاني هو عجز في فعالية الإنفاق العمومي : « عجز فعالية الإنفاق الوطني في التعليم حقيقي عندما يقاس بالفشل الدراسي والهدر وبطالة الخريجين ». رغم الوسائل المالية الكبيرة، تبقى النتائج دون التوقعات، وتتزايد انعدام ثقة الأسر.
الثالث هو حكامة قاصرة، وصفها المركز بأنها « أكثر مظاهر القصور وضوحا ». ورغم نقل بعض الصلاحيات إلى الأكاديميات والجامعات، لم تحل المنظومة بعد مسائل معقدة، مثل إرساء آليات تقييم الموارد البشرية ومساءلتها. حكامة غير مستقرة للمنظومة تخاطر بعدم ضمان توجيه هادئ للتغيير.
وأخيرا، يشير المركز إلى غياب آليات قيادة وضبط ملائمة وإلى تفاوتات ترابية حادة، مع توزيع « عشوائي جدا » للأساتذة، وإلى تآكل ثقة المواطنين. هذه المظاهر الهيكلية هي كلها عوائق أمام حكامة فعالة للمنظومة التربوية.
إطار قانوني طموح لكنه غير مكتمل
وضع القانون الإطار 17-51، الصادر في 2019، أسسا صلبة: لامركزية معززة، استقلالية المؤسسات، التعاقد على أساس النتائج، القيادة بالمعطيات والمساءلة، ومشاركة الأطراف المعنية. لكن تطبيقه بقي جزئيا. يشير مركز السياسات إلى أن « الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، التي حددها المجلس الأعلى للتربية، واجهت مقاومة شديدة لترجمة مبادئها التأسيسية للإنصاف والمساواة بشكل ملموس ». هذا التناقض بين الطموح التشريعي والواقع العملي هو جوهر معضلة الحكامة.
نصت المادة 57 من القانون الإطار على إحداث لجنة وطنية للتتبع، يترأسها رئيس الحكومة، مكلفة بتحديد التدابير اللازمة لتطبيق القانون الإطار، وتتبع إعداد النصوص التنظيمية والتشريعية، واقتراح تدابير لضمان الاتساق بين السياسات والبرامج في مجال التعليم، وتتبع تطبيق أهداف القانون في الآجال المحددة، وإعداد تقارير نشاط سنوية. كانت اللجنة مفترضة أن تجتمع مرة على الأقل كل ثلاثة أشهر.
لكن هذه اللجنة لم تجتمع عمليا منذ 2021. وهذا القصور خطير لأن المرسوم رقم 2.19.795 الصادر في 3 أكتوبر 2019 كان ينص على أن تفعيل أحكام القانون الإطار يستلزم برنامجا تنفيذيا متكاملا يشمل 6 قوانين تطبيقية و79 مرسوما و80 قرارا وزاريا، كان إعدادها رهنا بعمل هذه اللجنة. أدى تعطل هذه الهيئة إلى شلل التنسيق بين القطاعات الوزارية المختلفة وترك الإصلاحات دون قيادة استراتيجية. وإلى اليوم، لم ينشر سوى عدد قليل من هذه النصوص، ويبقى اتساق السياسات التعليمية أمنية.
أحدث القانون الإطار 50-21، الصادر في 26 يوليوز 2021، إصلاحا لحكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، ومن بينها الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين التي هي مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. وعززت مدونة الممارسات الجيدة لحكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، التي تمت المصادقة عليها في 2025، هذا الإطار بمتطلبات الشفافية والاحترافية والتمثيلية النسائية بنسبة 40 بالمائة على الأقل، والمساءلة والاستدامة. ويشير تقرير وزارة الاقتصاد والمالية حول المؤسسات والمقاولات العمومية إلى جهود ضبط النفقات وتعزيز الرقابة المالية وتحسين الحكامة. لكن هذه المكاسب تبقى نظرية إلى حد كبير ما لم يتم ضمان تفعيلها الفعلي داخل الأكاديميات الجهوية.
حصيلة المجلس الأعلى للحسابات المزلزلة
يؤكد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات 2024-2025 (الصادر بالجريدة الرسمية عدد 7476 مكرر بتاريخ 23 يناير 2026) حجم قصور الحكامة. متابعة التوصيات تشكل مؤشرا رئيسيا للضبط: فعلى المستوى المركزي، تم تنفيذ 18 بالمائة فقط من التوصيات التي كان مبرمجا تنفيذها قبل نهاية 2024 بشكل كامل. هذا المعدل يبقى مطابقا للمسجل في التقرير السابق (2023-2024)، مما يشير إلى ركود مقلق. و47 بالمائة في طور التنفيذ، و35 بالمائة لم تشرع فيها البتة. ويسجل المجلس أن 37 بالمائة من التوصيات المؤجلة لم تسجل أي تقدم ملموس مقارنة بالسنة الماضية.
تتعلق التوصيات الخاصة بقطاع التعليم بشكل خاص بانعدام التقدم: تقييم تدبير الموارد البشرية في قطاع التربية الوطنية، التمدرس بالوسط القروي، المدارس الجماعاتية، التكوين الأساس والتكوين المستمر لهيئة التدريس.
كما أن نسبة إنجاز برامج العقود بين الدولة والجهات لم تتجاوز 9 بالمائة في نهاية أبريل 2024، في حين أن حوالي 80 بالمائة من المشاريع كانت لا تزال في طور الإنجاز. ومن بين 78 اتفاقية موقعة بين 2008 و2020، تم إنجاز 32 برنامجا فقط (41 بالمائة). وأظهر تقييم 158 برنامجا للتنمية الترابية المندمجة أن عدد البرامج المنجزة بالكامل لم يتجاوز 41، أي 26 بالمائة.
عانى برنامج تقليص الفوارق الترابية والاجتماعية، المخصص له 50 مليار درهم، من إخفاقات كبرى. ساهم صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية بنسبة 47 بالمائة من الغلاف، والمجالس الجهوية بنسبة 40 بالمائة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بنسبة 8 بالمائة، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بنسبة 5 بالمائة. لكن التوزيع القطاعي للاعتمادات يكشف عن أولوية واضحة لفك العزلة الترابية: ما يقرب من 71 بالمائة من التمويلات امتصتها المشاريع الطرقية، مقابل 29 بالمائة فقط للصحة والتعليم والماء والكهرباء. وفي قطاع التعليم، تركز 66 بالمائة من الاعتمادات في ثلاث جهات فقط، استناداً إلى بيانات قديمة، مما يشكل مخاطر على الاستخدام الفعال للبنية التحتية التي تم إنشاؤها.
مشاركة رمزية وضبط قاصر
تظل مشاركة الأطراف المعنية رمزية إلى حد كبير. يسلط مركز السياسات الضوء على « عجز في التعبئة حول المدرسة » و « تآكل الثقة ». واللجنة الوطنية للتتبع، التي كانت مفترضة أن تشرك جميع القطاعات المعنية، غير فعالة منذ 2021. والمجالس الجهوية، رغم مساهمتها بنسبة 40 بالمائة في تمويل برنامج تقليص الفوارق، لم تكن ممثلة في هياكل الحكامة. يدعو المجلس الأعلى للحسابات إلى إرساء « نظام حكامة القرب» يشرك، بالإضافة إلى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، الجماعات الترابية وجمعيات المجتمع المدني، التي « يمكن أن تلعب دورا مهما في تعزيز التمدرس وتقليل نسبة الهدر المدرسي ». لكن هذه التوصية، مثل كثير غيرها، تبقى حبرا على ورق.
ثلاثة مؤشرات لحصيلة واحدة من الإخفاق
المؤشر 13.1.1 – نسبة القرارات المتخذة والمنشورة بشفافية. يمتلك المغرب إطارا شكليا للحكامة، لكن تنفيذه على مستوى الشفافية غير كاف. عدم انعقاد اللجنة الوطنية للتتبع، وضعف نسبة إنجاز برامج العقود (9 بالمائة)، والثغرات في برمجة برنامج تقليص الفوارق، وغياب النشر المنهجي لتقارير التقييم تؤكد عجزا في الشفافية. الحكم: المؤشر غير محقق.
المؤشر 13.1.2 – نسبة مشاركة الأطراف المعنية. المشاركة رمزية في كثير من الأحيان. انعدام ثقة الأسر مقلق، واللجنة الوطنية للتتبع، التي كانت مفترضة أن تشرك جميع القطاعات المعنية، غير فعالة منذ 2021. ويدعو المجلس الأعلى للحسابات إلى تعزيز هذه المشاركة عبر نظام حكامة القرب. الحكم: المؤشر غير محقق.
المؤشر 13.1.3 – نسبة استعمال آليات الضبط. نسبة تنفيذ التوصيات هي 18 بالمائة، مطابقة للسنة الماضية، مما يشير إلى ركود. 37 بالمائة من التوصيات المؤجلة لم تسجل أي تقدم. وآلية الضبط الرئيسية – اللجنة الوطنية للتتبع – غير فعالة منذ 2021. وضعف نسبة إنجاز المشاريع العمومية (9 بالمائة) يشهد على غياب ضبط فعال. الحكم: المؤشر غير محقق.
توصيات
لكي يكون المعيار 13.1 محققا بالكامل، ينبغي للسلطات العمومية: إعادة تفعيل اللجنة الوطنية للتتبع المنصوص عليها في المادة 57 من القانون الإطار للتعليم بشكل عاجل؛ التعجيل بنشر النصوص التنظيمية للقانون الإطار ؛ تفعيل القانون الإطار 50-21 ومدونة الممارسات الجيدة لحكامة المؤسسات والمقاولات العمومية داخل الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين؛ تعزيز متابعة توصيات المجلس الأعلى للحسابات لتجاوز نسبة 18 بالمائة؛ تحسين نسبة إنجاز المشاريع العمومية (9 بالمائة) باعتماد تخطيط واقعي؛ إرساء نظام حكامة القرب يشرك الجماعات الترابية والمجتمع المدني؛ توضيح الأدوار بين الإدارة المركزية والأكاديميات الجهوية؛ لامركزية تنفيذ الميزانية؛ تعزيز آليات القيادة والضبط؛ والعمل على أن يدمج صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية أولويات التعليم بشكل كامل، وتصحيح الخلل الحالي (71 بالمائة للطرق، 29 بالمائة للقطاعات الاجتماعية).
إذا لم يتم الشروع في هذه الإجراءات دون تأخير، سيبقى المغرب في وضعية يتعايش فيها إطار حكامة شكلي مع ممارسات غير شفافة ومشاركة رمزية وضبط غير كاف. عدم انعقاد اللجنة الوطنية للتتبع منذ 2021، وضعف نسبة إنجاز برامج العقود (9 بالمائة)، ونسبة تنفيذ التوصيات (18 بالمائة) تؤكد إلحاحية إصلاح عميق لحكامة التعليم. حان الوقت لكي تصبح الحكامة رافعة حقيقية لتحويل المنظومة التربوية المغربية.
مشاهدة تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2025 الحلقة 25 الحكامة التربوية الحلقة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015 2025 الحلقة 25 الحكامة التربوية الحلقة المفقودة في الإصلاح قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2025 الحلقة 25: الحكامة التربوية، الحلقة المفقودة في الإصلاح.
في الموقع ايضا :