مع تصاعد الجدل حول رسوم التكوين الجامعي بصيغة «التوقيت الميسر» الجديدة، وانتقال النقاش من الأوساط الأكاديمية إلى المجتمع؛ من خلال التنظيمات السياسية والحقوقية والنقابية، تتواصل الأسئلة حول الموضوع، لتتجاوز قيمة الرسوم نفسها إلى مبررها القانوني، ومدى انسجامها مع مبدأ مجانية التعليم وتكافؤ الفرص.
فإذا كان موضوع رسوم التسجيل الجامعية قد فتح سجالا حادا حول أساسها القانوني قبل صدور القانون الجديد رقم 59.24 المنظم للتعليم العالي والبحث العلمي، المنشور في الجريدة الرسمية يوم 23 فبراير 2026، فإن النقاش انتقل حاليا إلى التفسيرات التي تُقدّم للمادة 81 من القانون المذكور.
وتنص المادة 81 من القانون على ما يلي: «لمؤسسات التعليم العالي أن تنظم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن في توقيت ميسر والتكوين المستمر. تنظم التكوينات الأساسية المعتمدة، في إطار التوقيت الميسر، لفائدة العاملين بالقطاعين العام والخاص وكل الأشخاص الراغبين في ذلك. ويختتم التكوين المستمر بشهادات خاصة، تسلمها مؤسسة التعليم العالي المعنية، ويشار فيها وجوبا إلى عبارة “تكوين مستمر”».
وتثير هذه المادة، التي تُشكل الأساس القانوني لفرض رسوم التسجيل في إطار التكوين بـ«التوقيت الميّسر»، إشكالات معقدة، بالنظر إلى أنها حددت الفئة المستهدفة بعبارة فضفاضة تشمل «العاملين بالقطاعين العام والخاص وكل الأشخاص الراغبين في ذلك».
وتطرح هذه الصياغة أسئلة حارقة حول الفئات الأخرى ذات الدخل المرتفع، كأصحاب العقارات والتجار ورجال الأعمال، وكذلك حول مدى اختيارية هذا التكوين بالنسبة للموظف أو للأجير الذي قد يستطيع الحضور في التوقيت العادي، وعلى سبيل المثال الأجراء الذين يشتغلون ليلا أو وفق «توقيت ميّسر» لدى المشغل.
وفي الحوار الآتي الذي أجرته صحيفة «صوت المغرب» مع محمد الغالي، الأستاذ الجامعي وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، قلعة السراغنة، التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، تجدون قراءة في الخلفيات القانونية والأكاديمية والإدارية لصيغة «التوقيت الميسر».
نص الحوار:
1. بداية، ما الذي تغير فعليا مع اعتماد التكوين الأساسي وفق صيغة «التوقيت الميسر» بموجب القانون 59.24؟
نحن أمام إطار قانوني جديد، وهو القانون 59.24 المنظم للتعليم العالي والبحث العلمي، الذي نسخ القانون السابق رقم 01.00 المتعلق بالتعليم العالي. القانون الجديد أرسى قواعد في الحكامة المؤسساتية الجيدة، وذلك تماشيا مع مبادئ وأسس دستور 2011 التي تؤكد على مبدأ العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص في التحصيل العلمي المبني على تيسير الولوج والجودة العالية ومواكبة مختلف التحولات والتطورات بأساليب معاصرة.
إن القانون 59.24 يتضمن آليات تضمن الشفافية والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة على مستوى التدبير، وتبني آليات تضمن الوضوح بين العرض والطلب في الجواب على الحاجات العلمية والبيداغوجية وتحديد الالتزامات المتبادلة بين الإدارة الجامعية ومختلف المرتفقين من الطالبات والطلبة.
وفي هذا السياق، مكن القانون 59.24 من توضيح العلاقة وتأثيرها بشكل شفاف بين التوقيت العادي والتوقيت الميسر المؤدى عنه في التعليم الأساسي؛ إذ نصت المادة 81 على صلاحية مؤسسات التعليم العالي بتنظيم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن في صيغة «التوقيت الميسر»، وكذا في إطار «التكوين المستمر» لفائدة الموظفين والعاملين والأجراء في القطاعين العام والخاص، والمهن الحرة.
وهذا التحديد الدقيق يُمكِّن كل مرتفق من مرتفقي الجامعة من تحديد اختياره بدقة، وبالتالي معرفة القيمة القانونية للشهادة التي سيحصل عليها، بعيدا عن الشبهات والخلط الذي شاب سابقا قيمة الشهادة المحصل عليها، خاصة ما يتعلق بمدى معادلتها واعتراف الدولة بقيمتها وطنيا؛ على اعتبار أن الشهادة الوطنية تمنح حاملها امتياز اجتياز المباريات التي تعلنها الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية. فهذا التوضيح الذي جاءت به المادة 81، من دون شك، سيمكن مختلف المؤسسات الجامعية من تجاوز مجموعة من الهفوات التشريعية التي كلفت ميزانية هاته المؤسسات مجموعة من الأعباء المالية الثقيلة، وأثرت سلبا على أدائها وتحمل مسؤولياتها بكل استقلالية مالية وإدارية.
2. في ظل القانون الجديد، هل نحن أمام تراجع عن مجانية التعليم الجامعي، أم أمام صيغة جديدة موجهة إلى فئة مختلفة من الطلبة؟
إن القانون رقم 59.24 استلهم ضوابطه الموجهة من روح دستور 2011 فيما يتعلق بتيسير الولوج إلى التعليم العالي، وكذلك من مقتضيات قانون الإطار 51.17 الذي جعل الإنصاف وتكافؤ الفرص ضمانة أساسية للاستفادة من خدمات التعليم بشكل ميسر ودون تمييز في الولوج إلى مختلف الأسلاك.
من حيث المبدأ، لا يمكن الدخول في تعارض مع مبدأ المجانية إذا كان هذا المنحى سيخل بقدرة الأفراد في الاستفادة من خدمات مختلف المرافق العمومية التي تتأسس على مبدأ المجانية، حيث تتكفل الدولة بتسهيل الاستفادة منها دون مقابل مادي مباشر. لكن هذا التفسير يبقى نسبيا، بحكم أنه تُفرض أحياناً رسوم أو اتاوات لتغطية بعض المصاريف التي تثقل قدرة الإدارة وتفقدها الصمود في الوفاء بمختلف التحملات المالية، وذلك لضمان الاستمرارية في تقديم الخدمات بشكل مستدام؛ حيث إن فرض الرسوم أو الإتاوات يخضع لآلية تضامنية من حيث تقسيم الأعباء.
وأشير في هذا السياق، إلى أن مجموعة من الأحكام القضائية التي نطقت بها عدة محاكم المملكة، وحتى في القضاء المقارن، لم تذهب في اتجاه اعتبار فرض رسوم أو إتاوات متناقضا مع مبدأ المجانية، مادامت هاته الرسوم ليس هدفها ربحيا، بل فقط تحقيق التوازن المالي الذي يديم قدرة الإدارة على الوفاء بالتزاماتها. وحتى قرار محكمة النقض بتاريخ 3 يناير 2019 اعتبر فرض رسوم في التكوين، غير التكوين المستمر، غير مستند إلى أساس قانوني، لأن المادة 18 من القانون 01.00 لم تشر إلى رسوم التكوين الأساسي كصنف من المداخيل الخاصة في موارد المؤسسات الجامعية، وهي إمكانية متاحة اليوم مع المادة 81 من القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي.
إن الفصل 31 من الدستور يعتبر التزام الدولة التزاما بوسيلة، وليس التزاما بنتيجة، حيث يكمن دورها في العمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة. ومادام كذلك، فإن سعيها إلى بذل مجهودات مضاعفة، بما يترتب عنه تحملات تحتاج إلى مصاريف إضافية، لا يعارض مع فرض رسوم أو إتاوات في مقابل البذل والجهد الميسر الجديد.
وعليه، حسب هاته المعطيات، وخاصة مضمون المادة 81 المشار إليها أعلاه، ليس هناك أي تعارض قانوني أو قضائي بين المجانية والتوقيت الميسر المؤدى عنه.
3. النص القانوني يميز بين الطالب الذي يتابع دراسته في التوقيت العادي، والموظف أو الأجير الذي يرغب في متابعة الدراسة بالتوازي مع عمله؛ لكن ماذا عن الموظف أو الأجير الذي يستطيع حضور الدروس في الوقت العادي؟ هل سيكون ملزما بأداء الرسوم أيضا؟
إن التوقيت الميسر المؤدى عنه هو أسلوب أو صيغة لتمكين فئة الموظفين والأجراء وأصحاب المهن الحرة من الوفاء بالتزاماتهم المهنية والوظيفية، وفي الآن ذاته تحقيق التطور الشخصي من خلال الحصول على شهادات علمية متقدمة؛ وبالتالي كيف لهذه الفئة النشيطة أن تحضر الدروس والامتحانات التي تبرمج من الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة السادسة مساء، وهو وقت أداء الواجب المهني حسب القانون المعمول به؟
لذلك، فمن سيحضر في التوقيت العادي من هاته الفئة، من دون شك، سيضحي في المقابل بواجبه المهني، وهي مسألة مرفوضة قانونا وأخلاقا.
إن أداء الرسوم هو نظير التوقيت الميسر الذي تبناه القانون رقم 59.24، والذي من خلاله رصدت وجندت الإدارة موارد بشرية ولوجستية إضافية خارج أوقات العمل المعتادة، وتتمثل هاته الأوقات في برمجة الدراسة ما بعد الساعة السادسة مساء، ويومي السبت والأحد.
وأعتقد بأن من يُروج لفكرة أن هناك من هاته الفئة من يستطيع أن يحضر في التوقيت العادي، أنه في المقابل يعطي إشارة سلبية تمس سمعة المؤسسة التي يشتغل بها.
4. هل تستهدف هذه الرسوم الموظفين والأجراء فقط؟ وماذا عن فئات أخرى؛ مثل رجال الأعمال والتجار وأصحاب العقارات المُدرة للدخل؟
تستهدف هذه الرسوم كل من له التزام مهني قار، وله دخل يفوق الحد الأدنى للأجور، وذلك ضمانا لتكافؤ الفرص بين مختلف مستويات هاته الفئة؛ وفي هذا التمييز الإيجابي لذوي الدخل الذين لا يتجاوز الحد الأدنى القانوني، إشارة قوية من الدولة إلى تحمل مسؤوليتها في تحقيق التضامن بين مختلف الفئات.
وأشير إلى أن ما يُزكي طرح الوزارة في اعتماد قانون يضمن المساواة وتكافؤ الفرص أمام تحمل مختلف الأعباء، هو أنه لا يُفتح تكوين في التوقيت الميسر المؤدى عنه إلا إذا فتح تكوين مقابل له في التكوين العادي الذي تلجه طالبات وطلبة غير نشيطين.
كما أنه لا يُسمح لغير هاته الفئة النشيطة من الموظفين والأجراء وأصحاب المهن الحرة ولوج هذا التكوين، بمعنى أن الطالب العادي الذي لا يمارس وظيفة أو شغلا أو مهنة حرة، لا يمكنه الولوج إلى التعليم بالتوقيت الميسر المؤدى عنه، حتى ولو كان ميسورا وعنده القدرة على التحمل بالرسوم.
5. هل هناك إمكانية ترك الاختيار للطالب، سواء كان موظفا أو أجيرا أو غير ذلك، بين متابعة الدراسة في التوقيت العادي أو الاستفادة من صيغة «التوقيت الميسر»؟
في تقديري، وحسب تجربة متابعة ومواكبة التكوينات الأساسية في التكوين الميسر المؤدى عنه، أرى بأن الموظف أو المستخدم أو صاحب المهنة الحرة يجد طمأنينته في التكوين الميسر لاعتبارات متعددة، منها متابعة الدراسة والوفاء بمتطلباتها والتزاماتها خارج أوقات العمل المعتادة، مما يجنبه مخاطر الدخول في صدامات وصراعات مع السلطات الإدارية المختصة التي يعمل لفائدتها، والتي قد يترتب عنها مشاكل قد تكلفه الشيء الكثير على حساب أمنه واستقراره المهني.
كما أن التوقيت الميسر يضاعف حظوظ هاته الفئة في الحصول على فرص أكبر في الولوج إلى مجموعة من التكوينات الأساسية، خاصة في سلك الماستر والدكتوراه، عكس الوضع السابق، حيث كانت نسبة قبول الموظفين أو الأجراء أو أصحاب المهن الحرة ضعيفة.
كما أن هاته الفئة كانت تعاني من إثبات مبررات التغيب عن الحصص وعن الامتحانات، مما عرضها للطرد أو التخلي الطوعي بسبب عدم القدرة على الجمع بين الدراسة بالجامعة والواجب المهني.
المحفوظ طالبي
جدل «التوقيت الميسّر».. هل الرسوم مرتبطة بالعمل أم بالتكوين؟ – حوار صوت المغرب.
مشاهدة جدل laquo التوقيت الميس ر raquo هل الرسوم مرتبطة بالعمل أم بالتكوين
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ جدل التوقيت الميس ر هل الرسوم مرتبطة بالعمل أم بالتكوين حوار قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، جدل «التوقيت الميسّر».. هل الرسوم مرتبطة بالعمل أم بالتكوين؟ – حوار.
في الموقع ايضا :