من التجربة التركية إلى سوريا الجديدة: ستة مفاتيح لبناء اقتصاد ينتج ويربط ويصدّر ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

غزوان مصري - خاص ترك برس

تمرّ سوريا اليوم بلحظة اقتصادية ربما تكون من أهم اللحظات في تاريخها الحديث؛ فالمطلوب لم يعد مجرد إصلاح ما دمرته سنوات الحرب، بل الإجابة عن سؤال أكبر: أي اقتصاد نريد أن نبني لسوريا الجديدة؟

إعادة الإعمار وحدها لا تصنع نهضة. يمكن بناء الطرق والمباني ومحطات الكهرباء، لكن النهضة تبدأ عندما نبني نظاماً يجعل المحافظة منتجة، والمصنع قادراً على التمويل، والمنتج قادراً على الوصول إلى السوق، والمستثمر مطمئناً، والدبلوماسي قادراً على فتح الأسواق، والسوري في الخارج جزءاً من الاقتصاد الوطني حتى وإن ظل مقيماً في إسطنبول أو الرياض أو دبي أو برلين.

وهنا تقدم التجربة التركية خلال العقدين الماضيين دروساً مهمة. والمقصود ليس استنساخ النموذج التركي؛ فتركيا وسوريا تختلفان في الموارد والمؤسسات والظروف وحجم الاقتصاد، كما أن الاقتصاد التركي نفسه يواجه تحديات معروفة. لكن هناك أدوات نجحت تركيا في بنائها ويمكن لسوريا الاستفادة من فلسفتها وتكييفها مع واقعها.

وأقترح أن يقوم النموذج الاقتصادي السوري للمرحلة المقبلة على ستة مرتكزات مترابطة.

أولاً: المحافظات تنتج.

واحدة من أهم الخبرات التركية هي الانتقال من النظر إلى التنمية باعتبارها قراراً مركزياً يصدر من أنقرة إلى اكتشاف الإمكانات الاقتصادية المختلفة لكل منطقة. تعمل في تركيا اليوم 26 وكالة تنمية إقليمية، وتضم هياكلها ممثلين عن الدولة والبلديات وغرف التجارة والصناعة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتتولى مكاتب دعم الاستثمار فيها متابعة إجراءات المستثمرين والتراخيص والتنسيق مع المؤسسات العامة. (Sanayi Bakanlığı⁠)

وفي 2025 ذهبت تركيا أبعد من ذلك بإطلاق برنامج «حملة التنمية المحلية»، وحددت أربعة مجالات استثمارية ذات أولوية لكل واحدة من الولايات الـ81، بهدف تخصص المدن وتحريك إمكاناتها الإنتاجية وتقليل الفوارق الإقليمية. (Sanayi Bakanlığı⁠)

هذا بالضبط ما تحتاجه سوريا، ولكن بصيغة سورية: خريطة اقتصادية لكل محافظة تحدد مواردها، صناعاتها، قدراتها البشرية، المنشآت المتوقفة، البنية التحتية، فرص الاستثمار، وسلاسل القيمة التي يمكن أن تتميز فيها.

ليس مطلوباً أن تنتج جميع المحافظات كل شيء. المطلوب أن نعرف: بماذا يمكن أن تتميز حلب؟ وماذا تنتج إدلب؟ وما دور حمص؟ وأين تتفوق حماة ودرعا واللاذقية ودير الزور والحسكة ودمشق؟

ثم تُقاس المحافظات بالاستثمار والإنتاج والتصدير وفرص العمل، لا بعدد الاجتماعات والتقارير.

ثانياً: الممرات تربط.

تركيا أدركت مبكراً أن الموقع الجغرافي لا يصبح ثروة لمجرد وجوده على الخريطة؛ وإنما عندما تُبنى حوله الطرق والسكك والموانئ والمعابر والمناطق الصناعية وشبكات التصدير.

وهذا درس شديد الأهمية لسوريا.

فسوريا يمكن أن تستعيد موقعها الطبيعي بين تركيا وأوروبا من جهة، والعراق والأردن والخليج من جهة أخرى، وبين مناطق الإنتاج الداخلية وموانئ المتوسط.

لكن علينا ألا نتعامل مع «الممر الاقتصادي» على أنه طريق تعبر منه الشاحنات. الممر الحقيقي يجب أن يكون:

نقل + سكك حديدية + مناطق صناعية + مراكز لوجستية + تخزين + طاقة + معابر + موانئ + إنتاج.

عندها يمكن لممر مثل تركيا–حلب–حماة–حمص–دمشق–الأردن–الخليج أن يتحول من طريق عبور إلى محور تنمية تتشكل على جانبيه المصانع والمخازن والخدمات وفرص العمل.

ثالثاً: التمويل يمكّن.

لا يستطيع الاقتصاد أن ينمو بالقرارات الإدارية وحدها. المستثمر يحتاج إلى التمويل، والمصنع المتوقف يحتاج إلى رأس مال عامل، والمزارع يحتاج إلى تمويل سلسلة الإنتاج حتى التسويق.

ومن الدروس التركية المهمة بناء شبكة واسعة من أدوات دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والحوافز الاستثمارية، إلى جانب نظام حوافز يميز بين القطاعات والمناطق والمشاريع الاستراتيجية والتكنولوجية والتصديرية. والنظام التركي الحالي يقدم حوافز قطاعية وإقليمية وحوافز خاصة للمشروعات الاستراتيجية والبحث والتطوير والمناطق الحرة. (Türkiye Yatırım Ofisi⁠)

سوريا تحتاج لذلك إلى منظومة وطنية لتمويل الإنتاج تضم صندوق ضمان ائتمان للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتمويل إعادة تشغيل المصانع، وتمويل سلاسل القيمة الزراعية والصناعية، وصناديق استثمار مشتركة مع القطاع الخاص والسوريين في الخارج.

القاعدة يجب أن تكون واضحة: لا نمول الاستهلاك على حساب الإنتاج، بل نوجه جزءاً كبيراً من الموارد المتاحة إلى المشروع الذي ينتج ويوظف ويصدّر.

رابعاً: الدبلوماسية الاقتصادية تفتح الأسواق.

من أهم جوانب التجربة التركية أن السياسة الخارجية والعمل الاقتصادي تحركا في كثير من الأحيان معاً. لم تعد السفارة مجرد قناة سياسية، بل أصبحت التجارة والاستثمار والمعارض والمقاولون والشركات جزءاً أساسياً من الحضور التركي الخارجي.

والنتيجة أن صادرات السلع والخدمات التركية وصلت في 2025 إلى 395.9 مليار دولار، منها 122.6 مليار دولار صادرات خدمات، وفق بيانات رسمية تركية. (Ticaret Bakanlığı⁠)

وسوريا تحتاج إلى فلسفة مشابهة.

أقترح إطلاق البرنامج الوطني للدبلوماسية الاقتصادية قبل إنشاء أكاديمية مستقلة، وتدريب الدبلوماسيين والملحقين الاقتصاديين على الاستثمار والتصدير والتفاوض التجاري وتحليل الأسواق.

ويجب أن يكون لكل سفارة سورية في دولة مهمة اقتصادياً هدف سنوي واضح: كم مستثمراً استقطبت؟ كم شركة ربطتها بسوريا؟ كم منتجاً ساعدت على دخوله السوق؟ وكم فرصة استثمار أو شراكة صنعت؟

خامساً: رأس المال السوري العالمي يعود بالشراكة لا بالشعارات.

وهنا تملك سوريا ميزة لا ينبغي إضاعتها: ملايين السوريين في الخارج، وبينهم رجال أعمال وصناعيون ومديرون ومستثمرون يمتلكون علاقات وأسواقاً وخبرات تراكمت في تركيا والخليج وأوروبا.

لا أعتقد أن الرسالة الصحيحة لهم هي: «أعيدوا أموالكم إلى سوريا».

الأذكى أن نقول لهم:

اجعلوا سوريا جزءاً من استثماراتكم.

يمكن لرجل الأعمال السوري المقيم في إسطنبول مثلاً أن يؤسس مصنعاً مشتركاً في حلب ويبقي شركته ومركز تسويقه في تركيا، ويمكن لرجل أعمال سوري في الخليج أن يجلب التمويل والسوق بينما يتم الإنتاج في سوريا.

ولتحقيق ذلك تحتاج سوريا إلى بوابة موحدة للمستثمر السوري العالمي، وفرص استثمار جاهزة، ومعلومات شفافة، ونافذة واحدة لمتابعة المشروع.

تركيا نفسها اعتمدت مفهوم «المحطة الواحدة» لخدمة المستثمر؛ فمكتب الاستثمار والتمويل التابع للرئاسة يقدم للمستثمر الدعم قبل وأثناء وبعد الاستثمار، ويتابع الملفات ويقدم خدمات متعددة اللغات، وفي مايو/أيار 2026 افتتح نموذجاً جديداً للمحطة الواحدة في مركز إسطنبول المالي. (Türkiye Yatırım Ofisi⁠)

لماذا لا يكون في دمشق وحلب نموذج مشابه؟

سادساً: استعادة العقول قبل استعادة الأموال.

هناك رأس مال أهم أحياناً من المال: الإنسان.

تركيا استثمرت لسنوات في الجامعات والبحث العلمي ونقل التكنولوجيا والمناطق التكنولوجية وربط الاستثمار بالقيمة المضافة، وأصبحت الحوافز الحالية تميز بصورة واضحة الاستثمارات التكنولوجية والبحث والتطوير والمشروعات ذات القيمة الاستراتيجية. (Türkiye Yatırım Ofisi⁠)

وسوريا تمتلك اليوم مخزوناً عالمياً من الأطباء والمهندسين والاقتصاديين والمصرفيين وخبراء التكنولوجيا والمديرين السوريين.

ولا ينبغي أن نطلب من الجميع العودة النهائية. يمكن إنشاء الشبكة الوطنية للكفاءات السورية العالمية بحيث يعود الخبير شهراً أو شهرين في السنة، أو يشارك في مشروع عن بُعد، أو يساعد مؤسسة سورية على نقل تقنية أو تأسيس نظام إداري.

إن تحويل الهجرة السورية من «نزيف عقول» إلى شبكة معرفة عالمية قد يكون واحداً من أهم أصول سوريا في إعادة البناء.

وفي النهاية، الدرس الأهم من التجربة التركية ليس مشروعاً بعينه، بل فلسفة إدارة الاقتصاد: ربط الدولة بالقطاع الخاص، وربط المركز بالمحافظات، وربط الإنتاج بالبنية التحتية، وربط الصناعة بالتصدير، وربط الاستثمار بالدبلوماسية، وتحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية.

وقد بنت تركيا 26 وكالة تنمية إقليمية ووسعت المناطق الصناعية المتخصصة واعتمدت مكاتب دعم الاستثمار وسياسات للتخصص المحلي والحوافز القطاعية والإقليمية. ولم يكن النجاح نتيجة قرار واحد، بل نتيجة تراكم مؤسسات وسياسات ومشاريع على مدى سنوات. (Sanayi Bakanlığı⁠)

وهذه ربما أهم رسالة لصانع القرار السوري اليوم:

لا تعيدوا بناء الاقتصاد السوري القديم؛ ابنوا اقتصاداً سورياً جديداً.

اقتصاداً تكون فيه المحافظات منتجة، والممرات رابطة، والتمويل ممكّناً، والدبلوماسية فاتحة للأسواق، ورأس المال السوري العالمي شريكاً، والكفاءات السورية في كل العالم جزءاً من عملية البناء.

وعندها يمكن اختصار المشروع الوطني كله بمعادلة واحدة:

سوريا تنتج محلياً، وتتكامل وطنياً، وتتصل إقليمياً، وتصدّر عالمياً.

هذه قد تكون نقطة البداية الحقيقية للانتقال من إعادة الإعمار إلى صناعة النهضة السورية.

مشاهدة من التجربة التركية إلى سوريا الجديدة ستة مفاتيح لبناء اقتصاد ينتج ويربط ويصد ر

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من التجربة التركية إلى سوريا الجديدة ستة مفاتيح لبناء اقتصاد ينتج ويربط ويصد ر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من التجربة التركية إلى سوريا الجديدة: ستة مفاتيح لبناء اقتصاد ينتج ويربط ويصدّر.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار