السباحة عكس التيار… أين قدوات التغيير في العالم العربي؟ ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (جو 24) -

 ليست مشكلة العالم العربي دائماً في نقص الموارد أو الكفاءات أو الأفكار، وإنما في ندرة من يملكون شجاعة مخالفة السائد، وقدرة تحويل الفكرة إلى مشروع، ثم إلى مؤسسة، وصولاً إلى تغيير مستدام. فالمجتمعات لا تتغير بالقوانين والخطط وحدها، بل تحتاج إلى قيادات تستطيع مساءلة الواقع، واقتراح بدائل أكثر فاعلية، والدفاع عنها حتى تصبح جزءاً من الواقع الجديد.

من هنا تأتي الحاجة إلى "سباحين عكس التيار"؛ أفراد وقيادات لا يرون الواقع قدراً نهائياً، ولا يستسلمون لمنطق "هكذا وجدنا الأمور"، بل يمتلكون رؤية مختلفة وشجاعة المواجهة ونَفَساً طويلاً في التنفيذ. فالسباحة مع التيار سهلة لأنها تعني فعل ما يفعله الجميع، أما السباحة عكسه فتحتاج إلى قوة داخلية وبوصلة واضحة وقدرة على تحمل المقاومة والإيمان بأن الوصول إلى الضفة الأخرى يستحق العناء.

ليست المشكلة في غياب الكفاءات… بل في غياب قدوات التغيير

يمتلك العالم العربي ملايين المتعلمين وأعداداً كبيرة من أصحاب الخبرات، لكنه يعاني فجوة بين المعرفة والفعل، وبين الفكرة والمؤسسة، وبين الطموح والتنفيذ. والقدوة المطلوبة ليست بالضرورة سياسياً أو صاحب منصب؛ فقد تكون عالماً أو معلماً أو طبيباً أو رائد أعمال أو مفكراً أو شاباً يقرر إطلاق مشروع مختلف.

وتتمثل أهم صفات هذه القدوة في رؤية تتجاوز الواقع، وشجاعة في مواجهته، وقدرة على تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة. فالقيادة الحقيقية لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تسعى إلى تغيير اتجاهه.

اقتصادياً… من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المبادرة

تحتاج الاقتصادات العربية إلى الانتقال من الاعتماد الكبير على النفط والعقار والتجارة التقليدية والإنفاق الحكومي، نحو اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا والابتكار والاقتصاد الرقمي. وتعني السباحة عكس التيار اقتصادياً الانتقال من انتظار الوظيفة إلى صناعة فرص العمل، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن دعم الأنشطة التقليدية فقط إلى الاستثمار في المعرفة والمشروعات الابتكارية.

كما تتطلب مواجهة البيروقراطية والمحسوبية والاحتكار، وبناء بيئة تكافئ الكفاءة والمنافسة وسيادة القانون. فالاقتصاد الذي لا ينتج المعرفة ولا يحولها إلى قيمة مضافة يبقى عرضة للتبعية مهما بلغت موارده.

اجتماعياً… مراجعة ما تحول من الموروث إلى قيد

السباحة عكس التيار لا تعني رفض التراث أو التنكر للهوية او الدين، بل القدرة على التمييز بين ما ينبغي الحفاظ عليه وما أصبح عائقاً أمام التقدم. ومن ذلك النظرة الدونية لبعض المهن، وضعف ثقافة العمل والإنتاج، والبذخ الاجتماعي غير المبرر، وتقديم الولاءات الضيقة على الكفاءة والمواطنة، والخوف المبالغ فيه من الفشل.

فالمجتمع الذي يعاقب أبناءه على الفشل يخسر فرصاً كثيرة للابتكار، لأن الابتكار يقوم على التجربة والخطأ والمخاطرة المحسوبة. لذلك ينبغي إعادة تعريف النجاح ليشمل خلق الفرص، وتأسيس المشروعات، وإنتاج المعرفة، وحل المشكلات العامة، لا الحصول على شهادة أو وظيفة آمنة فقط.

سياسياً… من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل

تحتاج السياسة إلى قيادات تنتقل من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن الشخصنة إلى المؤسسات، ومن الولاءات الضيقة إلى المواطنة، ومن القرارات المرتجلة إلى القرارات المبنية على المعرفة والبيانات.

والقيادة التي تسبح عكس التيار لا تعني المعارضة الدائمة؛ فقد تكون قيادة تعمل من داخل النظام لإصلاحه. كما أن القيادة الحقيقية لا تقاس فقط بقدرتها على كسب الشعبية، بل بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة التي تخدم المصلحة العامة. وكما يقرأ السباح اتجاه الماء وقوته ويختار زاوية حركته، تحتاج القيادة إلى الجمع بين الشجاعة والحكمة؛ فالشجاعة بلا حكمة قد تتحول إلى صدام، والحكمة بلا شجاعة قد تتحول إلى استسلام.

مالك بن نبي… التغيير يبدأ من الأفكار

يقدم المفكر الجزائري مالك بن نبي نموذجاً مهماً للسباحة ضد التيار الفكري. ففي وقت كان الخطاب السائد يفسر التخلف العربي والإسلامي أساساً بالاستعمار والعوامل الخارجية، وجه بن نبي الانتباه أيضاً إلى الداخل، وإلى البنية الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تجعل المجتمع قابلاً للتخلف أو للاستعمار.

ومن هنا طرح مفهوم "القابلية للاستعمار"، موجهاً سؤالاً أكثر صعوبة: ماذا في داخل المجتمع يجعل الاستعمار ممكناً أو يسمح باستمرار آثاره؟ وكانت أهمية هذا الطرح في أنه نقل جزءاً من المسؤولية إلى الإنسان والمجتمع والمؤسسات والثقافة. وهذه سمة أساسية للسباح عكس التيار: طرح الأسئلة التي قد لا يرغب الآخرون في طرحها.

وصفي التل… بناء دولة قادرة على الاعتماد على ذاتها

على المستوى الأردني، تمثل تجربة وصفي التل نموذجاً لقيادة حاولت السباحة عكس التيار سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. فقد ارتبط مشروعه بفكرة بناء دولة منتجة وقوية المؤسسات، قادرة على الاعتماد على قدراتها الوطنية وحماية قرارها ومصالحها.

سياسياً، سعى إلى ترسيخ حضور الدولة ومؤسساتها في بيئة إقليمية مضطربة. واقتصادياً، ارتبط مشروعه بالإنتاج والاعتماد على الذات وتعزيز الزراعة والصناعة واستثمار الموارد الوطنية بدلاً من انتظار المساعدات. واجتماعياً، ارتبط بفكرة المواطن المنتج والمسؤول، وبأن بناء الدولة مسؤولية المجتمع والحكومة معاً.

وتكمن أهمية تجربته في فلسفة القيادة التي حاول تكريسها: الدولة صاحبة القرار تحتاج إلى اقتصاد منتج، ومؤسسات قوية، ومواطن يشعر بأنه شريك في بناء وطنه.

لماذا يحارب المجتمع من يريد تغييره؟

يواجه التغيير عادة ثلاثة أنواع من المقاومة. الأولى ثقافية، حين تُقابل الأفكار الجديدة بالسخرية أو التخوين أو التشكيك. والثانية مؤسسية، حين تصطدم الأفكار بالبيروقراطية وبطء التشريعات والخوف من التجربة. والثالثة مقاومة أصحاب المصالح الذين يخسرون النفوذ أو الموارد أو الفرص نتيجة التغيير.

لذلك لا يكفي طرح فكرة جيدة، بل يجب امتلاك القدرة على إدارة مقاومة التغيير.

كيف نبني بيئة للتغيير؟

لا يمكن مطالبة الأفراد بالسباحة عكس التيار ثم تركهم وحدهم. المطلوب بناء جامعات تشجع التفكير النقدي، ومراكز أبحاث تنتج المعرفة، وحاضنات أعمال توفر التمويل والخبرة، وتشريعات تسمح بالتجربة والابتكار، وإعلام يناقش الأفكار بدلاً من محاكمة أصحابها، ومؤسسات عامة تكافئ الكفاءة والمبادرة، ومؤسسات أمنية لا تُجرّم اصحاب الرأي المخالف ما داموا في صف الوطن.

كما نحتاج إلى تمويل جريء، وتعليم يعلّم الطالب السؤال والتفكير وحل المشكلات، وثقافة ترى الفشل في التجارب المحسوبة جزءاً من التعلم. لكن حماية قدوات التغيير لا تعني منحهم شيكاً على بياض؛ فالاختلاف الحقيقي يجب أن يستند إلى المعرفة والبيانات والتجربة والتقييم، لا إلى الرغبة في المخالفة لمجرد المخالفة.

من القدوة الفردية إلى منظومة التغيير

أخطر ما يمكن فعله هو انتظار «الزعيم المنقذ». فالنهضة المستدامة لا يصنعها فرد، مهما كانت قدراته، بل منظومة قادرة على إنتاج القيادات وحماية الأفكار وتحويل التجارب الناجحة إلى مؤسسات وسياسات عامة.

فمالك بن نبي كان صوتاً فكرياً مختلفاً، ووصفي التل نموذجاً لقيادة حاولت ترجمة رؤية الدولة والاعتماد على الذات إلى ممارسة سياسية واقتصادية واجتماعية. لكن المطلوب اليوم ليس استنساخ أي منهما، وإنما إنتاج جيل جديد يفهم عصره وأدواته؛ جيل يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة، والتعليم استثماراً، والاقتصاد الرقمي مجالاً للسيادة، والمؤسسات وسيلة للاستدامة، والمواطن شريكاً.

العالم العربي لا يحتاج إلى حكومات تدير الواقع فقط، لكنه يحتاج أيضاً إلى قدوات تصنع الأمل، وقيادات تمتلك الرؤية والشجاعة، ومؤسسات تمنحها فرصة العمل، ومجتمع يتقبل الاختلاف والتجربة.

 

 

.

مشاهدة السباحة عكس التيار hellip أين قدوات التغيير في العالم العربي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ السباحة عكس التيار أين قدوات التغيير في العالم العربي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، السباحة عكس التيار… أين قدوات التغيير في العالم العربي؟.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار