يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من محمد عبدالقادر
كشف المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية، فارس النجار، عن حدود قدرة الاقتصاد اليمني على الصمود في حال تحول التصعيد الحوثي الراهن إلى حرب واسعة وطويلة.
وأكد “النجار” في حوار خاص وشامل مع “يمن مونيتور” أن الدولة قادرة على امتصاص صدمات قصيرة ومحدودة، لكنها لا تستطيع منفردة تحمّل كلفة صراع ممتد دون تدفقات خارجية ومخزون استراتيجي آمن للأشهر المقبلة.
أوضح المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية أن التحركات الحوثية الأخيرة على خطوط التماس تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة السيطرة على الموارد الاقتصادية؛ حيث تمثل مأرب مركز الثقل لإنتاج النفط والغاز، بينما يشكل ميناء المخا المنفذ البحري الحيوي للكتلة السكانية والصناعية في تعز، معتبراً أن استهداف المخا يرفع كلفة التجارة ويزيد الضغط على ميناءي عدن والمكلا.
وربط النجار بين التصعيد الحوثي وإعلان الحكومة في 20 يوليو/تموز عن خطة لاستئناف تصدير النفط الخام بطاقة أولية مستهدفة تصل إلى 60 ألف برميل يومياً، مشيراً إلى أن إعلان جماعة الحوثي ما أسمته “حصاراً بحرياً” جاء لعرقلة استعادة الدولة لأهم مواردها السيادية بالنقد الأجنبي، بعد أن تجاوزت الخسائر التراكمية جراء توقف التصدير منذ أكتوبر 2022 أكثر من 6 مليارات دولار.
قيادي بمقاومة تعز لـ”يمن مونيتور”: نملك زمام المبادرة لمواجهة مناورة الحوثيين اليائسة وجبهة “الصلو” سياج الجنوب المنيعمنذ 20 يوليو/تموز 2026، انتقل تصعيد الحوثيين من التهديد بإغلاق الملاحة المرتبطة بالسعودية وإسرائيل إلى حملة متعددة المسارات شملت البحر والحدود والجبهات الداخلية؛ ففي 22 يوليو/تموز أعلنت الجماعة أنها هاجمت بطائرات مسيّرة وصواريخ باليستية ناقلتي النفط السعوديتين Encelia وLayla، ما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أن استهداف السفن التجارية قد يجرّ اليمن إلى صراع إقليمي أوسع.
جاهزية المالية العامة ومؤشرات 2026
وحول الجاهزية الاقتصادية للدولة، أكد فارس النجار إقرار الموازنة العامة لعام 2026 وخطة وزارة المالية (2026–2027) لتنمية الإيرادات، وتوسيع الربط الشبكي المالي، ورفع الجاهزية في المنافذ مع تجاوز تمويل الواردات 3 مليارات دولار في الأشهر الخمسة الأولى عبر منصة إلكترونية منظمة.
وكشف المستشار الرئاسي لـ”يمن مونيتور” عن تسجيل فائض نقدي يقارب 32.6 مليار ريال حتى نهاية أبريل 2026 (إيرادات بلغت 680.8 مليار ريال مقابل نفقات بـ 648.2 مليار ريال)، مع ارتفاع الإيرادات العامة بنسبة 93% مقارنة بالفترة ذاتها من 2025.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، نبّه النجار إلى هشاشة هيكلية في القطاع المصرفي؛ حيث تبلغ الالتزامات بالعملات الأجنبية نحو 5.7 تريليون ريال مقابل أصول بنحو 4.6 تريليون ريال، بفجوة تقارب 1.1 تريليون ريال، ما يجعل استقرار الصرف حساساً لأي صدمات غير متوقعة.
وفي 6 أغسطس/آب، تصاعد القتال داخل اليمن مع هجومين حوثيين على معسكرات حكومية في حضرموت ومأرب، أسفرا عن مقتل وإصابة العشرات من الجنود، وتوالت الهجمات على مأرب ليقتل الحوثيون عدد من المدنيين والعسكريين. وتزامن ذلك مع اشتداد الضربات على الساحل الغربي، إذ تعرضت مدينة المخا ومواقع قرب باب المندب لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ 9 أغسطس/آب، قبل أن يستهدف الحوثيون ويغرقون سفينتي شحن في باب المندب وقتل وأصيب عدد من البحارة. وأدت إلى توقف نشاط ميناء المخا؛ وردت الحكومة اليمنية بهجمات واسعة بالمسيرات على الحوثيين قتلت وأصابت المئات. وخلصت تقديرات إلى أن اليمن بات أقرب إلى عودة الحرب الشاملة، مع تحوّل التصعيد من ضغط بحري محدود إلى مسار عسكري أوسع، وتوسيع جبهات القتال داخل اليمن، وتهديد الممرات الساحلية، بما يقوّض فرص التسوية ويزيد مخاطر التداعيات الإقليمية.
حصري- تشييع 30 عميداً وعقيداً حوثياً في نصف شهر حصري- مخصصات تختفي ومقاتلون يفرون: فساد وجوع ينخر جبهات الحوثيين (مجموعة الأزمات الدولية).. حرب اليمن تعود من جديد: تصعيد متسارع ينذر بمواجهة أوسعفاتورة الرواتب والدعم الخارجي
وبيّن النجار أن فاتورة الأجور في موازنة 2026 تبلغ نحو 1.35 تريليون ريال (ما يقارب ثلث الإنفاق العام)، لافتاً إلى أن الموارد الذاتية ما تزال عاجزة وحدها عن تأمين الالتزامات دون الدعم الخارجي.
وأشار إلى الدور المحوري للدعم السعودي الأخير البالغ 1.3 مليار ريال سعودي (نحو 347 مليون دولار) لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب، إلى جانب منحة مشتقات نفطية للكهرباء بقيمة 150 مليون دولار، وحزمة البنك الدولي التنموية (285 مليون دولار للشراكة و100 مليون دولار للحماية الاجتماعية). وشدد على ضرورة تحول الشركاء من “الدعم الإسعافي” إلى تمويل بناء القدرة الذاتية وتأهيل منشآت التصدير لضمان الاستدامة.
وفي قراءته لأسواق الصرف والسلع، أشار النجار إلى تداول الدولار عند مستويات 1,550–1,558 ريالاً، مؤكداً أن استقرار العملة لا يعكس بالضرورة تحسن المستوى المعيشي في ظل تراجع القدرة الشرائية؛ إذ ارتفعت نسبة الأسر ذات الاستهلاك الغذائي الفقير من 25% في مارس إلى 31% في أبريل.
وحول أضرار ميناء المخا، كشف عن تعطل مشروع تعميق القناة والحوض البالغة كلفته 16 مليون دولار عند نسبة إنجاز 38%، وتضرر نحو 1,500 موظف وعامل، محذراً من اتساع الفجوة التجارية؛ حيث استقبلت موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى نحو 2.259 مليون طن من الغذاء خلال (يناير–أبريل 2026) مقابل 558 ألف طن فقط عبر ميناءي عدن والمكلا.
السيناريو الأسوأ وأولويات المواجهة
وحذر النجار من أن السيناريو الأسوأ يكمن في “تزامن الصدمات” (تعطل الموانئ، تباطؤ الدعم، تعثر تصدير النفط، وضغوط الصرف)، مؤكداً أن المواطن هو من يدفع الفاتورة الأثقل في حال استمرار التصعيد.
وطرح المستشار الرئاسي خطة مواجهة عاجلة ترتكز على: تأمين مخزون استراتيجي من القمح والوقود يُقاس بالأشهر وإعلان مؤشراته دورياً. تفعيل أدوات قانون التجارة الداخلية (رقم 5 لسنة 2007) لوضع سقوف سعرية استثنائية عند الطوارئ مع ضمان تدفق المعروض. وحماية منشآت الطاقة ومنافذ التصدير باعتبارها أصولاً سيادية لا تقبل المساومة. وإعطاء الأولوية في النقد الأجنبي لواردات الغذاء والدواء والوقود وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية النقدية.
نص المقابلة
كيف تقرأون اقتصاديًا التصعيد الحوثي المتزامن في تعز ومأرب خاصة، وبقية الجبهات عامة؟
فارس النجار: أقرأ هذا التصعيد بوصفه صراعًا على مصادر الإيراد السيادي والقدرة الاقتصادية للدولة، وليس مجرد تحرك على خطوط التماس.
فمأرب تمثل مركزًا رئيسيًا لإنتاج النفط والغاز والغاز المنزلي، إلى جانب أهميتها كمصدر للإيرادات وأكبر مناطق استقبال النازحين. وتعز تمثل ثقلًا سكانيًا وتجاريًا وصناعيًا كبيرًا، فيما يشكل ميناء المخا منفذها البحري الأقرب. وعندما يتزامن الضغط على تعز مع استهداف المخا، فإن الأثر الاقتصادي المباشر يتمثل في رفع كلفة التجارة وإضعاف قدرة أحد أكبر التجمعات السكانية في اليمن على الوصول إلى منفذ بحري مباشر.
كما أن توقيت التصعيد مهم؛ ففي 20 يوليو أُعلن عن خطة لاستئناف تصدير النفط الخام، وفي اليوم نفسه أعلنت المليشيا ما سمته “حصارًا بحريًا”. ولا أقرأ هذا التزامن بعيدًا عن الصراع على الموارد، لأن عودة الدولة إلى تصدير النفط تعني استعادة أهم مواردها السيادية وتقليص اعتمادها على المنح والتمويل الاستثنائي.
كما أن التصعيد في حضرموت وشبوة يطال جغرافيا مرتبطة بالطاقة ومنافذ التصدير، وهو ما يجعل حماية منشآت الطاقة والموانئ ومنافذ التصدير جزءًا أصيلًا من حماية الأمن الاقتصادي للدولة.
هل تستعد الحكومة لاحتمال تحول التصعيد الحالي إلى حرب واسعة وطويلة؟
فارس النجار: نعم، ومن زاوية اختصاصي أتحدث عن الاستعداد المالي والاقتصادي، أما الجانب العسكري فله مؤسساته المختصة. ويمكن القول إن قدرتنا على إدارة الصدمات اليوم أفضل مما كانت عليه قبل عامين، لكنها لا تزال أقل مما تتطلبه حرب طويلة.
خلال الفترة الماضية أُقرت الموازنة العامة لعام 2026، كما أُقرت خطة وزارة المالية للعامين 2026–2027 لتنمية الموارد ورفع كفاءة التحصيل وتعزيز الانضباط المالي، وشهدت المؤسسات الإيرادية تغييرات إدارية، إلى جانب توسيع الربط الشبكي بين وزارة المالية والبنك المركزي وفروعه.
وعلى مستوى إدارة الأزمة، رُفعت الجاهزية في الموانئ والمطارات والمنافذ، كما تجاوز تمويل الواردات 3 مليارات دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، مع تشغيل منصة إلكترونية لتنظيم طلبات التمويل.
لكن الاستعداد لتصعيد ممتد يتطلب، في تقديري، ثلاثة أمور إضافية: بناء مخزون استراتيجي من القمح والوقود يُقاس بالأشهر لا بالأسابيع، وإعداد سيناريو مالي بديل يفترض استمرار التصعيد لفترة طويلة، وإدراج حماية منشآت الطاقة والموانئ ضمن كلفة حماية الأصول الاقتصادية السيادية. باختصار، علينا أن نخطط لأشهر لا لأيام.
هل الاقتصاد اليمني قادر على تحمل جولة حرب جديدة في ظل وضعه الحالي؟
فارس النجار: الاقتصاد قادر على استيعاب صدمة محدودة وقصيرة نسبيًا، لكنه لا يستطيع منفردًا تحمل حرب طويلة.
هناك تحسن نسبي في بعض المؤشرات المالية؛ فحتى نهاية أبريل بلغت الإيرادات العامة نحو 680.8 مليار ريال، مقابل نفقات بنحو 648.2 مليار ريال، مسجلة فائضًا نقديًا يقارب 32.6 مليار ريال، بعد حالة العجز التي سادت خلال معظم عام 2025.
كما ارتفعت الإيرادات العامة في أبريل 2026 بنسبة 93% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وهو مؤشر مهم على أثر الإجراءات الإصلاحية وتحسن التحصيل.
لكن هذه الأرقام لا تعني انتهاء الاختلالات الهيكلية. فالاقتصاد ما يزال يعمل في ظل توقف صادرات النفط وضعف النشاط الاقتصادي واتساع الاحتياجات الإنسانية ومحدودية الموارد المتاحة للدولة.
كما توجد نقطة هشاشة في القطاع المصرفي؛ فالالتزامات بالعملات الأجنبية تقدر بما يعادل نحو 5.7 تريليون ريال مقابل أصول بالعملات الأجنبية بنحو 4.6 تريليون ريال، أي بفجوة تقارب 1.1 تريليون ريال. وبالتالي فإن أي اضطراب كبير في سعر الصرف يمكن أن تمتد آثاره إلى الجهاز المصرفي وليس إلى سوق الصرف فقط.
لذلك فإن القدرة على امتصاص صدمة جديدة قائمة، لكنها تظل مرتبطة باستمرار عمل الموانئ ومنشآت الطاقة وانتظام التدفقات الخارجية.
ما مدى قدرة الحكومة على تأمين الرواتب والخدمات الأساسية إذا طال التصعيد؟
فارس النجار: الرواتب تُموّل اليوم من مزيج من الموارد المحلية والدعم الخارجي، ولا تزال الموارد الذاتية وحدها غير كافية لتغطية جميع الالتزامات بصورة مستقرة.
وتقدر فاتورة الأجور في موازنة 2026 بنحو 1.35 تريليون ريال، أي قرابة ثلث النفقات المقدرة، وهو ما يجعل المرتبات أحد أكثر بنود الموازنة حساسية لأي تراجع في الإيرادات.
وفي هذا السياق، قدمت المملكة العربية السعودية مؤخرًا دعمًا للموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي، أي نحو 347 مليون دولار، مخصصًا لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب ومعالجة عجز الموازنة. كما قدمت المملكة منحة مستقلة للمشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار لدعم تشغيل قطاع الكهرباء.
وإذا طال التصعيد، فإن ترتيب الأولويات يصبح ضرورة: المرتبات أولًا، ثم وقود الكهرباء والمياه، ثم الدواء والمستلزمات الطبية، مع إعادة ترتيب النفقات الأقل إلحاحًا عند الضرورة.
والأهم أيضًا هو انتظام مواعيد صرف المرتبات، لأن عدم اليقين بشأن موعد الصرف يمثل بحد ذاته ضغطًا إضافيًا على الأسر.
هل تتوقعون تراجعًا جديدًا للريال وارتفاعًا في أسعار الغذاء والوقود والدواء؟
فارس النجار: وفق المعطيات الحالية، لا أتوقع تراجعًا حادًا في سعر الصرف، لكن يجب التمييز بين استقرار العملة واستقرار الوضع المعيشي.
يتداول الدولار حاليًا عند نحو 1,558 ريالًا للبيع و1,550 ريالًا للشراء، بعد التحسن الكبير الذي شهده سعر الصرف خلال الفترة الماضية.
وانعكس هذا الاستقرار نسبيًا على الأسواق؛ إذ ظلت أسعار السلع الغذائية الأساسية مستقرة نسبيًا، مع زيادات محدودة تراوحت بين 1% و3% في بعض السلع. كما بقيت تكلفة الحد الأدنى لسلة الغذاء أدنى من مستوياتها خلال الفترة المقابلة من العام الماضي.
لكن استقرار الأسعار لا يعني انتهاء الأزمة المعيشية. المشكلة الأساسية اليوم هي ضعف القوة الشرائية والدخل؛ فقد يستقر سعر السلعة، لكن قدرة الأسرة على شرائها تظل محدودة.
أما الوقود فهو أكثر حساسية للصدمات، وأي ارتفاع فيه ينتقل مباشرة إلى النقل والطحن وضخ المياه والكهرباء ثم إلى أسعار بقية السلع، بينما يظل الدواء شديد الانكشاف بحكم اعتماده الكبير على الاستيراد.
لذلك فإن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يقاس بسعر الصرف وحده، وإنما بمدى انعكاس هذا الاستقرار على القوة الشرائية للمواطن.
ما الإجراءات التي يمكن للحكومة اتخاذها لمنع تفاقم الأزمة المعيشية؟
فارس النجار: أرتب هذه الإجراءات بحسب سرعة أثرها على المواطن.
في المدى القصير، يجب إعطاء الأولوية في تمويل النقد الأجنبي لواردات القمح والوقود والدواء، والمحافظة على استقرار الإجراءات الجمركية، وتشديد الرقابة على الأسواق ومنع الزيادات السعرية غير المبررة، مع ضمان استمرار تدفق السلع وعدم تعطيل الاستيراد.
كما تمتلك الحكومة أداة قانونية مهمة في حالات الطوارئ؛ إذ يجيز قانون التجارة الداخلية رقم 5 لسنة 2007 لرئيس الوزراء، بعد موافقة مجلس الوزراء، تحديد سقوف عليا لأسعار السلع الأساسية في حالات الكوارث والطوارئ. ويمكن استخدام هذه الأداة بصورة استثنائية ومؤقتة إذا ظهرت مضاربات أو زيادات سعرية غير مبررة.
لكن تحديد سقف سعري وحده ليس حلًا؛ فإذا حُدد السعر دون ضمان المعروض قد يؤدي ذلك إلى نقص السلع أو ظهور سوق موازية. ولذلك يجب أن يتزامن أي تدخل سعري مع تأمين الواردات والمخزون وتشديد الرقابة على سلاسل التوزيع.
وخلال الأشهر التالية، ينبغي بناء مخزون استراتيجي من القمح والوقود، وتوفير خطوط تمويل مستقرة للمستوردين، والاستمرار في دعم الكهرباء، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية والتحويلات النقدية للأسر الأكثر هشاشة.
ما التداعيات الاقتصادية لاستهداف ميناء المخا وبقية المنشآت والموانئ؟
فارس النجار: أخطر ما في استهداف ميناء المخا ليس حجم الأضرار المادية فقط، بل أنه يضيف ضغطًا جديدًا على منظومة موانئ محدودة القدرة أصلًا.
أدى التصعيد إلى توقف العمليات وتأثر نحو 1,300 عامل بالأجر اليومي ونحو 200 موظف، كما توقف مشروع تعميق القناة والحوض البالغة تكلفته نحو 16 مليون دولار عند مستوى تنفيذ يقارب 38%، وأصبحت خطط تطوير الميناء واستثماراته المستقبلية أمام مخاطر إضافية.
والأثر الأكبر هو ما لا يظهر في صور الدمار. فخلال يناير–أبريل 2026 بلغت واردات الغذاء عبر عدن والمكلا نحو 558 ألف طن، مقابل نحو 2.259 مليون طن عبر الحديدة والصليف ورأس عيسى. وفي الوقت نفسه ارتفعت واردات الغذاء عبر جميع الموانئ اليمنية بنحو 22% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، لكن الجزء الأكبر من هذه الزيادة تركز في الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بينما استمر تراجع الواردات عبر موانئ الحكومة.
هذا التفاوت له أسباب متعددة ولا يمكن اختزاله في التصعيد وحده، لكنه يكشف أهمية الحفاظ على كل منفذ تجاري متاح للحكومة.
لذلك فإن استهداف المخا لا يعني فقط تدمير رصيف أو منشأة، بل رفع كلفة الشحن والتأمين، وإضعاف ثقة التجار وشركات الملاحة، وزيادة الضغط على ميناءي عدن والمكلا.
هل تمتلك الحكومة بدائل لتأمين الغذاء والوقود إذا تعطلت حركة الموانئ والنقل؟
فارس النجار: نعم، توجد بدائل، لكنها أغلى كلفة وأقل قدرة استيعابية.
يبقى ميناء عدن المنفذ الرئيسي والأكثر قدرة على استقبال الواردات، يليه ميناء المكلا على بحر العرب، إلى جانب إمكانية زيادة الاعتماد على المنافذ البرية الشرقية عند الضرورة.
لكن تحويل حركة الاستيراد من ميناء إلى آخر لا يتم دون كلفة؛ فزيادة مسافات النقل والمناولة والتأمين تنعكس في النهاية على سعر السلعة، وتتحمل المحافظات الأبعد عن الموانئ النصيب الأكبر من هذه الزيادة.
والأرقام توضح حدود القدرة الحالية؛ فقد استقبلت موانئ الحكومة نحو 1.701 مليون طن من الغذاء خلال عام 2025، ونحو 558 ألف طن خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026.
لذلك فإن البديل الحقيقي في حالة التصعيد الطويل ليس مجرد ميناء آخر، وإنما مخزون استراتيجي كافٍ. وأرى أن عدد أيام المخزون المتوفر من القمح والوقود يجب أن يصبح مؤشرًا يُتابع ويُعلن بصورة دورية.
ما تأثير التصعيد في مأرب على النفط والغاز وإيرادات الدولة؟
فارس النجار: مأرب تجمع في جغرافيا واحدة بين الطاقة والإيرادات والضغط الإنساني، ولذلك فإن أي تصعيد فيها يترك أثرًا اقتصاديًا يتجاوز حدود المحافظة.
وحتى إذا لم تُستهدف المنشآت النفطية مباشرة، فإن تدهور البيئة الأمنية حول مناطق الإنتاج يرفع تكاليف التشغيل والتأمين ويؤثر في الاستثمار ويهدد استمرارية الإمدادات.
أما على مستوى الإيرادات، فقد توقفت صادرات النفط منذ أكتوبر 2022 عقب استهداف منشآت التصدير، وتجاوزت الخسائر المتراكمة في الموارد الذاتية، وفق التقديرات الحكومية، 6 مليارات دولار.
ولهذا فإن خطة استئناف تصدير النفط بطاقة أولية مستهدفة تصل إلى 60 ألف برميل يوميًا لا تمثل مجرد عودة للإنتاج، وإنما استعادة مورد سيادي للنقد الأجنبي وتحسين قدرة الدولة على تمويل التزاماتها وتقليص اعتمادها على الدعم الخارجي.
لذلك فإن حماية مأرب ومناطق الإنتاج ومنافذ التصدير هي، في جوهرها، حماية للاستقرار المالي للدولة.
هل الدعم الخارجي الحالي كافٍ لمواجهة التداعيات الاقتصادية للتصعيد، أم تحتاج الحكومة إلى دعم إضافي؟
فارس النجار: الدعم الحالي مهم للغاية في حماية الاستقرار المالي والنقدي وتخفيف الضغوط على الموازنة، لكنه لا يكفي لتمويل تصعيد طويل أو احتياجات إعادة الإعمار.
هناك 1.3 مليار ريال سعودي، نحو 347 مليون دولار، لدعم الموازنة، ومنحة سعودية للمشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار لدعم الكهرباء، إضافة إلى حزمة مشروعات للبنك الدولي بقيمة 285 مليون دولار ضمن إطار الشراكة القطرية 2026–2030، ومنحة بقيمة 100 مليون دولار لمشروع النقد مقابل التغذية وسبل العيش.
لكن المسألة ليست حجم الدعم فقط، بل طبيعته واستدامته. المطلوب تدريجيًا هو الانتقال من الدعم الإسعافي الذي يغطي الرواتب والوقود إلى دعم متعدد السنوات يساعد الدولة على استعادة قدرتها الذاتية على توليد الإيرادات، خصوصًا من خلال استئناف صادرات النفط وتأهيل الموانئ ومنشآت الطاقة وتحسين إدارة الموارد.
وباختصار، الدعم الذي يبني قدرة الدولة على توليد الإيراد أكثر استدامة من الدعم الذي يغطي العجز بعد وقوعه.
إذا استمر التصعيد عدة أشهر، من سيدفع الكلفة الأكبر: الدولة أم القطاع الخاص أم المواطن؟
فارس النجار: المواطن سيدفع الكلفة الأكبر في النهاية.
الدولة تستطيع إعادة ترتيب إنفاقها وتأجيل بعض المشروعات، والقطاع الخاص يستطيع تمرير جزء من ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين والتمويل إلى الأسعار، أما الأسرة فلا تستطيع تأجيل استهلاكها الأساسي ولا تمرير الكلفة إلى طرف آخر.
وتظهر المؤشرات هذه الهشاشة بوضوح؛ فعلى الرغم من استقرار سعر الصرف وأسعار السلع الأساسية نسبيًا، ارتفعت نسبة الأسر ذات الاستهلاك الغذائي الفقير من 25% في مارس إلى 31% في أبريل، كما اضطرت نسبة كبيرة من الأسر إلى استخدام استراتيجيات سلبية للتكيف مع تراجع الدخل.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: قد تستقر الأسعار بينما تتراجع القدرة على الشراء.
أما القطاع الخاص فسيتحمل الكلفة الثانية من خلال ارتفاع التأمين وصعوبة التمويل وعدم اليقين وتراجع الاستثمار. وإذا توقف المستورد أو المنتج عن العمل، تنتقل المشكلة بالنسبة للمواطن من ارتفاع سعر السلعة إلى احتمال نقصها.
ولهذا يجب أن يكون معيار نجاح أي سياسة اقتصادية خلال التصعيد هو مقدار ما تحمي به الأسرة والقوة الشرائية، وليس المؤشرات الكلية وحدها.
ما السيناريو الاقتصادي الأسوأ الذي تستعد له الحكومة، وما الذي يجب فعله الآن لتجنبه؟
فارس النجار: السيناريو الأسوأ ليس حدثًا واحدًا، وإنما تزامن عدة صدمات في وقت واحد: تعطل أحد الموانئ الرئيسية، وتباطؤ الدعم الخارجي، وتعثر استئناف صادرات النفط، واضطراب إمدادات الطاقة والغاز من مأرب، ثم تعرض سعر الصرف لضغوط جديدة تمتد آثارها إلى القطاع المصرفي والأسواق.
كل واحدة من هذه الصدمات يمكن التعامل معها منفردة بدرجات متفاوتة، لكن اجتماعها في فترة قصيرة سيضع الاقتصاد أمام أزمة مختلفة تمامًا من حيث الحجم والأثر المعيشي.
ولتجنب ذلك، الأولوية هي حماية الموانئ ومنشآت الطاقة ومنافذ التصدير باعتبارها أصولًا اقتصادية سيادية، وبناء مخزون استراتيجي من الغذاء والوقود، وضمان إطار دعم خارجي أكثر استقرارًا وقابلية للتوقع، وإنجاز استئناف صادرات النفط وتحويل عائداتها عبر القنوات الرسمية، ومواصلة إصلاح الإيرادات ورفع كفاءة التحصيل، مع إعطاء الغذاء والوقود والدواء أولوية في تمويل الواردات وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية.
وأرى أن الخطر الأكبر ليس الانهيار المفاجئ فقط، وإنما التآكل الاقتصادي البطيء؛ فقد يكون سعر الصرف مستقرًا والأسعار مستقرة نسبيًا والمؤشرات المالية أفضل من العام الماضي، بينما تستمر قدرة الأسرة على شراء احتياجاتها في التراجع.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي ليس تحسن الأرقام وحده، وإنما مدى انتقال هذا التحسن إلى دخل المواطن وقدرته على تحمل تكاليف المعيشة.
في حوار مع “يمن مونيتور” .. المستشار الاقتصادي للرئاسة اليمنية يكشف عن استعدادات الحكومة المالية لحرب طويلة مع الحوثيين يمن مونيتور.
مشاهدة في حوار مع ldquo يمن مونيتور rdquo nbsp المستشار الاقتصادي للرئاسة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ في حوار مع يمن مونيتور المستشار الاقتصادي للرئاسة اليمنية يكشف عن استعدادات الحكومة المالية لحرب طويلة مع الحوثيين قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على يمن مونيتور ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، في حوار مع “يمن مونيتور” .. المستشار الاقتصادي للرئاسة اليمنية يكشف عن استعدادات الحكومة المالية لحرب طويلة مع الحوثيين.
في الموقع ايضا :
- After three years under the rubble, Gaza buries the remains of 50 martyrs, most of them women and children
- مدير عام تربية أبين يناقش مع القيادات النقابية التربوية بالمحافظة أوضاع المعلمين والاستعداد للعام الدراسي الجديد
- الطيران الحربي الإسرائيلي ينفّذ غارات على تلال علي الطاهر ودوحة كفررمان في النبطية