جاء هذا في دراسة للكاتب والباحث عبد الفتاح الحيداوي، عنوانها “لماذا تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب؟”، خلصت إلى أنه “رغم أن الإسلاميين واليساريين قد التقوا فعليا في بعض فضاءات الاعتقال المشتركة نفسها، لكنهما لم يتقاسما، بعد لحظة الخروج من السجن، الشروط المؤسساتية نفسها التي تحدد قابلية التجربة للتحول إلى أدب متراكم، فقد امتلك اليسار، بدرجات متفاوتة (…) حقلا حقوقيا وثقافيا وصحفيا متكاملا نسبيا ساعده فعليا على إنتاج الشهادة وترويجها وحفظها، بينما بقيت التجربة الإسلامية، في المقابل، محاصرة بين أربعة عوامل متضافرة: إطار أمني يربطها مباشرة بملف الإرهاب بعد سنة 2003 (تفجيرات 16 ماي الإرهابية)، ووصم اجتماعي يخلط خطأ بين التعاطف الإنساني المشروع والموافقة السياسية أو الفكرية غير المطلوبة، وحذر تنظيمي مشروع يخشى كشف تفاصيل الماضي التنظيمي الحساس، وصدمة نفسية عميقة توثقها الأدبيات المتخصصة وتؤجل موضوعيا فعل الاستعادة والكتابة”.
ويتابع عبد الفتاح الحيداوي: “يبدو السؤال عن تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب سؤالا أدبيا في ظاهره، لكنه في عمقه سؤال في التاريخ السياسي والاجتماعي للذاكرة؛ فالمغرب عرف، منذ الاستقلال سنة 1956، تجارب متعددة من الاعتقال السياسي والتعذيب والاختفاء القسري والمحاكمات الاستثنائية، وشملت هذه التجارب تيارات يسارية وقومية وأمازيغية وصحراوية وإسلامية وعسكرية، تباينت مواقعها من السلطة وأشكال تنظيمها ودرجات قمعها. غير أن الحضور الأدبي لهذه التجارب لم يكن متساويا”.
وتنبه الدراسة إلى أن “المادة المتاحة، رغم محدوديتها، تشير إلى وجود مذكرات وشهادات ومقابلات ونصوص متفرقة”، من بينها مذكرات المفضل المغوتي “ويعلو صوت الأذان من جحيم تازمامارت” الصادرة سنة 2009، وكتاب أحمد الحو “عائد من المشرحة” الصادر سنة 2021.
محدودية التدوين
وتفرق الوثيقة بين فترتين من التجارب السجنية “الإسلامية”، مسجلة أنه “لا يجوز، من الناحية المنهجية، وضع جميع المعتقلين الإسلاميين المغاربة في سياق تاريخي واحد، ذلك أن الإسلاميين الذين تعرضوا للاعتقال في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كانوا يتحركون داخل نظام سياسي وثقافي وأمني يختلف اختلافا نوعيا عن النظام الذي ساد ما بعد تفجيرات 2003؛ فقد ارتبطت بعض الاعتقالات الأولى، ولا سيما تلك المتصلة بقضية اغتيال الزعيم النقابي عمر بنجلون سنة 1975، بصراعات الدولة مع الحركات الإسلامية الناشئة آنذاك، وبقضايا تنظيمية وسياسية وأمنية متداخلة يصعب فصلها عن السياق العام لسنوات الرصاص”، وزادت: “كما أن الاعتقال في تلك المرحلة كان جزءا من مناخ قمعي أوسع شمل اليساريين والمعارضين والعسكريين على حد سواء، وإن اختلفت المواقع والأحكام والتمثلات الاجتماعية لكل فئة”، بينما “تختلف مرحلة ما بعد تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي 2003 اختلافا نوعيا عما سبقها؛ فقد جاءت الاعتقالات هذه المرة داخل سياق عالمي ومحلي عنوانه الأبرز (مكافحة الإرهاب)، وفي ظل إعادة تعريف شاملة للعلاقة بين مقتضيات الأمن ومقتضيات الحقوق”.
بالتالي، يواصل المصدر ذاته، “نتيجة لهذا التحول في بنية الاستقبال أصبح السؤال العمومي في كثير من الحالات هو: ‘لماذا اعتقل؟’ بدل أن يكون: ‘ماذا حدث له أثناء الاعتقال؟’؛ والنتيجة العملية لهذا الانزياح أن تجربة التعذيب أو الاحتجاز غير القانوني قد تهمش أو تختزل بسبب استمرار الجدل حول شرعية الاتهام الأصلي أو صحته”.
وتخلص الوثيقة إلى أن “هيئة الإنصاف والمصالحة ساعدت بالفعل على إرساء وترسيخ الشروط المؤسساتية العامة التي أتاحت لاحقا تشكل أدب السجون المغربي، لكنها لم تدمج بالدرجة نفسها الذاكرة الإسلامية اللاحقة زمنيا، الأمر الذي أبقى هذه الأخيرة في وضعية هامشية نسبيا داخل السردية الرسمية للعدالة الانتقالية”.
ثم يضيف المصدر: “يزداد هذا الإشكال تعقيدا حين نأخذ بعين الاعتبار الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في تكريس هذه الصورة النمطية أو تفكيكها؛ فالتغطية الإعلامية لقضايا الإرهاب، سواء في المغرب أو خارجه، تميل غالبا إلى التركيز على الجانب الأمني والاستخباراتي للقضية، مع تهميش نسبي للجانب الإنساني المتعلق بظروف الاحتجاز والمحاكمة. وهذا التحيز البنيوي في التغطية الإعلامية، وإن لم يكن مقصودا بالضرورة، يسهم في ترسيخ الإطار الأمني على حساب الإطار الحقوقي والإنساني في الوعي الجماعي، ما يزيد من صعوبة أن يجد المعتقل الإسلامي السابق منصة إعلامية مستعدة لتقديم شهادته من دون تأطيرها مسبقا ضمن سياق أمني أو استخباراتي يقلل من قيمتها الإنسانية والأدبية”.
عوامل أخرى
من بين عوامل المحدودية في النشر التي تعالجها الدراسة أيضا عوامل ذاتية، من بينها “تقديم بعض البيئات الإسلامية تجربة السجن بوصفها امتحانا للصبر والثبات والاحتساب أمام الله، وهو إطار تفسيري ديني وأخلاقي يمنح المعاناة معنى متعاليا يتجاوز حدود الألم الجسدي المباشر، ويساعد صاحب التجربة على تحملها نفسيا وروحيا؛ غير أن هذا الإطار التفسيري، على قيمته النفسية والروحية بالغة الأهمية بالنسبة إلى الفرد المعني قد يدفع أحيانا، حين ينتقل إلى مستوى الكتابة والتدوين، إلى تقديم التجربة في صورة موعظة دينية أو دفاع مستمر عن صحة الموقف الفكري والعقدي، بدل الانخراط في عملية تفكيك حقيقية للذات وتحليل معمق لآثار السجن في الجسد والعائلة واللغة والهوية الشخصية”، لتستدرك: “لا يعني هذا التحليل بأي حال أن الكتابة ذات المرجعية الدينية عاجزة بنيويا عن إنتاج أدب رفيع المستوى، بل يعني، بدقة أكبر، أن انتقال النص من مقام ‘العبرة’ الوعظية إلى مقام ‘السيرة’ الأدبية المكتملة يحتاج إلى مساحة نصية وذهنية، تسمح بالتناقض والشك والندم والتحول الفكري، وهي عناصر قد تبدو في ظاهرها متعارضة مع خطاب اليقين الديني السائد في بعض السياقات التنظيمية”.
هذا فضلا عن أن “الشهادة الصادرة عن معتقل من فترة ما بعد 2003 قد تقرأ أمنيا، بغض النظر عن نية كاتبها الأصلية، بوصفها اعترافا ضمنيا، أو محاولة تبرير مقنعة، أو كشفا غير مقصود لشبكات تنظيمية حساسة”، حسب الدراسة، التي زادت: “إعادة فتح هذا الملف عبر الكتابة قد تثير خوفا جسديا ونفسيا مستمرا لدى الناجي، لا يقتصر على احتمال ملاحقته هو شخصيا، بل يمتد أحيانا إلى خشية من تبعات محتملة تطال عائلته أو من مازال قريبا منه من رفاق التجربة”.
شق مؤجل من ذاكرة السجن
وتقدّر الدراسة أن “الشهادة الفردية” قد تكون “مادة أولية خصبة لكتابة تاريخ اجتماعي وسياسي شامل للسجن المغربي بمختلف تجاربه”؛ لأن “كل معتقل سابق، بحكم موقعه الفردي المحدود، يمتلك جزءا واحدا فقط من الصورة الكلية المعقدة، لكن لا أحد بمفرده يمتلك هذه الصورة كاملة بجميع تفاصيلها؛ ولذلك فإن جمع شهادات متعددة فعليا من أماكن اعتقال مختلفة، ومن أزمنة تاريخية متباينة، ومن مستويات اجتماعية وفكرية متنوعة، يمكن أن يسمح فعليًا، إذا ما تحقق منهجيًا، بإعادة بناء خريطة شاملة للذاكرة السجنية المغربية بطريقة أكثر تركيبا وعمقا بكثير من مجرد تراكم سرديات المظلومية الفردية المتفرقة وغير المترابطة فيما بينها”.
وهذا ما يؤدي، وفق المصدر المذكور، إلى “وضوح منهجي تام” مفاده أن “العدالة الحقيقية والبحث العلمي الرصين يقتضيان معا، وبشكل لا يقبل المساومة، الفصل الدائم بين سؤال المسؤولية عن الجريمة المحتملة من جهة وسؤال حظر التعذيب المطلق من جهة أخرى، وبين سؤال تقييم المشروع السياسي أو الفكري من جهة، وحق الإنسان الأساسي في سرد ما وقع له فعليا من جهة ثانية”.
ما سبب قلة مذكرات الإسلاميين السجنية مقارنة بسير الاعتقال اليسارية؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة ما سبب قلة مذكرات الإسلاميين السجنية مقارنة بسير الاعتقال اليسارية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ما سبب قلة مذكرات الإسلاميين السجنية مقارنة بسير الاعتقال اليسارية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ما سبب قلة مذكرات الإسلاميين السجنية مقارنة بسير الاعتقال اليسارية؟.
في الموقع ايضا :