وتكمن قوة هذا الحوار على صفحات جريدة هسبريس في كون العوفي لا يقدم نفسه بوصفه صاحب أجوبة نهائية، وإنما بوصفه قارئًا تعلم أن يشك في أدواته بقدر ما يشك في النصوص التي يقرؤها؛ لذلك تبدو مراجعة الذات عنده امتدادًا طبيعيًا لفعل النقد، ويغدو الشعر في تجربته ملاذًا من صرامة المفهوم، فيما تتحول السينما إلى فضاء آخر لاختبار العلاقة بين الصورة والفكرة والإنسان؛ ومن هنا تتخذ آراؤه معنى يتجاوز حدود الاختصاص، لتطرح سؤالًا أعمق: ماذا يبقى من الثقافة حين تفقد قدرتها على إنتاج المعنى؟.
في ما يلي نص الحوار:
في البدايات كنت أؤمن بأن المناهج النقدية الحديثة تمتلك قدرة شبه مطلقة على تفكيك النصوص وإضاءة مناطقها المعتمة. كنت مأخوذا بما أحدثته البنيوية والسيميائيات والتفكيكية والتأويلية ونظرية التلقي من ثورات معرفية داخل الفكر النقدي العالمي، وكنت أرى فيها مفاتيح جديدة لفهم الأدب والفن. غير أن التجربة علمتني شيئا بالغ الأهمية؛ وهو أن المنهج، مهما بلغت دقته، لا يستطيع أن يعوض حساسية الناقد ولا حدسه الجمالي ولا خبرته الإنسانية؛ فالنصوص العظيمة كثيرا ما تتمرد على الأدوات التي نحاول إخضاعها لها، وتظل تحتفظ بسرها الخاص، وكأنها تقول لنا إن الجمال لا يُختزل في شبكة من المفاهيم، وإن الإبداع أكبر من أي جهاز اصطلاحي.
لقد علمتني الكتابة أن أخطر أشكال الجمود ليس أن يتوقف الإنسان عن القراءة، وإنما أن يعتقد أنه انتهى من التعلم؛ لذلك مازلت أشعر بأن الناقد الذي يسكنني (رغم أنني شاعر ومترجم أيضا) لم يعد ذلك الشاب الذي كان يبحث عن اليقين داخل الكتب، بل أصبح قارئا أكثر تواضعا أمام الحياة، وأكثر اقتناعا بأن النصوص الكبرى لا تمنحنا أجوبة، وإنما تعلمنا كيف نصوغ أسئلة أجمل. وربما لهذا السبب أيضا أصبحت أنظر إلى النقد بوصفه أخلاقا قبل أن يكون معرفة؛ أخلاق الإصغاء، وأخلاق الاختلاف، وأخلاق الاعتراف بأن الحقيقة الأدبية لا تُمتلك، وإنما يُقترب منها باستمرار.
ـ طالما أوليتَ علاقة الشعر بالتشكيل عناية استثنائية، هل تعتقد أن هذه العلاقة مازالت قادرة على إنتاج الدهشة الجمالية، أم أن الشعر أصبح يعيش في ظل هيمنة الرواية، حتى بات حضوره أقرب إلى مقاومة صامتة منه إلى مشروع أدبي متجدد؟.
لقد وجدت في الفن التشكيلي المغربي، منذ سنوات طويلة، مختبرا بصريا بالغ الثراء، وكانت قراءتي لتجارب عدد من الفنانين التشكيليين (سواء في التصوير الصباغي أو في الفوتوغرافيا) محاولة لفهم الكيفية التي تتحول بها الألوان إلى أفكار، والخطوط إلى رؤى، والفراغ إلى خطاب جمالي. وكنت أشعر، كلما اقتربت من لوحة صادقة أو صورة فوتوغرافية عميقة الدلالة، أنني أقترب في الوقت نفسه من قصيدة لم تُكتب بعد. وربما لهذا السبب كتبت كثيرا عن التشكيل والفوتوغرافيا، وزاوجتُ في الكثير من تجاربي الشعرية بين الشعري والتشكيلي، لأنني كنت أبحث، من خلاله، عن الامتداد البصري للشعر.
قد يبدو الشعر اليوم أقل حضورا في المشهد الإعلامي، لكنه مازال الفن الأكثر قدرة على مقاومة الاستهلاك السريع؛ إنه يشبه الينابيع الخفية التي لا يراها أحد، لكنها تظل تمد النهر بالحياة. ولعل أجمل ما في الشعر أنه لا يحتاج إلى الضجيج كي يبرر وجوده؛ يكفي أن يظل قادرا على إنقاذ اللغة والروح معا من الصدأ، والإنسان من العالَم واليومي.
أخشى أحيانا أن تكون الوفرة أخفت عنا سؤال الجودة. فالسوق الثقافية، مثل أي سوق أخرى، قادرة على صناعة الظواهر بسرعة، لكنها ليست قادرة دائما على صناعة القيمة. وقد ساهمت الجوائز، من حيث لا تقصد أحيانا، في تحويل الرواية إلى مشروع قابل للتسويق أكثر من كونها مشروعا جماليا وفكريا. وأصبح بعض الكُتّاب يكتبون وهم يستحضرون لجان التحكيم أكثر مما يستحضرون قلق الكتابة نفسها.
ومع ذلك لا يجوز أن نعمم هذا الحكم، فقد استطاعت الرواية المغربية أن تقدم أسماء وتجارب رفيعة، وأن تقتحم أسئلة الهوية والذاكرة والتاريخ والهامش والسلطة والجسد والمنفى بلغة فنية متجددة، وأن تخرج من المحلية الضيقة إلى أفق إنساني أرحب. غير أن هذا المشروع مازال يحتاج إلى نقد روائي أكثر صرامة واستقلالية، لأن ازدهار الإبداع لا يكتمل إلا بازدهار النقد القادر على التمييز بين القيمة والضجيج، بين المغامرة الفنية الحقيقية والنجاح الإعلامي العابر.
ــ يُقال إن الشعر هو أول ضحايا العصر الرقمي. من موقعك شاعرا وقارئا وناقدا، هل فقد الشعر سلطته الرمزية داخل الثقافة المغربية والعربية، أم أنه مازال الفن الأكثر قدرة على إعادة اكتشاف الإنسان وسط ضجيج العالم؟.
لا أعتقد أن الشعر هو ضحية العصر الرقمي، بقدر ما أعتقد أن الإنسان نفسه أصبح ضحية السرعة التي ابتلعته؛ فالتكنولوجيا لم تقتل الشعر، وإنما غيرت شروط تلقيه، كما غيرت من قبل علاقة الإنسان بالكتاب، وبالصورة، وبالذاكرة، وبالزمن. إن ما يواجهه الشعر اليوم ليس منافسة وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما ذلك الإيقاع المحموم الذي جعل الإنسان يستهلك كل شيء بسرعة، حتى أحزانه لم تعد تجد الوقت الكافي كي تنضج.
حين أقرأ المشهد الثقافي اليوم لا أشعر بأن الشعر قد اختفى، بل أشعر بأنه عاد إلى موقعه الطبيعي؛ بعيدا عن الأضواء، قريبا من الأسئلة الكبرى. ربما فقد الشعر جمهوره الواسع، لكنه لم يفقد قراءه الحقيقيين. وهناك فرق كبير بين الجمهور والقارئ. الجمهور يبحث غالبا عما يسلّيه، أما قارئ الشعر فيبحث عما يوقظه من سباته، وما يعيد إليه دهشته الأولى بالعالم. ولعل المفارقة أن العصر الرقمي، الذي يتهمه كثيرون بإضعاف الشعر، أعاد في الوقت نفسه الاعتبار إلى بعض خصائصه. فالصورة الكثيفة، والاختزال، والإيحاء، والانزياح، كلها عناصر أصبحت جزءًا من لغة التواصل الجديدة، وإن كانت تُستخدم في سياقات مختلفة. غير أن الشعر وحده يمنحها عمقها الوجودي، ويحررها من الاستهلاك اليومي.
هذا سؤال رافقني منذ بدأت أكتب الشعر والنقد، وربما كان أحد الأسئلة المؤسسة لمشروعي كله. فقد كنت مقتنعا منذ البداية أن المعرفة لا وطن لها، لكن المفاهيم لا تصبح حية إلا حين تعبر جغرافية جديدة وتدخل في حوار مع نصوص مختلفة. ولذلك لم أكن يوما من دعاة الانغلاق على التراث، كما لم أكن من أنصار الاستسلام الكامل للمناهج الغربية. كنت أرى أن الطريق الأصعب، لكنه الأكثر خصوبة، هو أن نجعل هذه المناهج تشتغل داخل أسئلتنا نحن، لا أن نشتغل نحن داخل أسئلتها هي.
وأعتقد أن النقد العربي مازال، في جزء كبير منه، يعيش هذه الإشكالية. نحن نترجم المفاهيم بسرعة أكبر مما ننتجها، ونستورد الأسئلة أكثر مما نصوغ أسئلتنا. وليس العيب في الاستفادة من الفكر العالمي، فالحضارة الإنسانية قامت دائما على التبادل، وإنما العيب أن نكتفي بالاستهلاك، وأن نظل أسرى المركزية المعرفية الغربية دون أن نضيف إليها شيئا من خصوصياتنا الثقافية والحضارية المحلية.
لقد كنتُ، في معظم ما كتبتُه من كتُب ودراسات ومقالات، أحاول أن أجعل النص المغربي هو الذي يقود القراءة، لا أن أقوده أنا نحو نتائج جاهزة. وربما لهذا السبب كنت دائما منحازا إلى النقد الذي ينصت أكثر مما يتكلم، ويكتشف أكثر مما يصنف، لأن النصوص العظيمة لا تحتاج إلى من يفرض عليها المعنى، بل إلى من يساعدها على كشف إمكاناتها المضمرة.
ــ رغم أن اهتمامك انصب أساسًا على الأدب، كتابة القصيدة والنقد التشكيلي، فإن السينما أصبحت اليوم تكتب سردًا بصريًا ينافس الرواية ويستعير من الشعر لغته الداخلية. هل تعتقد أن النقد السينمائي المغربي تأخر في إقامة حوار معرفي حقيقي مع الفن السينمائي؟.
أعتقد أن النقد السينمائي المغربي، رغم الجهود المهمة التي بذلها عدد من النقاد والباحثين، مازال في حاجة إلى تعميق حواره مع الفلسفة، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والدراسات البصرية، لأن الفيلم ليس مجرد قصة مصورة، بل وثيقة ثقافية تكشف تحولات المجتمع، وتعيد تشكيل وعيه بذاته. لقد لفت انتباهي، خلال السنوات الأخيرة، أن السينما المغربية أصبحت أكثر جرأة في مساءلة التاريخ والهوية والذاكرة والهامش والأسئلة الوجودية، بينما ظل جزء من النقد يتعامل معها بأدوات قديمة، وكأن الفيلم مجرد نص أدبي تم تحويله إلى صور. والحال أن الصورة تمتلك نحوها الخاص، وشعريتها الخاصة، ومنطقها الخاص في إنتاج الدلالة.
إنني أحلم بنقد سينمائي مغربي يقرأ الفيلم كما يقرأ القصيدة؛ يصغي إلى صمت الصورة، وإيقاع اللقطة، وبلاغة الضوء، ورمزية المكان، وتحولات الجسد، ويجعل من الكتابة عن السينما كتابة إبداعية موازية، لا مجرد تقرير تقني أو انطباع صحفي. لأن الفيلم العظيم، مثل القصيدة العظيمة، لا ينتهي عند الشاشة، وإنما يبدأ فيها، ثم يواصل حياته داخل ذاكرة المتلقي، وهناك فقط تبدأ مهمة النقد الحقيقية.
ومع ذلك إذا كان عليّ أن أحدد الجذر العميق لهذه الوضعية فسأقول إننا نعيش، قبل كل شيء، أزمة معنى. فقد أصبح إنتاج الثقافة في كثير من الأحيان خاضعا لمنطق التدبير الإداري أكثر مما هو خاضع لمنطق الرؤية الحضارية. تحولت الثقافة، في عدد من المؤسسات، إلى سلسلة من الأنشطة والمهرجانات والملتقيات التي تنتهي بانتهاء صورها في وسائل التواصل الاجتماعي، بينما ظل السؤال الجوهري غائبا: ماذا نريد أن نبني ثقافيًا؟ وأي إنسان نريد أن نصنع من خلال الثقافة؟ ناهيك عن أشكال الفساد التي أصبحت ظاهرة متفشية في المشهد الثقافي المغربي.
كان المغرب عرف عبر تاريخه الثقافي الحديث أسماء أدبية وفكرية كبيرة فرضت حضورها بقوة أعمالها لا بقوة مواقعها. كانت القصيدة أو الرواية أو الدراسة النقدية هي بطاقة العبور الوحيدة إلى الاعتراف. أما اليوم فإن كثيرا من الأصوات الثقافية باتت تتحدث عن تشكل ما يشبه “الأوليغارشية الثقافية”، أي نخبة ضيقة تحتكر مواقع القرار الرمزي داخل عدد من المؤسسات والهيئات واللجان، وتعيد توزيع الامتيازات والغنائم داخل دائرة مغلقة من العلاقات المتبادلة.
ولا أخفيك أنني أشعر بقلق خاص تجاه الصحافة الثقافية المغربية، لأنها كانت، في فترات مضت، إحدى أهم وسائل الغربلة والمنابر التي تصنع الذائقة، وواكبت التجارب الجديدة، وخلقت الحوار بين المبدعين والقراء. كانت الصفحة الثقافية فضاءً للنقاش، لا مجرد مساحة للإخبار. وكانت الملاحق الثقافية تؤدي دورا لا يقل أهمية عن دور الجامعات، لأنها كانت تنقل الفكر إلى الفضاء العمومي. أما اليوم فقد تقلص حضورها بشكل مؤلم، وأصبحت الثقافة في كثير من وسائل الإعلام هامشًا يُملأ عند وجود فراغ، لا محورًا من محاور بناء الوعي.
ورغم كل ذلك لا أنتمي إلى مدرسة التشاؤم، ففي المغرب اليوم طاقات إبداعية حقيقية، وشباب يكتبون بجرأة، ويصورون أفلاما لافتة، ويشتغلون في الفنون البصرية والموسيقى والبحث الأكاديمي بكفاءة عالية. لكن هذه الطاقات تحتاج إلى بيئة ثقافية نظيفة تؤمن بالاستمرارية، لا بالمناسبات، وبالمشروع، لا بالحدث العابر. لقد تعلمت من تجربتي أن الثقافة لا تُبنى بالمراسيم ولا بالشعارات، وإنما تُبنى بالعمل اليومي الصبور، وبالمؤسسات التي تحقق التراكم والعدالة الثقافية بعيدا عن ثقافة الريع، وبالنقاد الذين يكتبون لأنهم يؤمنون بالكتابة، لا لأن موسما ثقافيا يقتضي ذلك. وحين تستعيد الثقافة المغربية هذا النفس الطويل سأكون أول المتفائلين بمستقبلها.
ــ كثيرًا ما يتحول الناقد مع الزمن إلى مرجع، والمرجع قد يتحول دون أن يشعر إلى سلطة. كيف حافظ بوجمعة العوفي على حقه في الشك، وعلى قدرته في مراجعة قناعاته، دون أن يقع في إغراء اليقين النقدي؟.
لقد كنتُ أراجع نفسي باستمرار، وأعيد قراءة كتبي السابقة كما لو أنها أعمال كتبها شخص آخر. وأحيانا أبتسم حين أجد نفسي اليوم مختلفا مع بعض ما كتبته بالأمس. لكنني لا أشعر بالحرج من ذلك، بل أشعر بالامتنان. لأن هذا الاختلاف يعني أنني مازلت أتحرك، وأن الفكر بداخلي لم يتجمد. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الناقد والمبدع هو أن يقع كل واحد منهما في حب صورته؛ حينها يبدأ في الدفاع عن آرائه لأنها نابعة منه، لا لأنها مازالت صحيحة. أما أنا فقد حاولت دائما أن أدافع عن الفكرة لا عن صاحبها، وأن أكون وفيا للنص أكثر من وفائي لأي منهج أو اسم أو تيار.
نحن نعيش اليوم لحظة تاريخية تشبه، في تقديري، اللحظات الكبرى التي غيرت علاقة الإنسان بالمعرفة، مثل اختراع الطباعة أو ظهور الإنترنت؛ فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية جديدة، بل هو حدث حضاري يعيد تعريف مفاهيم كثيرة: الكتابة، والتأليف، والإبداع، والقراءة، وحتى معنى الذكاء نفسه. ولا أخفي أنني أنظر إلى هذه التحولات بفضول أكثر من خوفي. فكل ثورة معرفية تثير في بدايتها كثيرا من المخاوف، لكنها تفتح أيضا إمكانات جديدة لم نكن نتخيلها. غير أن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب؟ بل: ماذا يعني أن نكتب أصلا؟.
ومع ذلك فإن النقد لا يستطيع أن يتجاهل هذا الواقع الجديد، بل أعتقد أنه مطالب بإعادة صياغة أسئلته. سنكون بحاجة إلى نقد يميز بين الأصالة والمحاكاة، وبين الخبرة الإنسانية والخبرة الاصطناعية، وبين النص الذي يولد من معاناة الوجود، والنص الذي يولد من تحليل البيانات. وسيتعين على الناقد أيضا أن يقرأ الأعمال التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بوصفها جزءًا من بنيتها الفنية، وأن يدرس كيف ستتغير مفاهيم المؤلف، والخيال، والملكية الإبداعية، واللغة نفسها. نحن مقبلون على مرحلة ستفرض على النقد أن يتحول من جديد، وأن يبتكر أدواته كما فعل في كل منعطف حضاري سابق.
ــ لو عاد بك الزمن إلى البدايات وبين يديك كل ما راكمته من إبداع شعري ومعرفة وتجربة وأسئلة هل كنت ستكتب القصيدة نفسها والمشروع النقدي نفسه، أم أن بوجمعة العوفي اليوم كان سيختار طريقًا آخر، أكثر مغامرة، وأكثر اقترابًا من المناطق التي ظل النقد العربي يتردد طويلًا في اقتحامها؟.
كلما تقدمت بنا الحياة يُخيل إلينا أن العودة إلى البدايات أصبحت ممكنة في الخيال وحده. غير أنني لا أحب أن أنظر إلى الماضي بعين الندم، لأن الإنسان لا يختار إلا بما كان يملكه من معرفة في لحظة الاختيار. ولو عدتُ إلى تلك البدايات لما كنتُ الشخص نفسه الذي يقف اليوم أمام هذا السؤال. كنت سأكون ذلك الشاب الذي يكتشف العالم لأول مرة، ويحمل دهشته الأولى، وقلقه الأول، وأحلامه الأولى. ولذلك أعتقد أنني سأكتب، في الجوهر، القصيدة نفسها، لأنها كانت ابنة ذلك العمر، وسأخوض المشروع النقدي نفسه لأنه كان استجابة لأسئلة زمنه.
وأظن أن تجربتي مع النقد التشكيلي، ثم مع السينما، كانت في حقيقتها محاولة لكسر هذه الحدود. لم أشعر يوما أن الأدب كافٍ لفهم الإنسان، ولا أن اللوحة التشكيلية يمكن قراءتها بعيدا عن الشعر، ولا أن الفيلم السينمائي يمكن فهمه دون الاستعانة بالفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ. كنت أبحث دائما عن تلك المنطقة التي تتجاور فيها الفنون، لأن الإنسان نفسه لا يعيش في حقول منفصلة، بل في تجربة واحدة تتداخل فيها الصور والكلمات والأصوات والذكريات. لو عدت إلى البدايات أيضا، لربما منحت وقتا أكبر للكتابة الإبداعية. فالناقد مهما حاول أن يخفي ذلك يحمل داخله مبدعا أو شاعرا يخاف أحيانا من الإفصاح عن هشاشته. وقد علّمتني السنوات أن النقد والإبداع ليسا خصمين، بل وجهان لرحلة واحدة؛ الأول يفسر العالم، والثاني يحلم به، الأول يحلل، والثاني يضيء العتمات. وما أجمل أن يلتقي ضوء الإبداع ولغته بالتحليل داخل الكتابة.
أعترف بأنني أقضي مع العنوان أحيانا وقتا لا يقل عن الوقت الذي أقضيه مع النص نفسه؛ فالعنوان، في تصوري، ليس بطاقة تعريف، ولا لافتة توضع على الغلاف، بل هو النص الأول الذي يقرؤه القارئ، والعتبة التي يدخل عبرها إلى العالم الذي أريد أن أبنيه؛ ولذلك أتعامل معه كما يتعامل الشاعر مع مطلع القصيدة، أو الرسام مع اللمسة الأولى فوق البياض. وكثيرون هم الذين يعتقدون أن العنوان يأتي بعد انتهاء الكتابة، بينما يحدث معي في أحيان كثيرة أن يولد قبل النص بوقت طويل، ثم يظل يرافقني كفكرة غامضة، وكأنه نجمة بعيدة أهتدي بها أثناء الكتابة. وقد يحدث العكس أيضا، أن أنتهي من الكتاب كله، ثم أشعر أنني لم أعثر بعد على اسمه الحقيقي، فأظل أبحث عنه كما يبحث الأب عن الاسم الذي يليق بوليده.
وربما لهذا السبب تميل عناوين كتبي إلى الجمع بين المفهوم والصورة، وبين الفكرة والاستعارة. أحاول دائما أن يكون العنوان امتدادا لروح الكتاب أو النص، لا مجرد تلخيص لموضوعه؛ فالكتاب النقدي أيضا يحتاج إلى شيء من الشعر، كما تحتاج القصيدة إلى شيء من الفكر. وأنا لا أرى تناقضا بين الأمرين، لأن أجمل العناوين هي تلك التي تجعل الفكر أكثر شفافية، وتجعل الصورة أكثر عمقًا. إن اختيار العنوان بالنسبة إليّ يشبه اختيار البذرة؛ ففي البذرة تختبئ الشجرة كلها، وفي العنوان تختبئ احتمالات النص كلها. وإذا كان النص هو رحلة الكتابة فإن العنوان هو اللحظة الأولى التي يقرر فيها القارئ أن يرافقك في تلك الرحلة أو أن يتركك وتمضي وحدك.
ــ كلمة مفتوحة لك.
وأنا أنظر اليوم إلى المشهد الثقافي المغربي والعربي لا أشعر باليأس، رغم كل ما يحيط بنا من ارتباك وضجيج. لأن الثقافة علمتني أن الحضارات لا تُقاس بلحظات الانكسار، وإنما بقدرتها على استعادة أسئلتها الكبرى. وما دام هناك طفل يفتح كتابا في جهة مّا من هذا الكوكب للمرة الأولى، وشاعر يكتب دواوينه وقصائده رغم يقينه بأنها لن تصبح الأكثر رواجا ومبيعا، وفنان يرسم لوحته لأنه يؤمن بأن اللون يستطيع أن يغير نظرتنا إلى العالم، وناقد يكتب قراءة نزيهة دون أن ينتظر مقابلًا، فإن الأمل سيظل ممكنا.
وأود، في هذه الكلمة، أن أتوجه إلى الجيل الجديد من المبدعين والنقاد. لا تجعلوا غايتكم أن تصبحوا مشهورين، بل اجعلوا غايتكم أن تكون لكم إضافة حقيقية. لا تستعجلوا النشر قبل نضج التجربة، ولا تكتبوا لإرضاء الجوائز أو الخوارزميات أو الموضات الثقافية العابرة. اكتبوا لأن لديكم ما يستحق أن يُقال، واقرؤوا أكثر مما تكتبون، وأنصتوا إلى الحياة قبل أن تنصتوا إلى النقاد. لقد تغير العالم، وستتغير أدوات الكتابة، وربما ستتغير حتى طرائق القراءة، لكن شيئا واحدا سيبقى ثابتا: الإنسان سيظل في حاجة إلى من يساعده على فهم نفسه. وهنا تكمن مهمة الأدب، ووظيفة الفن، ورسالة النقد.
العوفي: النقد الحقيقي يبدأ بالشك .. والثقافة المغربية تعاني أزمة معنى Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة العوفي النقد الحقيقي يبدأ بالشك والثقافة المغربية تعاني أزمة معنى
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ العوفي النقد الحقيقي يبدأ بالشك والثقافة المغربية تعاني أزمة معنى قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، العوفي: النقد الحقيقي يبدأ بالشك .. والثقافة المغربية تعاني أزمة معنى.
في الموقع ايضا :