نُشر يوم أمس، الخميس 20 غشت 2026، قانون تنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية، وانتهت، من الناحية القانونية على الأقل، واحدة من أعنف المعارك التي عرفها قطاع العدالة في السنوات الأخيرة.
صار القانون نافذا، بعد شهور من الاحتجاج والإضراب والشد والجذب، وبعد أن انتهت محطة المحكمة الدستورية إلى “تعذر البت” في الإحالة التي تقدم بها رئيس مجلس النواب.
لكن الكارثة التي خلفتها هذه المعركة، في نظري، ليست أن قانونا بهذه الأهمية مرّ عنوة، ودون الحد الأدنى الذي كان يستحقه من التوافق والإشراك والإقناع.
فقانون مهنة المحاماة، مهما قيل عنه، ليس كله سيئا. ومهما صحّ من المخاوف التي عبّر عنها المحامون بشأن بعض مقتضياته، فإنه يظل في النهاية قانونا. يمكن أن تتغير الأغلبية، وأن تتبدل موازين القوى، وأن تأتي حكومة أخرى فتعيد فتحه وتعدّل ما ينبغي تعديله فيه.
المصيبة الحقيقية توجد في الثمن الذي انتهينا جميعا إلى دفعه في الجولة الأخيرة من معركة كسر العظام هذه. ثمن وصل إلى المنطقة التي يفترض أن تبقى، مهما احتدم الخلاف السياسي، خارج حلبة اللعب الصغير والضرب تحت الحزام، وهي منطقة الدستور، وآليات حمايته، والمؤسسة المكلفة بالتحقق من احترامه.
ما جرى في محطة المحكمة الدستورية خلال الشهر الأخير من هذه القصة هو، بالنسبة إلي، أخطر ما فيها. لأنه جرّ مؤسسة كان يفترض أن تظل فوق الاشتباك السياسي إلى قلب مستنقعه، وجعلها، بحق أو بغيره، موضوع شكوك وتأويلات وحسابات كان يمكن تجنيبها إياها.
والمسؤول الأول عن الوصول إلى هذه النقطة، وفقا للمعطيات والتفاصيل التي جمعتها من مصادر متعددة خلال تتبعي لهذا الملف، ليس وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مهما كان أسلوبه في الدفاع عن مشروعه مستفزا، ومهما كانت المؤاخذات التي يمكن توجيهها إلى الطريقة التي دبّر بها الحوار مع المحامين.
المسؤول الأول هو رئيس الحكومة عزيز أخنوش.
وإذا كان ثمة شيء يمكن أن نؤاخذ عليه السادة المحامين وهيئاتهم المهنية، فهو أنهم اختاروا، في لحظة حاسمة من معركتهم، المحامي الخطأ حين راهنوا على عزيز أخنوش.
وللمفارقة، يبدو أنهم فعلوا ذلك معتقدين أنه سيكون طريقهم إلى إخراج الملف من يد عبد اللطيف وهبي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من قانون مهنتهم. لكن النتيجة كانت معكوسة تماما. لقد أُخرج ملف مهني وتشريعي حساس من ملعبه الطبيعي، ووُضع في قلب حسابات سياسية أكبر منه، وفي قلب التقاطب الأساسي قبل أشهر قليلة من انتخابات 23 شتنبر.
يمكن أن نقول إن المحامين بدأوا يخسرون معركتهم يوم التقوا رئيس الحكومة عزيز أخنوش في فبراير 2026، وانتهوا معه إلى تشكيل لجنة خاصة لمناقشة نقاط الخلاف بينهم وبين وزير العدل، ثم علقوا احتجاجهم مؤقتا بناء على ذلك. والمشكلة ليست في المبدأ؛ بل في الأثر.
قبل تدخل أخنوش، كان من المفهوم، تكتيكيا على الأقل، أن يراهن المحامون على استهلاك الزمن التشريعي، وعلى دفع المشروع إلى نهاية الولاية دون إتمام مسطرة إصداره، ما دام التوافق مع وزير العدل يبدو مستحيلا. كانت معركة ضغط مهني وسياسي معروفة الحدود والأدوات.
أما عندما صار رئيس الحكومة نفسه جزءا من الصراع، لم تعد المسألة مجرد قانون. صار كل تراجع انتصارا لطرف، وكل تقدم هزيمة لآخر. وتحولت مساحة التسوية إلى حلبة لتكسير العظام.
والأخطر أن أخنوش، عندما اختار التدخل بهذه الخشونة وسحب الملف من يد وزير العدل الذي سبق أن فوّض إليه، بصفته عضوا في حكومته، تدبير هذا القطاع والإشراف على هذا الورش، وضع نفسه أمام مسؤولية كاملة عن النتيجة.
إذا كان الخلاف مع وزير العدل قد بلغ الحد الذي يجعله غير قادر على تركه يدبر واحدا من أهم نصوص ولايته، فقد كان أمامه خيار سياسي واضح: إما أن يظل الوزير مسؤولا عن قطاعه وعن مشروعه، أو أن يتحمل رئيس الحكومة تبعات الوصول بالخلاف إلى نهايته المؤسساتية، ويلتمس من الملك إعفاءه.
أما أن يُسحب الملف من الوزير سياسيا، دون سحب المسؤولية الحكومية منه، ثم تُدار معركة موازية من خلف المشروع، فذلك هو بالضبط النوع من «اللعب الصغير» الذي يجعل الجميع في النهاية يخسرون. وهذا ما حصل.
صادق البرلمان نهائيا على القانون يومي 6 و7 يوليوز 2026، في مجلس النواب ثم مجلس المستشارين. وصادف ذلك وجود عزيز أخنوش في مدينة وجدة في إطار تحركات حزبية مرتبطة بالتحضير للانتخابات. وهناك تواصل أخنوش مجددا مع رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب ونقيب وجدة الحسين الزياني، ثم اتصل برئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي من أجل إحالة القانون على المحكمة الدستورية.
هنا ظهر أن المحامين ربما كانوا قد اختاروا بالفعل محاميا فاشلا لقضيتهم. ليس لأن إحالة القانون على المحكمة كانت في ذاتها خطأ، بل لأن الطريقة التي أُنجزت بها انتهت إلى نتيجة يصعب تخيل نتيجة أكثر عبثية منها: عُلّق مسار إصدار القانون من طرف الملك، ووصل الملف إلى المحكمة الدستورية، وانتظر الجميع شهرا كاملا، ثم اكتشفنا في النهاية أن المحكمة لم تتوصل بالوثيقة التي اعتبرتها ضرورية لممارسة رقابتها، أي النسخة النهائية المطابقة لأصل القانون كما صادق عليها البرلمان.
قرار المحكمة الصادر في 10 غشت كان واضحا في هذه النقطة. رسالة الإحالة أرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين، وضمن وثائقه مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب يوم 6 يوليوز، لكنها لم تكن مرفقة بنص القانون كما انتهت إليه المصادقة النهائية يوم 7 يوليوز. وعلى هذا الأساس قالت المحكمة إن محل الرقابة غير متوفر لديها على النحو الذي يسمح لها بالبت. وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة.
لم تلق المحكمة الإحالة في سلة المهملات منذ اليوم الأول. لقد فتحت المسطرة بالفعل، وحددت القانون المعني، وراسلت الجهات المخول لها تقديم الملاحظات، وتوصل مجلس النواب يوم 13 يوليوز بمراسلة منها بهذا الخصوص. كما تلقت ملاحظات رئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين وأعضاء من البرلمان.
فكيف انتهت، بعد ذلك كله، وبعد استنفاد الأجل كاملا تقريبا، إلى أن النص نفسه غير متوفر لديها بالشكل القانوني الذي يسمح لها بفحصه؟
هل عجزت المحكمة فعلا عن الوصول إلى النسخة النهائية من القانون؟
وهل طلبتها من الجهة المحيلة، أي رئيس مجلس النواب، ولم تتوصل بها؟
وإذا كانت قد طلبتها، فلماذا لم يُجب رئيس مجلس النواب عن طلب بهذه البساطة والخطورة في آن واحد؟
وهل كان مجلس المستشارين، الذي توجد لديه بالضرورة الصيغة التي صادق عليها في 7 يوليوز، مستعدا لمد المحكمة بها، أم اتخذ موقفا آخر خلال مرحلة تقديم الملاحظات؟
ولماذا استطاعت المحكمة، في نازلة قانون المسطرة المدنية قبل عام واحد، الوصول إلى الصيغة النهائية للنص رغم أنها لم تكن مرفقة أصلا برسالة الإحالة، بينما صار غياب الوثيقة نفسها هذه المرة مانعا حال دون ممارسة الرقابة؟
قد يكون لكل ذلك جواب قانوني وتقني مقنع. وقد تكون المحكمة قد طبقت هذه المرة فهما أكثر صرامة لاختصاصها. ليس لدي ما يسمح بإصدار حكم على نيات أعضائها أو مداولاتهم، ولا أحتاج أصلا إلى ذلك.
لكن المشكلة أعمق.
هل جرى، في الطريق إلى هذه النتيجة، توريط المحكمة الدستورية نفسها في اللعب السياسي الصغير؟
هل وُضعت، بفعل الطريقة التي دُبرت بها الإحالة وما أحاط بها من رهانات، في صورة الطرف الذي يُنتظر منه أن ينهي معركة سياسية بدأت خارج أسوارها؟
وهل تكوّنت لدى عزيز أخنوش قناعة مسبقة بأن المحكمة ستكرر ما فعلته في قانون المسطرة المدنية، فتدخل إلى النص وتستخرج منه مقتضيات غير دستورية، حتى ولو لم تقدم لها الجهة المحيلة مآخذ محددة؟
ومن الذي شكّل هذه القناعة المسبقة؟
ثم، وبالمناسبة، هل سبق بالفعل لبعض أعضاء المحكمة الدستورية أن “أحرجوا” أخنوش بالتماسهم منه تخصيص معاش سخي من المال العام لأعضائها بعد انتهاء مهامهم؟
المذكرة التي قدمها فريق الأصالة والمعاصرة إلى المحكمة خصصت جزءا مركزيا من حججها لما سمته “الإحالة البيضاء”، أي إحالة قانون كامل إلى المحكمة دون تحديد مقتضيات بعينها يُدعى أنها تخالف الدستور، ولا بيان أوجه هذه المخالفة.
وذهبت المذكرة إلى حد اعتبار هذا النوع من الإحالات خطرا على طبيعة الرقابة الدستورية لأنه يجعل المحكمة مطالبة بالبحث بنفسها عن العيوب الدستورية، ويمكن أن يزج بها في موقع سياسي لا ينسجم مع وظيفتها القضائية.
فهل انتهى الأمر بجميع الأطراف إلى مطالبة المحكمة، كل بطريقته، بعدم الدخول أصلا في موضوعه؟
هل انقلب الجميع، بمن فيهم رئيس الحكومة، على المسار الذي بدأوه، وتركوا المحكمة ورئيسها وحدهما أمام إحالة ناقصة، بلا نص نهائي وبلا مآخذ دستورية محددة؟
هذه الأسئلة ليست محاكمة للمحكمة الدستورية، بل محاكمة سياسية للطريقة التي وصل بها الملف إلى بابها.
لذلك، إذا كان هناك من انتصار تحقق في هذه المعركة، فمن الصعب أن أعرف صاحبه. عبد اللطيف وهبي حصل على قانونه، نعم. والمحامون خسروا رهانا كبيرا راهنوا عليه لإيقافه. وعزيز أخنوش تدخل ل”إنقاذهم”، فانتهى القانون منشورا في الجريدة الرسمية.
أما المحكمة الدستورية، فقد خرجت من القصة محاطة بأسئلة كان في وسع الجميع أن يعفوها منها.
لهذا قلت إن الكارثة ليست القانون، لأن من كان يريد إسقاط قانون للمحاماة، انتهى به الأمر إلى تعريض هيبة آلية حماية الدستور نفسها للاهتزاز.
ومن استنجد برئيس الحكومة باعتباره محاميه السياسي في مواجهة وزير العدل، اكتشف متأخرا أن محاميه لم يخسر له القضية فقط، بل حوّل وراءه قاعة المحكمة نفسها إلى خراب.
محامي المحامين الفاشل صوت المغرب.
مشاهدة محامي المحامين الفاشل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ محامي المحامين الفاشل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، محامي المحامين الفاشل.
في الموقع ايضا :
- وزارة العدل تعلن حرصها على العمل مع هيئات المحامين لتوفير شروط تطبيق قانون المهنة بعد دخوله حيز التنفيذ
- وزارة العدل تعلن دخول قانون مهنة المحاماة حيز التنفيذ باستثناء 3 مقتضيات
- تقرير مصور .. حفل تكريمي لصحافيين وإعلاميين قتلهم الاحتلال الإسرائيلي أثناء تأدية واجبهم المهني في لبنان عنوانه «شهداء الكلمة والصورة»