لا أعرف أين تقع تلك الغرفة السوداء، ولا من يسكنها، ولا من يجلس حول طاولتها، لكن يبدو أنها مصدر كثير من القرارات والأفكار التي تتحكم في تفاصيل حياتنا، وتعرف متى تُخرج لنا أزمة، ومتى تطلق موسماً ، ومتى تقدم لنا شعاراً أو هيئة أو لجنة أو سردية جديدة. كلما واجه الوطن أزمة حقيقية، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، تأتي بموسم جديد يشغل الناس عن أزمتهم الأصلية، ويمنحهم شيئاً آخر يتحدثون عنه. عند كل أزمة حقيقية، يقابلها موسم وهمي ، وهكذا أصبح لدينا في الأردن مواسم كثيرة حقيقية ووهمية تستحق النقاش والتعليق، بل إن مناقشتها واجب على كل من يؤمن بأن الصمت ليس دائماً فضيلة، وأن النصيحة مسؤولية، وأن قول الحق في الشأن العام ليس ترفاً . ولأن موسم التسحيج هذه الأيام هو موسم السرديات ، فقد كتبت قبل فترة مادة عن السردية الوطنية، ثم آثرت عدم نشرها لأنني رأيت أن الوقت لم يكن مناسباً ، لكنني قررت أن أبدأ بسرديات أخرى، وأولها اليوم: سردية الزقرت. ولأن مجلس النواب أصبح بدوره موسماً قائماً بذاته، فلا بد من التعريج عليه. من هو الزقرت؟ الزقرت، أو الزكرت، تسمية عراقية وانتقلت إلى اغلب البلاد العربية، ارتبطت بجماعة عُرفت في النجف خلال القرن التاسع عشر، ودخلت في صراعات المدينة وأحداثها. ويربط علي الوردي التسمية بالصقر، وتلفظ في بعض اللهجات المحلية العراقية "الزقر" ، فيما ارتبطت الكلمة في الاستعمال الشعبي بالرجل الشجاع، صاحب الفزعة، الذي يُعتمد عليه في المواقف الصعبة. وسواء اتفقنا تماماً مع تفسير أصل الكلمة أم اختلفنا، فإن الصورة التي تحملها الكلمة هي التي تعنيني هنا. الصقر حاد البصر، يرى من مسافة بعيدة، ولا ينتظر أن تقع الفريسة تحت قدميه حتى يكتشفها. وهذا بالضبط ما نحتاجه من النائب. نحتاج نائباً يرى قبل أن تقع الكارثة، لا نائباً يتحدث عنها بعد وقوعها. نحتاج نائباً يشعر بما يشعر به المواطن، لا نائباً يكتشف معاناة الناس فقط عندما تبدأ الانتخابات. نحتاج نائباً يعتبر نفسه صوتاً للشعب لا صدى للسلطة. ولأننا في موسم نيابي، فإن ما يعنيني ليس كم نائباً حضر الجلسة، وكم نائباً تحدث، وكم صورة التقطت تحت القبة. وإنما يعنيني من كان زقرتاً؟ من وقف مع المواطن عندما كانت الوقفة مكلفة؟ من حمل هموم الناس إلى مجلس النواب بدل أن يحمل تعليمات الحكومة إلى الناس؟ من دافع عن المال العام؟ من وقف مع الحريات العامة؟ من سأل عن البطالة والفقر وارتفاع الأسعار والمديونية؟ من امتلك شجاعة أن يقول لا عندما كانت «نعم» أكثر راحة وأقل كلفة؟ ومن استطاع أن يضع مصلحة الوطن فوق مصلحته الانتخابية والشخصية؟ فالنيابة ليست وجاهة، وليست لقباً اجتماعياً ، وليست مقعداً مريحا تحت القبة. وهنا أجد نفسي مضطراً إلى نقل ما يقوله كثير من المواطنين الذين نلتقيهم ونستمع إليهم. يقول هؤلاء، وبعيداً عن الحسابات الحزبية والمواقف المسبقة، إن أداء أعضاء حزب الأمة في مجلس النواب يعبر، في نظرهم، عن صوت موجود في الشارع الأردني؛ صوت يريد من النائب أن يكون أكثر جرأة في الدفاع عن قضايا الناس، وأكثر وضوحاً في التعبير عن همومهم وطموحاتهم. ومن هنا، وفي هذه السردية تحديداً ، يمكن أن نسميهم: الزقرت… أو الصقور. لكنني لا أريد أن أمنح هذا اللقب لأحد مجاملة، ولا أن أجعله حكراً على حزب أو مجموعة. فالزقرت ليس بطاقة حزبية. الزقرت موقف. وقد يكون في المجلس زقرت من حزب آخر، وقد يكون في المستقلين، وقد يكون في أي اتجاه سياسي؛ لأن معيار الزقرت لا تحدده العضوية الحزبية، وإنما تحدده اللحظة التي يحتاج فيها الوطن إلى رجل يقول الحقيقة. ولا ينبغي أن نمنح لقب «الزقرت» لمن يكثر الكلام، أو لمن يرفع صوته، أو لمن يجيد صناعة الفيديوهات، أو لمن يصفق له جمهوره. الزقرت لا تصنعه الكاميرا. الزقرت تصنعه المواقف. والصقر لا يثبت أنه صقر لأنه قال ذلك عن نفسه؛ بل لأن الناس رأوه يحلّق عندما بقي الآخرون على الأرض. أما الغرفة السوداء، تلك التي بدأت بها، فقد تستطيع أن تصنع موسماً ، وتطلق شعاراً ، وتشكّل لجنة، وتنتج سردية، وربما تستطيع أن تشغل الناس بأزمة مصطنعة عن أزمة حقيقية. لكن هناك شيئاً واحداً لا تستطيع أن تصنعه: لا تستطيع أن تصنع زقرتاً. فالزقرت تصنعه المواقف، ويكتشفه الناس. المهندس محمد عبدالحميد المعايطة .
مشاهدة سردية الزقرت
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سردية الزقرت قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.