الكلب الذي انقلب شاة ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (سما نيوز) -

قصة قصيرة كتب: د. مسعود عمشوش

كان شهر أغسطس من عام 1994 يوشك أن ينتهي، لكن صيف حضرموت لم يكن يعرف معنى الانتهاء. فمنذ الصباح كانت الشمس معلقة فوق الطريق مثل قرص من نحاس، والهواء الساخن ينساب من نوافذ السيارة المفتوحة حاملاً رائحة التراب اليابس والعرق وبقايا غبار الطريق. كنا عائدين من تريم بعد ليلة قضيناها في ضيافة عمي عبد الله الفقيه. كنت أقود السيارة، وأبي إلى جواري، بينما كانت أمي وأختي الصغيرة تجلسان في المقعد الخلفي. كانت أختي قد أخذها النعاس، وأسندت رأسها إلى النافذة، فيما كانت أمي تراقب الطريق بصمت. كانت البلاد يومها لا تزال تعيش ارتدادات حرب يوليو. كل شيء كان يبدو مختلفًا. حتى الطريق الذي أعرفه منذ سنوات بدا لي كأنه طريق آخر. وعندما تجاوزنا الطريق المحاذي لحوطة سلطانة، ظهرت أمامنا النقطة الأمنية التي استحدثت عند مفرق صليلة. كانت النقطة عبارة عن عدد من الجنود اليمنيين وساتر ترابي وبعض الحواجز، وعلى مقربة منها توقفت سيارات متفرقة، بينما كان الجنود يراقبون المارة بنظرات متحفزة. نظر أبي إلى الطريق، ثم قال فجأة: — وُقّف. خففت السرعة وأوقفت السيارة. كان في منتصف الطريق كلب ميت. جثة هزيلة مغطاة بالغبار، وقد بدا واضحًا أن سيارة مرت فوقه أو اصطدمت به، فطرحته في ذلك الموضع. قال أبي: انزل أبعد الكلب من الطريق. فتحت الباب ونزلت. كانت حرارة الأسفلت تصعد إلى وجهي. اقتربت من الجثة، وانحنيت وأمسكتها بكيس بلاستيكي من أحد أطرافها وسحبتها إلى جانب الطريق. لم أفكر لحظتها في شيء. كل ما أردته أن أفتح الطريق للسيارات القادمة. وحين انتهيت، نفضت يدي من الغبار واتجهت نحو السيارة. وقبل أن أضع قدمي على عتبة الباب، سمعت صوتًا خلفي: — أنت! التفت. كان أحد الجنود اليمنيين قادمًا نحوي مسرعًا من جهة النقطة. قال وهو يقترب: — لماذا قتلت الكلب؟ حدقت فيه لحظة، ظننت أنه يمزح. قلت: أنا؟! — أيوه، أنت. وأشرت إلى الجثة: — هذا الكلب كان ميتًا قبل أن أنزل من السيارة. أنا فقط أبعدته عن الطريق. لكنه لم يبدُ مقتنعًا. وقال بلهجة آمرة: — هذه مخالفة. عليك ألفا ريال. ابتسمت من شدة غرابة الموقف. — ألفا ريال مقابل ماذا؟ — مقابل قتل الكلب. قلت: يا أخي، أنا لم أقتله. كان أبي قد فتح باب السيارة ونزل. اقترب منا وقال بهدوء: — يا أخي، نحن وجدناه ميتًا في وسط الطريق، وولدي نزل فقط وأبعده. التفت الجندي إلى أبي، ثم إلى زملائه، وكأن الحقيقة أصبحت مسألة تحتاج إلى تصويت. وقال: — الكلام واضح. الولد قتل الكلب. ارتفع صوت أبي قليلًا: — وكيف قتله وهو كان ميتًا عندما نزل من السيارة؟ لم يجب الجندي. وبعد لحظات جاء قائد النقطة. استمع إلى روايتنا، ثم قال الجملة التي ستظل عالقة في ذاكرتي سنوات طويلة: — ادفعوا ألفي ريال وانتهى الموضوع. قال أبي: لن ندفع شيئًا لم نفعله. فأجاب القائد ببرود: — إذن تذهبون إلى الشرطة. نظر أبي إليّ. ثم نظر إلى أمي في المقعد الخلفي. لم تكن أمي تعرف ماذا تقول. كانت تتابع الحوار من خلف الزجاج، وعيناها تنتقلان بيننا وبين الجنود. قال أبي: طيب. نروح الشرطة. عدت إلى مقعد القيادة، وجلس أبي إلى جانب والدتي واختي. أما الجندي، ففتح الباب وصعد إلى السيارة، وجلس إلى جواري، يحمل سلاحه بين يديه. تحركنا. طوال الطريق لم يتحدث أحد. كنت أشعر بأن شيئًا غير طبيعي يحدث، لكنني لم أستطع أن أحدد ماهيته. كان السؤال الذي يلح عليّ: كيف يمكن لكلب ميت أن يصبح قضية؟ ولم أكن أعرف أنني بعد دقائق سأكتشف أن الأمر أكبر من ذلك. وصلنا إلى الشرطة في سيئون. كان المكان يعج بالجنود. وجوه كثيرة، أغلبها بل جميعها لم تكن من أبناء المنطقة. وكانت نشوة الانتصار التي أعقبت السابع من يوليو لا تزال واضحة في بعض الوجوه، وفي نبرة الكلام، وفي الطريقة التي ينظر بها بعضهم إلينا. دخلنا. جلس أبي أمام المسؤول، وجلست أنا إلى جواره. أما الجندي فوقف منتصبًا، وكأنه جاء ليقدم بلاغًا عن جريمة خطيرة. قال: هذا الشخص كان يقود سيارته بسرعة جنونية بالقرب من النقطة، وصدم شاة تابعة لنا كانت تعبر الطريق، فقتلها. رفعت رأسي. شعرت للحظة أنني لم أسمع جيدًا. -شاة؟ التفت إلى أبي. وكان أبي ينظر إليّ هو الآخر. ثم قلت: شاة؟! قال الجندي: نعم، شاة. قلت: لكنها كانت كلبًا! لم يرد. التفت إلى أبي وقلت: — نحن وجدنا كلبًا ميتًا في الطريق، وأبي طلب مني أن أبعده فقط. لكن المسؤول لم يكن مهتمًا بالتفاصيل. قال: طيب. قيمة الشاة ألفان ريال. ضحكت، لا لأن الأمر مضحك، وإنما لأنني لم أعرف ماذا أفعل غير ذلك. قلت: يا أخي، قبل قليل كانت كلبًا! نظر إليّ الرجل ببرود. قال: — الآن نتكلم عن شاة. قال أبي: يا أخي، نحن لا نرفض دفع حق أحد، لكننا لم نقتل شاة. لم تكن هناك شاة أصلًا. رفع المسؤول يده، وكأنه يريد إسكاتنا. ثم قال: ألفان قيمة الشاة، وألفان مقابل متابعة القضية. أربعة آلاف ريال. هكذا انتهى الحساب. أربعة آلاف ريال كي تعود الشاة إلى الحياة، أو ربما كي يتحول الكلب إلى شاة في الأوراق الرسمية. حاول أبي مرة أخرى أن يشرح. لم يسمع أحد. وحين أدرك أن الجدال لن يغير شيئًا، اضطر إلى العودة مع أمي وأختي إلى البيت لإحضار المال. أما أنا فبقيت هناك. جلست في مكان ما من ممر الشرطة. لم يكن معي سوى الوقت والدهشة. كنت أفكر في الكلب. تخيلته ملقى وسط الطريق كما رأيته صباحًا. كلبًا ميتًا. ثم تخيلته في محضر الشرطة. شاة. لا أعرف لماذا شعرت يومها أنني لا أجلس في مركز للشرطة، وإنما في مكان تستطيع فيه الكلمات نفسها أن تتغير جنسًا ولونًا وحقيقة. كلب يصبح شاة. والحادث يصبح مخالفة. والاعتراض يصبح عنادًا. والحقيقة تصبح شيئًا يمكن أن تدفع ثمنه. بعد وقت بدا لي طويلًا، عاد أبي. كان يحمل المال. دفع الأربعة آلاف ريال. خرجنا. لم نتحدث كثيرًا في طريق العودة. كانت أمي صامتة، وأختي الصغيرة نائمة من جديد. أما أنا فظللت أنظر من النافذة إلى الطريق. عندما وصلنا إلى المكان الذي كانت فيه جثة الكلب، التفتُّ إليه. ومنذ ذلك اليوم، كلما تذكرت تلك الحادثة، لا أتذكر الكلب وحده. أتذكر كيف يمكن للسلطة، حين تفقد ميزانها، أن تجعل الكلب شاة، والخطأ جريمة، والضحية متهمًا. وأتذكر أيضًا أن أكثر ما أخافني يومها لم يكن مبلغ الأربعة آلاف ريال. كان خوفي من السؤال الذي بقي معي طوال السنوات التالية: إذا كان الكلب قد استطاع في دقائق أن ينقلب شاة، فكم من الحقائق الأخرى استطاعت أن تتغير بالطريقة نفسها؟ واليوم، بعد كل هذه السنوات، أعود إلى تلك الحادثة القديمة. لا لأستعيد أربعة آلاف ريال. ولا لأبحث عن الكلب. فالكلب مات منذ زمن. لكنني أبحث عن شيء آخر. أبحث عن الفرق بين دولة تقول إن القانون يحمي الناس، وسلطة تستطيع أن تكتب في ورقة أن الكلب شاة، ثم تطلب منك أن تدفع ثمن الشاة. وأتساءل: ذلك كان منطق المنتصرين في السابع من يوليو 1994… فهل انتهى ذلك المنطق حقًا؟ أم أن أفراد قوات الطوارئ المنتشرون اليوم بكثافة في سيؤن يتهيأون، هم أيضا، إذا اقتضت الحاجة، لقلب كل كلب في سيؤن إلى شاة؟

الكلب الذي انقلب شاة سما نيوز.

مشاهدة الكلب الذي انقلب شاة

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الكلب الذي انقلب شاة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما نيوز ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الكلب الذي انقلب شاة.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار