لا تبدو العلاقات المصرية الهندية اليوم مجرد شراكة بين دولتين كبيرتين تبحثان عن مصالح اقتصادية وعسكرية مشتركة، بل امتدادًا لتحالف سياسي تشكل منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين دعمت كل من القاهرة ونيودلهي الأخرى في لحظات شديدة الحساسية، قبل أن تتحول تلك العلاقة لاحقًا إلى أحد أعمدة حركة عدم الانحياز، ثم إلى شراكة استراتيجية حديثة تشمل التجارة والدفاع والاستثمار.
ولعل أفضل ما يختصر طبيعة هذه العلاقة حدث في عامي 1956 و1961. ففي الأولى وقفت الهند إلى جانب مصر خلال أزمة السويس، عندما هاجمت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل الأراضي المصرية بعد قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، بينما ردت القاهرة بعد خمس سنوات بدعم الهند عمليًا خلال عملية استعادة غوا من السيطرة البرتغالية، عندما منعت التعزيزات البرتغالية من المرور عبر قناة السويس.
هذه الوقائع لا تعكس فقط تبادلًا للمواقف الدبلوماسية، بل تكشف عن طبيعة علاقة نشأت مبكرًا على أساس إدراك مشترك لمفهوم السيادة الوطنية ومقاومة الإرث الاستعماري.
الهند وقفت مع مصر في أزمة السويس
في عام 1956، كانت مصر تواجه واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها الحديث، بعدما شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة عقب تأميم قناة السويس.
في تلك اللحظة، لم تتخذ الهند موقفًا محايدًا، بل أدانت التحرك العسكري البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، وأعلنت دعم حق مصر في السيطرة على القناة باعتبارها جزءًا من سيادتها الوطنية.
كان الموقف الهندي مهمًا سياسيًا، لأن نيودلهي نفسها كانت قد خرجت قبل أقل من عقد من الاستعمار البريطاني، ولذلك قرأت أزمة السويس من زاوية تتجاوز المصالح اللحظية، باعتبارها مواجهة بين دولة حديثة الاستقلال وقوى استعمارية سابقة تحاول الحفاظ على امتيازاتها القديمة.
هذا الموقف جعل الهند واحدة من أبرز الدول التي وقفت إلى جانب القاهرة سياسيًا خلال الأزمة، وأسهم في ترسيخ علاقة خاصة بين البلدين استمرت بعد ذلك لعقود.
مصر ردت الجميل في غوا
في عام 1961، تحرك الجيش الهندي لإنهاء السيطرة البرتغالية على غوا، التي كانت لا تزال مستعمرة برتغالية رغم استقلال الهند منذ سنوات.
وخلال العملية، حاولت البرتغال إرسال تعزيزات إلى قواتها الموجودة في غوا، لكن مصر منعت مرور هذه التعزيزات عبر قناة السويس.
وبذلك، استخدمت القاهرة موقعها وسيطرتها على القناة لدعم الموقف الهندي عمليًا، تمامًا كما كانت نيودلهي قد دعمت حق مصر في السيادة على القناة عام 1956.
هذه الواقعة أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر الأمثلة دلالة على طبيعة العلاقات المصرية الهندية، لأنها أظهرت أن الشراكة بين البلدين لم تكن قائمة فقط على البيانات والمواقف السياسية، بل وصلت إلى قرارات عملية في لحظات حساسة.
رابط جمعته تجربة الاستعمار
من الصعب فهم التقارب المصري الهندي من دون العودة إلى التجربة التاريخية المشتركة للبلدين. فكل من مصر والهند خرجتا من الحقبة الاستعمارية البريطانية، وحملتا في السنوات الأولى بعد الاستقلال أو الاستقلال الفعلي رؤية متقاربة تقوم على الدفاع عن السيادة الوطنية ورفض عودة القوى الاستعمارية إلى فرض إرادتها على الدول الجديدة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تتقارب القاهرة ونيودلهي في ملفات دولية كثيرة، خصوصًا تلك المرتبطة بتصفية الاستعمار وحقوق الدول النامية في تقرير سياساتها بعيدًا عن ضغوط القوى الكبرى.
هذا التقارب لم يقتصر على المواقف الرمزية، بل تحول إلى تعاون سياسي منظم ظهر بوضوح مع تأسيس حركة عدم الانحياز.
مصر والهند في قلب حركة عدم الانحياز
لعبت القاهرة ونيودلهي دورًا أساسيًا في تأسيس حركة عدم الانحياز، التي سعت خلال الحرب الباردة إلى منع الدول الجديدة من الوقوع في التبعية المباشرة لأي من المعسكرين الأمريكي أو السوفيتي.
كانت الفكرة الأساسية للحركة تقوم على الاحتفاظ بهامش استقلال في السياسة الخارجية، بدل الانخراط الكامل في أحد قطبي النظام الدولي.
وبالنسبة إلى مصر والهند، كان هذا التوجه امتدادًا طبيعيًا لتجربتهما مع الاستعمار ورغبتهما في حماية استقلال القرار الوطني.
لذلك لم تكن العلاقة المصرية الهندية مجرد علاقة ثنائية، بل كانت جزءًا من مشروع دولي أوسع حاول منح الدول النامية صوتًا مستقلًا في السياسة العالمية.
العلاقة لم تتوقف عند التاريخ
رغم أن الأساس السياسي للعلاقة تشكل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فإن الشراكة بين البلدين لم تختف مع نهاية الحرب الباردة.
العكس هو الذي حدث فالعلاقات المصرية الهندية استمرت وتوسعت تدريجيًا، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والدفاعية، إلى أن رفعت القاهرة ونيودلهي علاقاتهما إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية» في عام 2023.
هذا التطور يعكس انتقال العلاقة من إرث تاريخي وسياسي إلى تعاون أكثر عملية، يقوم على المصالح الاقتصادية والدفاعية المشتركة.
تعاون دفاعي متزايد
يعد الدفاع أحد أهم مجالات التعاون الحالية بين مصر والهند، إذ تشارك القوات المسلحة للبلدين في تدريبات ومناورات مشتركة، وهو ما يعكس مستوى من التنسيق يتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية لأن مصر تمتلك واحدة من أقوى الجيوش في أفريقيا والعالم العربي، بينما تمثل الهند قوة عسكرية كبرى في آسيا.
هذا التقارب الدفاعي يجعل العلاقة بين القاهرة ونيودلهي عنصرًا مهمًا في حسابات السياسة الخارجية المصرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأي تحالفات إقليمية جديدة يمكن أن تضع مصر في مواجهة غير مباشرة مع الهند.
الاقتصاد يعمق الشراكة
تعمل في مصر أكثر من 700 شركة هندية مسجلة، بينها نحو 70 شركة نشطة، فيما تجاوزت استثمارات الشركات الهندية في السوق المصرية 5.5 مليار دولار.
بالنسبة إلى الهند، تمثل مصر سوقًا مهمة وموقعًا استراتيجيًا على طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، كما تمنحها قناة السويس أهمية خاصة في حركة التجارة العالمية.
أما بالنسبة إلى مصر، فالهند شريك اقتصادي كبير وصاعد، ويمكن للعلاقة معها أن توفر استثمارات وفرصًا جديدة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الأسواق التقليدية في أوروبا والشرق الأوسط.
وتعد الهند واحدة من أكبر خمس قوة اقتصادية في العالم اليوم وهي نموذج يحتذى بها لمصر على الصعيد المالي والإقتصادي.
قناة السويس حاضرة مجددًا في العلاقة
من اللافت أن قناة السويس، التي كانت محورًا أساسيًا في واحدة من أولى لحظات التضامن بين مصر والهند عام 1956، ما تزال حتى اليوم عنصرًا مهمًا في العلاقة بين البلدين.
ففي الماضي، دعمت الهند حق مصر في السيطرة على القناة، ثم استخدمت القاهرة القناة نفسها لاحقًا لمنع التعزيزات البرتغالية من الوصول إلى غوا.
أما اليوم، فأهمية قناة السويس لم تعد مرتبطة فقط بالصراع الاستعماري، بل أصبحت جزءًا من حسابات التجارة والطاقة والاستثمار بين آسيا وأوروبا. وهذا يجعل مصر شريكًا ذا قيمة كبيرة بالنسبة إلى الهند، ليس فقط سياسيًا، بل أيضًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.
اقرأ أيضا: تركيا في اتفاق مكة.. وهي التي أسقطت الدولة السعودية الأولى!
تحالف تاريخي بصيغة حديثة
ما يميز العلاقات المصرية الهندية هو أنها نجحت في الانتقال من تحالف سياسي ولد في زمن تصفية الاستعمار والحرب الباردة إلى شراكة حديثة تقوم على المصالح المتبادلة.
في الخمسينيات، وقفت الهند إلى جانب مصر في أزمة السويس. وفي الستينيات، ردت مصر الموقف في قضية غوا. ثم تعاون البلدان في بناء حركة عدم الانحياز، قبل أن تتوسع العلاقات لاحقًا إلى الدفاع والتجارة والاستثمار.
اليوم، وبعد عقود طويلة من تلك اللحظات الأولى، ما تزال العلاقة تحتفظ بجوهرها الأساسي: كل من القاهرة ونيودلهي تنظر إلى الأخرى باعتبارها شريكًا مستقلًا ومهمًا في نظام دولي يتغير بسرعة.
ولهذا يمكن القول إن التحالف المصري الهندي لم يكن مجرد تحالف ظرفي ولد في زمن عبد الناصر ونهرو، بل علاقة استطاعت أن تتكيف مع تحولات العالم وتحافظ على أهميتها حتى اليوم.
ومن أزمة السويس إلى غوا، ومن عدم الانحياز إلى الشراكة الاستراتيجية، تبدو العلاقة بين مصر والهند واحدة من أكثر العلاقات ثباتًا واستمرارية في تاريخ السياسة الخارجية للبلدين.
اقرأ أيضا: كيف تنظر الهند إلى اتفاق مكة؟ ولماذا يتقاطع موقفها مع مصر؟
من السويس إلى غوا.. ما لا تعرفه عن تحالف مصر والهند مجلة أمناي.مشاهدة من السويس إلى غوا ما لا تعرفه عن تحالف مصر والهند
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من السويس إلى غوا ما لا تعرفه عن تحالف مصر والهند قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أمناي ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من السويس إلى غوا.. ما لا تعرفه عن تحالف مصر والهند.
في الموقع ايضا :