وكان صاحب “ويكون إحراق أسمائه الآتية” رائدا للمغامرة الشعرية، درَس بجامع القرويين، وجامعات بغداد والرباط وباريس، ثم صار لعقود أكاديميا من الرعيل الأول للجامعة المغربية بعد الاستقلال، أطر أجيالا من الباحثين، كما كان ناقدا وساردا أغنى الخزانة القارئة باللغة العربية، وتوج بجوائز من قبيل “الأركانة العالمية للشعر” و”جائزة المغرب للكتاب”.
وواصل المصباحي: “إن لقاء البساطة بالعمق، لقاء إشراق العبارة بغموض المعنى، هو ما يشدك إلى شعر السرغيني”، مردفا: “إن بساطته تجعله في حل من ركوب القصائد الطوال، مستعجلة إياه بالمضي في التقاط ما في الوجود والصيرورة من مكامن السخرية والجمال. ولمّا كان السرغيني من بين الصناع المهرة (…) فقد استطاع أن يسبك مقتطفاته الوجودية وغنائمه الشعرية في لغة عالية من الجودة والعتاقة والإيحاء”.
ورصد المفكر نقد الشاعر السرغيني “للعقل ولواحقه النظرية والمعرفية (…) فهو بعد أن يشير سريعا إلى إفلاس العقل (في ديوان) ‘من فعل هذا بجماجمكم’ يعلن صراحة: ‘أرغبُ في فك لغز الذبابة دون اللجوء إلى العقل’، ويلمح في مكان آخر إلى ضيق العقل بقوله ‘لرحم الأم المُليّن بزيت الصوجا باب يقود العقل نحو عنق الزجاجة'”.
وعاند شعر السرغيني المعرفة أيضا، وفق قراءة المصباحي، “فهي لديه إما مرتبطة بالجهل وبالرزق؛ إنه يفضّل مقايضتها برقصة المحارب: ‘كن معرفة وجهلها ولا تكن وثيقة معقوفة/يافاطر الساج الذي به السرير!/ عذَّبَني الغائب في الشاهد. خذ ثمرة الغنوص واقبل رقصة أخيرة في راحة المحارب!’؛ لأنه لا يريد أن يقطع مع الوجود في سبيل الذات ‘واهاً لمقولات ينسفها قطع التيار!'”.
“فاس والسرغيني”
وواصل قارئ السرغيني: “لم تكن مقولاته مفاهيم عقلية، ولا منازل وحضرات ذوقية، وإنما تشبيهات واستعارات شعرية. فمقولات محمد السرغيني لم تكن تتكون من الجوهر والفعل والانفعال والمكان والزمان والهيولى والصورة… ولا من مقامات الوجد والفناء والتوكل والرضا… وإنما من سبع فواكه، من المشمش والبرقوق والتوت… ومن الدُروب والأزقة والألوان التي يحمل كل واحد منها تاريخا شعريا وجدانيا خاصّاً بها يسري في كيان الشاعر”؛ ثم يدلّ قراءَ الشاعر على السبيل: “مَن أراد أن يبحث عن المعنى في شعر السرغيني فعليه أن يؤم أزقة فاس، وأن يتذوق فواكهها ويتعطر بعطورها وأن ينشرح لنسائها. لكن دون تحقيق الوصال والاتصال مع فاس لا بد من شيخ، ولن يكون هذا الشيخ سوى السرغيني”.
في ورقة بعنوان “حول فشل لقاء الشعر والفلسفة والتصوف: في لقاء محمد السرغيني بابن سبعين”، ألقاها محمد المصباحي في ندوة تكريمية للشاعر بكلية الآداب في فاس، ونشرت في مجلة “فكر ونقد” سنة 1998، قابل بين اللقاء الحي بين ابن رشد وابن عربي، واللقاء من وراء حجاب بين السرغيني وابن سبعين، وخلص إلى أنه “رغم اختلاف طبيعة اللقاءين، سواء على مستوى الجنس القولي أو على مستوى الغاية، فإنهما انتهيا معا إلى مآل واحد، هو الفشل”، ثم كتب معلقا: “الراجح أن مقاومة كل من الفلسفة والشعر لأي استدراج للذوبان في جنس القول الصوفي كان من أسباب هذا الفشل المزدوج، ولو أنهما لم يخفيا طمعهما في التعرف على مسالك التجربة الصوفية وتذوق بعض لذّاتها العارمة. لكن بوسعنا أن نضيف سببا آخر لفشل اللقاء بين أجناس القول الثلاثة –الفلسفة والشعر والتصوف -، وهو أنها تصدر عن تجارب وجودية صميمية لا يمكن رد بعضها إلى بعض، بسبب اختلاف موضوعاتها -الوجود واللغة والواحد- وإن كانت تقتسم الشعور بعدم الاطمئنان إلى العادة وإلى الشائع والمتداول من الحقائق والأعراف والشرائع وأنحاء التعبير”.
ثم أردف الكاتب: “إن هروب محمد السرغيني من حيز القول الشعري إلى فضاء القول الصوفي كان هروبا فطريا، حماية لشاعريته كيلا تسقط في أحابيل ‘الكرادلة’ النقاد (…) كان وفيا لطبيعة القول الشعري الذي ليس بد من التجوال والسفر بعيدا إلى الأعالي الشاهقة بين الحين والآخر، حتى لا يُستدرج إلى السقوط في مذهبية مقيتة، أو ولاء شعري ركيك. كان لجوء م. السرغيني للصوفية بمثابة اعتراف صريح منه بعجز اللغة، واستحالة الدلالة، وترهل المؤسسة النقدية، فبات التصوف بهذا الاعتبار ملاذا للدلالة ورمزا للمغامرة والتمرد والعنفوان”.
وواصل المفكر نفسه: “بالفعل لم يسلم معجمه وأسلوب كتابته وموضوعاته الشعرية من التأثر بالقول الصوفي، ولا سيما في إنتاجاته الأخيرة التي انتحل فيها أسلوب المقامات والمقالات؛ فقد صار يتناول موضوعاته كما يتناول الفيلسوف الموجود، وكما يقترب الصوفي من الواحد (…) فتصير مدينة فاس مثلا فواكه سبعاً أو دروبا عشرة، على غرار مقولات الموجود أو مقامات الواحد، فما كان يهمه من التجربة الصوفية هو لغتها وجموحها، لا هدفها ومبتغاها، ما كان يهمه هو الرحلة نفسها لا لحظة الوصول (…) أصبحت فاس هي السرغيني، هي ذكرياته (…) هكذا يتحول موضوع الشعر إلى منطلق إيحاءات الشاعر، يتحول الموضوع الشعري إلى رمز لكل الأشياء من حيث ما هي تحيل على الذات. ولهذا فمن أراد أن يبحث عن المعنى في شعر السرغيني فلن يظفر به، من أراد أن يصل مع السرغيني فلن يصل”.
ويقدّر محمد المصباحي أن السرغيني انتقم لابن رشد، “فقد كان الصوفي (ابن عربي) هو صاحب زمام المبادرة بقطع حبل التواصل بينه وبين الفيلسوف بشيء من المكر، أما الشاعر فأبى إلا أن يكون هو الغالق لباب الاتصال بين الشعر والتصوف والملابسة الداخلية بينهما”، ثم سجل ملاحظة حول الجزم بـ”فشل لقاء الشعر والفلسفة والتصوف”: “ليس في نيتنا قطعا أن ننكر ما للفلسفة والشعر من ذوق وكشف خاص بهما يغنيهما عن التطلع إلى فضاء الجذب والتجليات، ومع ذلك لا نعتقد أن في إمكانهما أن يقطعا مع التصوف على نحو مطلق، سواء على سبيل الاستئناس بأفق آخر، أو على سبيل التعرف على طقوس التجربة الخارقة التي لا ينفك الشاعر يبحث عنها. موازاة لذلك لا يستطيع التصوف بدوره أن يستغني عن الفلسفة والشعر معا، ويشهد على ذلك ابن عربي نفسه، الذي لم يكن حريصا فقط على لقاء ابن رشد وعلى معاشرته ولو في غيبته، بل وأيضا على ممارسة الشعر والفلسفة معا في خضم جذبه وتجليه”.
الإنسان واللغة والمعاني
ومن أجل تحقيق الإنسان ذاته يدعوه السرغيني إلى “الخروج من فراغ الحياد ولامبالاته: ‘أيها الخيش قاوم حيادك بالإبرة الشاغرة’. ويعلق المصباحي على البيت بقوله: “أي بالخروج ‘عن لا وعن نعم'”.
وهنا يشرح المصباحي مسير السرغيني “من أجل اصطياد المعاني الجديدة ولقائه بـ’التصوف’: كان لا يتردد في تحديث عتاده اللغوي بالاقتباس من لغتي التصوف والشعر، ولكنه لم يفعل ذلك مدفوعا برغبة في تناص لفظي يحتفظ بالجنسية الأصلية للأسماء المستوردة من الحقول المجاورة، بل كان يعمد إلى إضفاء هوية جديدة على تلك الأسماء والمفاهيم المقتبسة كيما تكتسب حق المواطنة في مساقِه الشعري الخاص”.
ويواصل المصباحي: “حتى الأسماء التي يقتبسها السرغيني من المعجم الجغرافي أو التاريخي أو النباتي، مثل: الربع الخالي، الكمأة السلافي، السرو، السنديان، أركان، جيليز، زالاغ، سبو، الوادي الكبير، بابل، الإسكندر، إحراق السفن، ابن تومرت، حمو الزياني… يكسوها معنى يخرق عادة معناها الأصلي. بل حتى اللغة اليومية: حقوق المؤلف، اليمين، اليسار، المنتجع، المعتقل، الصناعة الثقيلة، المرآة … تغدو لها أبعاد غير منتظرة”.
وأجمل القارئ بالإحالة إلى إهداء كتبه الشاعر على ديوان له وجّهه للفيلسوف، ويرى فيه المصباحي “مرمى شعره”: “أنت تبحث عن صياغةٍ لكائن مطلق، وأنا أصف كائنا مقيداً. لعل الذي يفصل المطلق عن المقيّد هو ما بين تسامٍ ووضعيّ!”.
محمد السرغيني في قراءة المصباحي .. شِعر يراوح بين البساطة والعمق Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة محمد السرغيني في قراءة المصباحي ش عر يراوح بين البساطة والعمق
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ محمد السرغيني في قراءة المصباحي ش عر يراوح بين البساطة والعمق قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، محمد السرغيني في قراءة المصباحي .. شِعر يراوح بين البساطة والعمق.
في الموقع ايضا :