تحليل موسع: اليمن يعود إلى الحرب — ولكن ليس إلى حرب 2015 ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (يمن مونيتور) -

يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:

لأربع سنوات تقريبًا، عاش اليمن داخل معادلة غير مستقرة لكنها قابلة للإدارة: لا سلام ينهي الحرب التي اندلعت بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، ولا حرب شاملة تعيد مشهد الغارات الجوية والمعارك الكبرى الذي طبع السنوات الأولى وتحسم نهاية لهذه الحرب. انتهت الهدنة الرسمية في أكتوبر/تشرين الأول 2022 بعد أشهر من إعلانها، لكن منطقها بقي قائمًا؛ جبهات شبه مجمدة، انخفاض حاد في الهجمات العابرة للحدود، وقنوات سعودية–حوثية أبقت احتمال الحرب أقل كلفة من وقوعها.

هذه المعادلة تتفكك الآن.

خلال النصف الثاني من أغسطس/آب، تحولت الاشتباكات التي بدأت في يوليو من سلسلة اختبارات متفرقة إلى نمط قتال أكثر انتظامًا: ضربات صاروخية ومسيّرة على مأرب والمخا وأهداف سعودية، إغلاق فعلي لميناء المخا، وهجمات قاتلة على سفن قرب باب المندب، بالتزامن مع مؤشرات على استعدادات حوثية لعمليات برية على الساحل الغربي؛ يواجه بعمليات نارية حكومية منتظمة عبر جبهات متعددة. ولهذا كان تحذير المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن في 13 أغسطس أكثر من مجرد صيغة دبلوماسية معتادة: اليمن، كما قال، يواجه «خطرًا أكثر جدية للعودة إلى صراع واسع النطاق من أي وقت منذ هدنة 2022».

لكن القول إن الحرب عادت لا يعني أن اليمن يستعيد حرب 2015. ما يتشكل أكثر تعقيدًا: حرب هجينة يكون فيها الصاروخ والمسيّرة والميناء وناقلة النفط واللغم البحري وسعر التأمين أدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن السيطرة على الجبل والمدينة. وحتى الآن عادت حرب النيران، لكن حرب تغيير الخرائط لم تبدأ بعد على نطاق واسع.

وهذه المسافة بين الحربين — حرب الاستنزاف وحرب المناورة — هي التي ستحدد مستقبل اليمن، وربما مستقبل أمن شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر خلال الأشهر القادمة.

 

نهاية «اللاحرب واللاسلم»

لم تنه هدنة 2022 أسباب الصراع اليمني. لقد جمدتها.

ظل الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومعظم الكثافة السكانية في شمال وغرب البلاد، فيما بقيت الحكومة المعترف بها دوليًا والقوى التابعة لها موزعة على مأرب والجنوب والشرق والساحل الغربي. لم تحسم الهدنة نهاية للانقلاب الذي حدث في سبتمبر/أيلول 2014 كما لم تنهي ملفات خارطة الطريق التي أُعلنت لاحقاً: مسألة السلاح، أو موارد النفط والغاز، أو رواتب الموظفين، أو مستقبل مطار صنعاء وموانئ الحديدة، أو توزيع السلطة داخل الدولة.

كما لم تحسم سؤالًا أكثر جوهرية: من يملك السيادة اليمنية؟

هذا السؤال عاد بقوة في يوليو عندما تحولت محاولة الحوثيين فرض رحلات جوية بين طهران وصنعاء إلى أزمة سيادة مباشرة. حيث تم منع رحلة إيرانية من الوصول إلى صنعاء والضربة التي استهدفت مدرج المطار في 13 يوليو كانا الشرارة التي أعادت الاحتكاك السعودي–الحوثي إلى العلن. لم يكن الخلاف حول رحلة جوية فحسب؛ بالنسبة إلى الحوثيين، كان الأمر اختبارًا لقدرتهم على التصرف كسلطة سيادية تدير مطاراتها وعلاقاتها الخارجية، بينما رأت الرياض والحكومة اليمنية أن فتح خط مباشر غير خاضع لرقابة الدولة مع طهران يحمل أبعادًا أمنية وسياسية تتجاوز حركة الطيران المدني. رفض الحوثيون كل الحلول المطروحة والوجهات وبدأوا سلوك الحرب.

جاءت صيغة الحوثيين الجديدة: «الحصار بالحصار». وفي 20 يوليو أعلنت الجماعة قيودًا على السفن المرتبطة بالسعودية، لتنتقل المعركة من المجال الجوي إلى البحر الأحمر، ثم من البحر إلى منشآت الطاقة السعودية، ومن هناك مجددًا إلى الجبهات اليمنية.

ما حدث في أغسطس هو أن هذا التسلسل أصبح نظامًا مستدامًا للقتال، لا مجرد أزمة عابرة.

في 16 أغسطس، قالت القوات الحكومية إنها نفذت 181 عملية خلال أربع وعشرين ساعة باستخدام المدفعية وراجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة في عدة محافظات. وبعد يومين أعلنت 133 عملية أخرى، ثم أعلنت 81 عملية في 20 أغسطس. وعلى الرغم من عدم تقدير الخسائر وطريقة احتساب عدد العمليات فلا ينبغي التعامل مع «العملية» باعتبارها وحدة ثابتة للحجم أو التأثير. لكن التتابع المعلن للعمليات الحكومية يكشف تحولًا مهمًا: النشاط العسكري أصبح مستدامًا، متعدد الجبهات، وتشارك فيه بصورة متزايدة منظومات المسيّرات والمدفعية بدل الاكتفاء بالتصدي للهجمات الحوثية بعد وقوعها.

وهذا هو الفارق بين الأزمة والحرب. الأزمة تتكون من أحداث؛ الحرب تنتج إيقاعًا.

هجوم للحوثيين على ميناء المخا

المخا: حيث تلتقي الحرب اليمنية بأمن العالم

لا توجد منطقة تختصر طبيعة الحرب الجديدة مثل المخا.

فالمدينة الواقعة على الساحل الغربي ليست أكبر مدن اليمن ولا أهم مركز اقتصادي فيه، لكنها تقع في المكان الذي تلتقي فيه ثلاث خرائط: خريطة الجبهات اليمنية، وخريطة أمن باب المندب، وخريطة صادرات الطاقة السعودية.

خلال أغسطس، تحولت المخا إلى أحد أكثر الأهداف تعرضًا للصواريخ والمسيّرات. ودفعت الضربات إدارة الميناء إلى وقف النشاط التجاري والبحري. ووفق تصريحات مدير الميناء فقد تعرضت المنشأة لأكثر من عشرين صاروخًا خلال سلسلة الهجمات، قبل أن تتوقف عن العمل. ووصفت وول ستريت جورنال المخا بأنها عقدة لوجستية مركزية للقوات المناهضة للحوثيين على الساحل، مشيرة إلى أن تعطيل الميناء يجعل إعادة الإمداد والدفاع عن المنطقة أكثر صعوبة.

وتشير فايننشال تايمز إلى أن الهجمات على المدينة لم تعد مجرد امتداد للقتال التقليدي، بل جزء من محاولة حوثية لزيادة الضغط على المنطقة الواقعة بين الحديدة وباب المندب.

وهذا يفسر لماذا ينبغي قياس نجاح الحملة الحوثية في المخا بطريقة مختلفة. الجماعة لا تحتاج إلى احتلال الميناء حتى تستفيد استراتيجيًا من ضربه. إذا أصبح تشغيله مكلفًا، وإذا تعطلت الأرصفة ومرافق التخزين والإمداد، وإذا أصبح الصيادون والعاملون والسفن يخشون الاقتراب منه، فإن وظيفة الميناء العسكرية والتجارية تتراجع حتى من دون تغيير علم السيطرة عليه.

إنها صورة مصغرة للعقيدة الحوثية الأوسع في البحر الأحمر: ليس من الضروري السيطرة على البحر إذا كان بالإمكان جعل استخدامه أكثر خطورة وكلفة.

ويقدم سجل الأمن البحري مثالًا آخر. ففي 17 أغسطس، وثّق مركز المعلومات البحرية المشترك التابع لـUKMTO هجومًا على سفينة راسية في باب المندب بستة صواريخ باليستية، أصابت خمسة منها الهدف وأحدثت دمارًا هيكليًا كبيرًا. لكن السفينة كانت بلا طاقم أو حمولة. وهذه الواقعة تلخص مفارقة الحرب الحالية: حجم النيران قد يكون كبيرًا، في حين يظل العائد العسكري الفعلي أقل من الصورة التي تقدمها بيانات الأطراف.

وفي حادث آخر قبالة المخا، أصبحت سفينة شحن غير مأهولة تحت الماء بعد إصابتها بعدة مقذوفات مجهولة المصدر، وفق UKMTO.

المعنى الاستراتيجي هنا أكبر من هوية سفينة بعينها. باب المندب لم يغلق، لكنه لم يعد ممرًا يمكن التعامل معه باعتباره طبيعيًا.

الحوثيون واستراتيجية «السيادة بالإكراه»

من السهل تفسير كل تحرك حوثي بوصفه جزءًا من الاستراتيجية الإيرانية. لكنه تفسير ناقص.

تتقاطع مصالح الحوثيين مع إيران بصورة واضحة. استفادة طهران من الضغط على باب المندب في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة في هرمز لا تحتاج إلى كثير من البرهنة. لكن الحوثيين يملكون أيضًا أجندة يمنية مستقلة، وربما أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى قيادتهم.

فالمطالب التي تربط الجماعة بها تخفيف التصعيد — الرواتب، إيرادات النفط، مطار صنعاء، الموانئ، القيود على الواردات، والسيطرة على القرارات السيادية في مناطقها — ليست مطالب إيرانية. إنها مسائل تتعلق ببنية النظام اليمني الذي سيخرج من الحرب وبحجم السلطة التي سيحتفظ بها الحوثيون داخله.

من هذه الزاوية، يمكن فهم التصعيد بوصفه محاولة للانتقال من التفاوض على الاعتراف بالسلطة الحوثية إلى فرض هذا الاعتراف عمليًا.

فعندما تصل طائرة إيرانية إلى صنعاء من دون موافقة الحكومة، تكون الجماعة قد فرضت تعريفها الخاص للسيادة الجوية. وعندما تحدد السفن التي يسمح لها بالمرور أو التي تعتبرها مرتبطة بالسعودية، فإنها تحاول فرض اختصاص بحري وظيفي. وعندما تطالب بالرواتب من إيرادات تقع خارج سيطرتها، فإنها تريد تحويل نفوذها العسكري إلى حق مالي مستدام.

بهذا المعنى، الصواريخ ليست هدفًا بذاتها. إنها أداة تفاوض.

ويفسر ذلك كذلك الطابع الانتقائي للحظر البحري. الحوثيون لم يعلنوا إغلاق باب المندب أمام جميع السفن. بل سعوا إلى تحديد فئات بعينها — السفن السعودية، السفن التي تتعامل مع الموانئ السعودية، أو الأهداف التي تربطها الجماعة بتحركات عسكرية — بما يسمح لها بتقديم نفسها في الوقت نفسه كقوة قادرة على المنع وكطرف لا يريد خوض مواجهة شاملة مع التجارة الدولية.

لكن كلما اتسع تعريف «السفينة المعادية»، يصبح ضبط هذه الاستراتيجية أكثر صعوبة.

الهجوم القاتل على سفينة تجارية في باب المندب في 11 أغسطس أظهر هذا الخطر. فقد وثقت أسوشيتد برس شهادات طاقم السفينة “تهامة” وعملية الإنقاذ بعد مقتل ستة أشخاص وإصابة آخرين، في واحدة من أكثر وقائع الجولة البحرية دموية إذ هاجم الحوثيون السفينة وفرقة الإنقاذ اليمنية التي حاولت انقاذهم.

والنتيجة هي أن الحوثيين يستطيعون استخدام البحر للحصول على نفوذ سياسي، لكنهم لا يستطيعون ضمان بقاء كل عملية داخل الحدود السياسية التي يريدونها.

في البحر، خطأ واحد في التعرف على سفينة يمكن أن يحول صراعًا حوثياً-سعودياً إلى أزمة مع دولة ثالثة.

 

من الدفاع الحكومي إلى محاولة استعادة المبادرة

التغير الأقل جذبًا للانتباه، وربما الأكثر أهمية داخل اليمن، يقع على الجانب الآخر من خطوط التماس.

لعدة سنوات بعد 2022، عملت القوات الحكومية في معظم الجبهات ضمن وضع دفاعي: منع التسلل، الرد بالمدفعية، والحفاظ على المواقع. لكنها بدأت خلال أغسطس تظهر نمطًا مختلفًا يقوم على الاستطلاع المستمر والمذخر، والمسيّرات الانقضاضية، وضرب المركبات والتحصينات والتجمعات قبل وصولها إلى خط القتال.

إعلانات 181 و133 و81 عملية ليست، في حد ذاتها، دليلًا على تفوق حكومي. لكنها تكشف محاولة لبناء حملة نيران موزعة على جميع الجبهات.

وفي مأرب والجوف وحجة وصعدة وتعز ولحج والضالع والساحل، ظهرت المسيّرات الحكومية بصورة متكررة كأداة استطلاع وضرب. ويبدو أن الهدف ليس فقط الرد على الحوثيين، بل تقليل قدرتهم على تركيز القوات بالقرب من خطوط التماس.

هذا تغير مهم لأن أحد عناصر القوة الحوثية طوال الحرب كان قدرته على حشد القوة في نقطة معينة ثم فتح موجة هجوم قبل أن يتمكن خصومه من الرد بكفاءة. إذا امتلكت الحكومة شبكة مراقبة وضرب تستطيع اكتشاف التجمعات والقادة والمعدات الهندسية، يمكنها رفع تكلفة التحشيد قبل أن تتحرك الكتائب.

لكن امتلاك المسيّرات لا يحل المشكلة الأساسية للمعسكر المناهض للحوثيين: التعدد السياسي والعسكري.

فالجيش، والمقاومة الوطنية، والقوات الجنوبية، ودرع الوطن، والتشكيلات المحلية المختلفة يمكنها أن تتشارك في بنك أهداف أو تبادل معلومات، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنها تمتلك قيادة سياسية وعسكرية موحدة لحرب طويلة.

وبعبارة أخرى، قد يكون توحيد النار أسهل من توحيد القرار.

ولهذا سيأتي الاختبار الحقيقي إذا انتقلت المواجهة من الاستهداف إلى المناورة. هل تستطيع هذه القوى إدارة عملية واحدة عبر الساحل وتعز ومأرب وصعدة والضالع؟ وهل يمكنها الاتفاق على الهدف السياسي بعد أي تقدم عسكري؟

هذه الأسئلة هي التي فشلت معسكرات مناهضة الحوثيين مرارًا في حلها خلال العقد الماضي والذي غلب عليه سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات والذي جرى حلّه مطلع العام الجاري.

الساحل الغربي والعتبة التي لم تُكسر بعد

حتى نهاية 24 أغسطس، لم تبدأ حرب برية واسعة. وهذه ليست ملاحظة تفصيلية؛ إنها أهم قيد على القول إن اليمن عاد بالكامل إلى الحرب القديمة.

لكن هناك إشارات يجب أخذها بجدية.

نقلت مصادر حوثية وحكومية لفرانس برس أن الجماعة دفعت بنحو ألفي مقاتل وقاذفات صواريخ إلى جبهات تعز والحديدة، ضمن استعدادات محتملة للتقدم جنوب الحديدة. لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من حجم القوة أو توقيت أي عملية، ولم يعلن الحوثيون بدء هجوم شامل. ولذلك يبقى الأمر مؤشرًا على النية والاستعداد، وليس واقعة عسكرية مكتملة.

لكن الجغرافيا تجعل المعلومة شديدة الحساسية.

فإذا تحرك الحوثيون جنوبًا من مناطقهم الحالية نحو حيس والخوخة ثم المخا، فإن الهدف لن يكون الحصول على بضعة كيلومترات من الأرض. السيطرة أو الاقتراب من ساحل باب المندب ستعيد تشكيل البيئة العسكرية للمضيق.

الحوثيون يستطيعون اليوم تهديد الممر من مواقع أبعد باستخدام الصواريخ والمسيّرات. أما وجودهم على الساحل الأقرب إليه فسيمنحهم إمكانات أفضل للاستطلاع، وإطلاق الزوارق، ونشر الأنظمة الساحلية، وربما الألغام.

وهنا تقع العتبة الحقيقية للحرب المقبلة: التحول من التأثير في باب المندب إلى تغيير الجغرافيا المحيطة به.

إذا حدث ذلك، سيكون من الصعب على السعودية أو القوات الحكومية أو التحالف البحري اعتبار الحرب شأنًا يمنيًا داخليًا.

 

السعودية تحاول ألا تخوض حرب 2015 مرة أخرى

أحد أكثر جوانب الأزمة أهمية هو ما لم تفعله السعودية.

على الرغم من الهجمات الحوثية المتكررة والتهديدات التي طالت جازان ونجران وينبع، لم تعد الرياض إلى نمط حملة القصف المفتوحة التي اتبعتها في السنوات الأولى من الحرب.

وهذا لا يعني بالضرورة ضعف الإرادة السعودية. بل قد يعكس درسًا استراتيجيًا تعلمته المملكة بكلفة عالية: التفوق الجوي لا يضمن إزالة القدرة الحوثية ولا إنتاج تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

بين 2015 و2022، لم تنجح آلاف الغارات في إنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء، ولا في منعهم من تطوير ترسانة الصواريخ والمسيّرات، ولا في توحيد القوى اليمنية.

لذلك تبدو الاستراتيجية السعودية الجديدة مختلفة. بدل قيادة الحرب مباشرة، تعمل الرياض على بناء طبقات من الردع.

الطبقة الأولى يمنية: رفع قدرات القوات الحكومية وتمكينها من الرد بصورة أكثر استقلالية.

الطبقة الثانية بحرية. ففي 13 أغسطس أعلنت وزارة الدفاع السعودية بدء الانتقال بالتحالف البحري متعدد الجنسيات إلى مرحلة التفعيل العملياتي. شارك ممثلو 39 دولة في اجتماع جدة، ووقعت 15 دولة البيان المشترك، فيما أكملت 13 دولة إجراءات الانضمام؛ كما عُيّن قائد سعودي للتحالف ونائب باكستاني، وبدأ تشكيل مراكز العمليات والاستخبارات والقيادة.

الطبقة الثالثة هي بنية التحالفات الدفاعية الإقليمية الأوسع. ففي 7 أغسطس وقعت السعودية وباكستان وتركيا اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على اعتبار الهجوم على أحد الأطراف هجومًا على الآخرين. التفاصيل العملياتية للاتفاق لا تزال أقل وضوحًا من رسالته السياسية، ولا ينبغي تفسيره بوصفه التزامًا آليًا من أنقرة وإسلام آباد بشن حرب على الحوثيين. لكنه يوضح أن الرياض تعمل على توسيع دائرة الردع بدل العودة إلى الاعتماد على قوة جوية سعودية منفردة.

هذه الاستراتيجية تسمح للسعودية بإبقاء الحرب على مسافة منها.

لكن ذلك لن يكون ممكنًا إلى ما لا نهاية.

إذا تمكن الحوثيون من تعطيل منشأة نفطية كبيرة، أو إيقاع خسائر سعودية واسعة، أو تغيير ميزان القوى عند باب المندب، ستتحول المشكلة من دعم حليف يمني إلى اختبار مباشر لمصداقية الأمن السعودي.

وعندها قد تضيق المسافة بين «تمكين الحكومة» و«عودة السعودية إلى الحرب».

أزمة المضيقين

لا يمكن فهم عودة الحرب اليمنية من داخل اليمن وحده.

ما جعل الجولة الحالية مختلفة جذريًا عن المواجهات السابقة هو أزمة مضيق هرمز.

قبل الحرب الإقليمية الحالية، كان البحر الأحمر طريقًا مهمًا لصادرات الطاقة السعودية. أما بعد اضطراب الملاحة عبر هرمز، فأصبح خط الأنابيب السعودي شرق–غرب وميناء ينبع وسواحل البحر الأحمر جزءًا من منظومة الطوارئ الاستراتيجية للمملكة.

وتوضح مشروعات تجاوز مضيق هرمز أن دول الخليج بدأت بالفعل التفكير في شبكة أوسع من الأنابيب والموانئ البديلة لتقليل تعرض صادراتها للخطر، مع احتلال خط شرق–غرب السعودي وينبع موقعًا مركزيًا في هذه الحسابات.

وهذا يغير قيمة الحوثيين بالنسبة إلى إيران.

ليس من الضروري افتراض أن طهران تصدر تعليمات مباشرة لكل عملية لكي نفهم تلاقي المصالح. إذا استطاعت إيران تهديد الطريق الشرقي عبر هرمز، في حين يستطيع حليفها اليمني زيادة المخاطر على الطريق الغربي عبر باب المندب، فإن السعودية تجد نفسها أمام معضلة مضيقين.

الأمر ليس بالضرورة خطة قيادة وسيطرة موحدة؛ لكنه تراكب استراتيجي قوي.

ويزداد هذا التراكب وضوحًا مع الخطاب الإيراني الأخير. فقد حذر رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي من أن الدول التي تنضم إلى الحملة الاقتصادية الأمريكية يمكن أن تعرض طرق تصدير النفط البديلة عن هرمز للتهديد الإيراني. التصريح لا يسمي ينبع أو باب المندب بصورة مباشرة، مع ذلك يًفهم منه كتهديد محدد للسعودية عبر الحوثيين؛ إذ يضع الطرق البديلة ضمن تصور طهران للردع الإقليمي.

في الوقت نفسه، تبحث الرياض وباريس بصورة متزايدة سبل تجاوز الاعتماد على هرمز وربط شبكات النقل والطاقة الخليجية بموانئ خارج الخليج وبأوروبا.

هنا تتحول الجغرافيا اليمنية إلى أصل استراتيجي عالمي. كل برميل يخرج من ينبع بدل الخليج يزيد أهمية أمن البحر الأحمر. وكلما زادت أهمية البحر الأحمر، ارتفعت قيمة القدرة الحوثية على تهديده.

 

الحرب المقبلة تبدأ بالمسيّرات لا بالدبابات

إذا استمر التصعيد، فإن حرب اليمن القادمة ستكون مختلفة من حيث أدواتها مثلما هي مختلفة في أهدافها.

ستكون المسيّرات في قلب القتال.

بالنسبة إلى الحوثيين، توفر الطائرات غير المأهولة قدرة منخفضة الكلفة نسبيًا لضرب المطارات والمنشآت السعودية والقوات الحكومية والسفن. وبالنسبة إلى الحكومة، أصبح الاستخدام المتزايد للمسيّرات أداة لتقليص الفارق الذي منح الحوثيين سنوات من التفوق في هذا المجال.

وسيظل الصاروخ الباليستي أداة حوثية رئيسية. ميزته ليست فقط في قدرته على التدمير، بل في أنه يجبر الخصم على تشغيل منظومات الدفاع والاستطلاع والإنذار بصورة مستمرة.

لكن البحر قد يصبح المجال الأكثر ابتكارًا وخطورة.

الصواريخ المضادة للسفن، والزوارق المفخخة، والطائرات المسيّرة والألغام تستطيع إنتاج «منطقة منع بالمخاطر» من دون امتلاك أسطول بحري.

وهذا يعني أن حماية الملاحة لن تكون مجرد مهمة لإسقاط صاروخ قادم. ستحتاج إلى استخبارات بحرية، ومكافحة ألغام، ومراقبة ساحلية، ودفاع ضد الزوارق، وحماية الموانئ، وإدارة حركة السفن.

ولهذا تكتسب الخطوات المؤسسية الجديدة أهمية تتجاوز قيمتها البيروقراطية. ففي عدن، بدأت الحكومة العمل على إنشاء لجنة وطنية موحدة للأمن البحري تجمع القوات البحرية وخفر السواحل والموانئ والجمارك والجهات المدنية، بهدف الانتقال، بحسب وزارة النقل، من «رد الفعل» إلى التخطيط الاستباقي.

إنها محاولة لبناء مؤسسة لحرب لم تكن الدولة اليمنية مهيأة لخوضها.

 

حرب لم يعد أحد يستطيع عزلها

أهم ما تغير في اليمن ليس حجم القتال فقط، بل موقع البلاد داخل النظام الإقليمي.

كانت الحروب اليمنية السابقة مرتبطة بالسعودية والخليج وإيران، لكنها بقيت إلى حد كبير حروبًا حول من يحكم اليمن وكيف يتوزع النفوذ فيه.

أما الحرب المقبلة فقد تكون حول ذلك وأكثر.

مأرب مرتبطة بالطاقة اليمنية وبأمن الشرق. المخا مرتبطة بباب المندب. باب المندب مرتبط بينبع. ينبع أصبح أكثر قيمة لأن هرمز غير آمن. وهكذا يرتبط القرار الذي يتخذه قائد ميداني في الساحل بأسعار النفط وخطط الملاحة والخيارات الاستراتيجية للسعودية وإيران والولايات المتحدة.

لهذا لم يعد من الممكن فصل «حل الأزمة اليمنية» عن البيئة المحيطة بها.

لكن الخطأ المقابل سيكون التعامل مع اليمن باعتباره مجرد امتداد لحرب إيران.

فإذا توقفت المواجهة الأمريكية–الإيرانية غدًا، ستظل الأسئلة اليمنية الأساسية قائمة: من يسيطر على السلاح؟ وما مصير سلاح الحوثيين؟ وما حدود سلطتهم؟ ما شكل الدولة؟ إذ أن الحوثيين لن يتوقفوا عن استخدام البحر الأحمر كرافعة سياسية لهم ولن يتوقفوا عند حدود مناطقهم أو حتى حدود اليمن.

وهذه الأسئلة هي التي تجعل السلام اليمني أكثر صعوبة من مجرد تفاهم إقليمي.

 

الحرب عادت، لكن النتيجة لم تُحسم

حتى 23 أغسطس، يمكن رسم خط واضح بين مرحلتين.

قبل أسابيع، كانت الضربات العسكرية وسيلة ضغط على التفاوض.

اليوم أصبح التفاوض يجري — إن جرى — تحت ظل حملة عسكرية مستدامة.

هذه هي العودة الحقيقية للحرب.

لكنها ليست حتى الآن حرب 2015. لا تزال خطوط السيطرة مستقرة نسبيًا، ولا تزال السعودية تفضل إدارة المواجهة من خلال الشركاء والتحالفات، ولا تزال الجماعة الحوثية تستخدم البحر والصواريخ للحصول على مكاسب أكثر مما تستخدم الجيوش للاستيلاء على مدن جديدة.

لذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في الأجل القصير ليس اجتياحًا واسعًا، وإنما حرب استنزاف متعددة المجالات: مسيّرات على الجبهات، صواريخ على الموانئ والمنشآت، عمليات بحرية متقطعة، وضغط اقتصادي، مع إبقاء القوات البرية في مستوى من الجاهزية يسمح لها بالانتقال إلى الهجوم إذا ظهرت فرصة.

لكن هذه الحرب تحمل خطرًا خاصًا: عدد الأطراف والأدوات والساحات أصبح أكبر من قدرة أي طرف منفرد على التحكم فيها.

وفي الحروب من هذا النوع، لا تكون الكارثة دائمًا نتيجة قرار استراتيجي متعمد.

قد تبدأ بلغم لا يعرف قبطان السفينة أنه موجود، أو صاروخ يقتل أكثر مما كان متوقعًا، أو هجوم تكتيكي يحقق اختراقًا غير مخطط له، أو ضربة على منشأة سعودية تجعل عدم الرد أكثر كلفة من الرد.

عندها يمكن أن تتحول «المساومة المسلحة» إلى حرب لها منطقها الخاص.

وهذا هو الخطر الذي يواجه اليمن الآن: ليس أن جميع الأطراف قررت خوض حرب شاملة، بل أنها بنت بالفعل الآليات التي تستطيع إنتاجها حتى من دون أن يريدها أحد بصورة كاملة.

إذا بقيت خطوط الجبهة ثابتة، واستطاعت الوساطات فصل أمن الملاحة عن المواجهة السعودية–الحوثية وإعادة ملف المطار والموانئ والرواتب إلى التفاوض، فقد يمكن إعادة بناء سقف جديد للردع.

أما إذا تحركت الجبهة على الساحل، وتزامن ذلك مع إصابة استراتيجية داخل السعودية أو كارثة في باب المندب، فلن يكون السؤال عندها ما إذا كانت حرب اليمن قد عادت.

سيصبح السؤال: كيف يمكن منع حرب يمنية جديدة من الاندماج بالكامل في الحرب الإقليمية التي تحيط بها؟

 

 

تحليل موسع: اليمن يعود إلى الحرب — ولكن ليس إلى حرب 2015 يمن مونيتور.

مشاهدة تحليل موسع اليمن يعود إلى الحرب mdash ولكن ليس إلى حرب 2015

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تحليل موسع اليمن يعود إلى الحرب ولكن ليس إلى حرب 2015 قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على يمن مونيتور ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تحليل موسع: اليمن يعود إلى الحرب — ولكن ليس إلى حرب 2015.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار