بقلم : د.مني عبدالفتاح (دكتوراه الاقتصاد جامعه اسوان – معهد البحوث والدراسات الإفريقية)
لسنوات طويلة ظل الذهب هو المعدن الذي تختصر فيه الشعوب معنى الثروة، وتلجأ إليه الدول والمستثمرون في أوقات الاضطراب باعتباره مخزنًا للقيمة وملاذًا من الأزمات. لكن الاقتصاد العالمي يتغير بسرعة، ومعه تتغير خريطة المعادن التي تحدد موازين القوة. ففي عالم يتحرك نحو السيارات الكهربائية، وشبكات الكهرباء الذكية، والطاقة المتجددة، وتخزين الطاقة، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال فقط: من يملك الذهب؟ بل أصبح أيضًا: من يملك النحاس والكوبالت، ومن يستطيع تحويلهما إلى صناعة وتكنولوجيا ونفوذ اقتصادي؟ هنا تدخل إفريقيا إلى المشهد من أوسع أبوابه. فالقارة التي اعتاد العالم النظر إليها لعقود باعتبارها مصدرًا للنفط والذهب والماس والمواد الخام، أصبحت اليوم تجلس فوق جزء مهم من الموارد التي يحتاجها اقتصاد المستقبل. ويقف النحاس والكوبالت في مقدمة هذه الموارد. النحاس هو تقريبًا «شريان الكهرباء» في الاقتصاد الحديث؛ يدخل في الشبكات، والمحولات، والمركبات الكهربائية، والطاقة الشمسية والرياح، والبنية الرقمية. أما الكوبالت فهو أحد المعادن الاستراتيجية المستخدمة في بعض أنواع البطاريات والسبائك عالية الأداء، كما يدخل في صناعات تتجاوز السيارات إلى الطيران والدفاع والتقنيات المتقدمة. ولهذا لم تعد هذه المعادن مجرد سلع تباع في الأسواق، بل تحولت إلى قضية أمن اقتصادي وصناعي بالنسبة للقوى الكبرى. وتشير التقديرات الدولية الحديثة إلى أن الطلب العالمي على المعادن الحرجة سيواصل النمو بقوة خلال السنوات المقبلة، وأن النحاس وحده مرشح لإضافة ملايين الأطنان إلى الطلب السنوي بحلول 2040، مع بقاء احتمال اتساع الفجوة بين العرض والطلب إذا تأخرت الاستثمارات الجديدة أو تعثرت مشروعات التعدين والتكرير. لكن القصة تصبح أكثر إثارة عندما ننتقل إلى الكوبالت. فجمهورية الكونغو الديمقراطية ليست لاعبًا عاديًا في هذا السوق؛ فهي تستحوذ على الحصة الأكبر من إنتاج الكوبالت المستخرج عالميًا، كما يرتبط جزء كبير من موارد الكوبالت المعروفة بالأحزمة النحاسية الممتدة في الكونغو وزامبيا. وهذا يعني ببساطة أن ما يحدث في وسط إفريقيا يمكن أن يصل أثره إلى مصانع البطاريات وشركات السيارات والأسواق المالية في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة. وقد ظهر هذا بوضوح عندما اتجهت الكونغو إلى تقييد صادرات الكوبالت لمعالجة فائض المعروض وضعف الأسعار، ثم انتقلت لاحقًا إلى نظام للحصص التصديرية. لم يكن القرار شأنًا محليًا؛ بل أعاد رسم توقعات السوق العالمية، وأظهر أن الدولة المنتجة تستطيع – عندما تمتلك وزنًا كبيرًا في المعروض – أن تؤثر في الأسعار وفي حسابات الشركات والمصنعين حول العالم. ومع ذلك، فإن هذه القوة تظل محدودة إذا بقيت القيمة الأكبر من التكرير والتصنيع خارج حدود الدولة المنتجة. وهنا نصل إلى المفارقة الإفريقية القديمة: امتلاك المعدن لا يعني امتلاك الصناعة. فالكونغو تستطيع أن تخرج الكوبالت من الأرض، وزامبيا تستطيع أن تنتج النحاس، لكن القيمة الأكبر لا تتولد دائمًا في المنجم. تبدأ الأرباح الأكبر عندما يتحول الخام إلى معدن مكرر، ثم إلى مواد كيميائية متخصصة، ثم إلى مكونات للبطاريات والمحركات والكابلات والأجهزة، ثم إلى منتج نهائي يحمل التكنولوجيا والعلامة التجارية والملكية الفكرية. وهنا تحديدًا تقع المعركة الحقيقية. فالاقتصاد العالمي لا يتنافس على المناجم فقط، بل على سلسلة القيمة بأكملها. ومن يسيطر على التكرير، والمعالجة، والتصنيع، والتكنولوجيا، والتمويل، يملك حصة أكبر من القيمة والنفوذ. ولهذا قد تكون الدولة غنية بالخام لكنها فقيرة في العائد الصناعي إذا ظل دورها مقتصرًا على استخراج المادة وشحنها إلى الخارج. وتكشف أسواق المعادن اليوم أن عمليات التكرير شديدة التركّز عالميًا، وأن عددًا محدودًا من الدول يسيطر على حلقات حساسة من المعالجة. كما أصبحت الصين لاعبًا مركزيًا في صهر النحاس وتكرير عدد من المعادن الحرجة، وهو ما جعل الدول الصناعية الكبرى تبحث عن تنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على مركز واحد. هذه التحولات تمنح إفريقيا فرصة تفاوضية مهمة، لكنها تضع أمامها سؤالًا صعبًا: هل تكتفي القارة بأن تمد العالم بالنحاس والكوبالت، بينما تظل عمليات التكرير والتصنيع والتكنولوجيا في الخارج؟ إذا حدث ذلك، فقد نشاهد نسخة جديدة من القصة القديمة نفسها: موارد إفريقية، مصانع عالمية، وقيمة مضافة تتراكم بعيدًا عن المكان الذي خرج منه الخام. لكن هناك إشارات إلى أن بعض الدول بدأت تدرك هذا الخطر. زامبيا، على سبيل المثال، لا تنظر إلى النحاس باعتباره مجرد مصدر للصادرات، بل تحاول استخدامه مدخلًا لإعادة بناء قاعدة صناعية أوسع. وتستهدف الحكومة زيادة الإنتاج، مع السعي إلى تطوير المعالجة والتصنيع وربط التعدين بخدمات وموردين محليين. لكن زيادة الإنتاج وحدها لن تكفي. فالصناعة تحتاج إلى كهرباء مستقرة، ونقل ولوجستيات، وتمويل، ومهارات فنية، ومختبرات، ومعايير جودة، ومؤسسات قادرة على التفاوض مع المستثمرين. ومن دون هذه المنظومة قد ترتفع صادرات الخام بينما يظل الاقتصاد المحلي على الهامش. ولهذا فإن الحديث عن النحاس والكوبالت ينبغي ألا يبدأ من حجم الاحتياطيات فقط، بل من سؤال أكثر أهمية: كم من القيمة يمكن أن يبقى داخل الاقتصاد الإفريقي؟ ولعل التطور الأكثر أهمية هو التعاون بين زامبيا والكونغو الديمقراطية لإنشاء سلسلة إقليمية للبطاريات والمركبات الكهربائية، بدل أن تعمل كل دولة بمعزل عن الأخرى. فالدولتان تتحركان نحو بناء منطقة اقتصادية وسلسلة إنتاج تتجاوز استخراج الخام إلى مواد البطاريات، ثم إلى مراحل تصنيع أعلى.
كما اتجهت المبادرات المصاحبة إلى تدريب الشركات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات المالية المحلية حتى تستطيع الدخول في هذه السلسلة، بدل أن تبقى الصناعة حكرًا على الشركات الدولية الكبرى. وهنا تظهر الفكرة الأهم في مستقبل إفريقيا الاقتصادي. القارة لا تحتاج فقط إلى المزيد من المناجم، بل تحتاج إلى شركات إفريقية حول المناجم: شركة تصنع قطعة غيار، وأخرى تقدم خدمة هندسية، وثالثة تنتج الكابلات أو المواد الكيميائية، وجامعة تدرب الفنيين والمهندسين، وبنك يستطيع تمويل المورد المحلي، ومعمل يختبر الجودة، وشبكة كهرباء تتحمل المصانع الجديدة. بهذه المنظومة يتحول النحاس والكوبالت من مورد طبيعي إلى اقتصاد. أما إذا ظل النشاط عبارة عن استخراج الخام ونقله إلى الميناء، فستظل الثروة كبيرة على الورق، بينما يبقى أثرها التنموي أقل بكثير من إمكاناتها. فالقيمة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الأطنان التي تخرج من الأرض، بل بعدد الوظائف الجيدة التي تُخلق، والشركات المحلية التي تنمو، والمهارات التي تتراكم، والتكنولوجيا التي تنتقل، والضرائب التي تبقى، وقدرة الاقتصاد على إنتاج سلعة أعلى قيمة من الخام الذي بدأ منه. ولا ينبغي كذلك التعامل مع الكوبالت باعتباره «ذهبًا مضمونًا إلى الأبد». فالتكنولوجيا نفسها تتغير. بعض شركات البطاريات تتجه إلى تركيبات تقلل استخدام الكوبالت أو تستغني عنه، بينما تتوسع تقنيات أخرى في الاعتماد على معادن مختلفة. وهذا يعني أن ارتفاع قيمة معدن اليوم لا يضمن احتفاظه بالموقع نفسه بعد عشرين عامًا. ومن هنا تظهر خطورة التأخر: نافذة الطلب الحالية قد تكون فرصة تاريخية، لكنها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. وهذه ربما أهم رسالة ينبغي أن تدركها الدول الإفريقية: المورد يعطيك نافذة زمنية، لا شيكًا مفتوحًا. فإذا استُخدمت طفرة الطلب الحالية في بناء المصانع والمهارات والشركات والبنية التحتية والتكنولوجيا، يمكن أن تتحول الثروة المعدنية إلى قوة طويلة الأجل. أما إذا ضاعت السنوات في تصدير الخام فقط، فقد يتغير السوق أو تظهر تكنولوجيا بديلة قبل أن تتغير بنية الاقتصاد المحلي. ولهذا فإن سباق النحاس والكوبالت ليس سباقًا بين شركات التعدين وحدها، بل بين استراتيجيات التنمية. من يستطيع أن يتحول من استخراج الخام إلى تكريره؟ ومن التكرير إلى التصنيع؟ ومن التصنيع إلى التكنولوجيا؟ ومن الاعتماد على الشركات الأجنبية إلى بناء موردين وشركات محلية؟ ومن سوق وطنية صغيرة إلى سلسلة قيمة إفريقية تمتد عبر الحدود؟ هذه الأسئلة ستحدد في النهاية ما إذا كان النحاس والكوبالت سيصبحان بالفعل «ذهب إفريقيا الجديد»، أم مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من تصدير الثروة واستيراد القيمة. وفي عالم أصبحت فيه المعادن جزءًا من الأمن القومي والصناعي، تملك إفريقيا ورقة تفاوضية ربما لم تتوافر لها بهذا الوضوح من قبل. لكن الورقة الأقوى ليست أن تقول للعالم: لدينا الكوبالت والنحاس. الورقة الأقوى أن تستطيع بعد سنوات أن تقول: لدينا المعدن، ولدينا الطاقة، ولدينا المصانع، ولدينا المهندسون، ولدينا الشركات التي تعرف كيف تحول هذه الثروة إلى منتجات يحتاجها العالم. عندها فقط لن يكون النحاس والكوبالت مجرد «ذهب جديد» تحت الأرض، بل قاعدة لقوة اقتصادية إفريقية جديدة فوقها.
ظهرت المقالة “النحاس والكوبالت”.. ذهب إفريقيا الجديد في سباق الاقتصاد العالمي أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة ldquo النحاس والكوبالت rdquo ذهب إفريقيا الجديد في سباق الاقتصاد العالمي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ النحاس والكوبالت ذهب إفريقيا الجديد في سباق الاقتصاد العالمي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، “النحاس والكوبالت”.. ذهب إفريقيا الجديد في سباق الاقتصاد العالمي.
في الموقع ايضا :