كتب - زياد فرحان المجالي لا يمكن قراءة الانتقال الأميركي إلى العقوبات باعتباره اعترافًا مبكرًا بفشل العمل العسكري، كما لا يمكن اعتباره انتصارًا عسكريًا مكتملًا. الأدق أن القوة العسكرية أدّت وظيفتها الأولى: غيّرت الوقائع، رفعت الكلفة، ودفعت الصراع نحو طاولة التفاوض، لكنها لم تنتج حتى الآن الحسم السياسي الذي كانت واشنطن تبحث عنه. وهنا يمكن استحضار الفكرة الكلاسيكية لكلاوزفيتز بأن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى؛ فالقصف ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لانتزاع نتيجة سياسية، وعندما يصل العمل الجوي والبحري إلى نقطة يصبح فيها تكرار الضربات أقل قدرة على إنتاج نتائج مختلفة، تبدأ الدولة في البحث عن أداة أخرى للضغط. ومن هذه الزاوية تحديدًا تكتسب محطة كامب ديفيد أهميتها. فالسؤال الأميركي لم يعد فقط: ماذا نستطيع أن نقصف؟ بل أصبح: ماذا سيحقق القصف الإضافي؟ فإذا كان الانتقال إلى حرب برية واسعة غير مرغوب فيه بسبب كلفته العسكرية والسياسية الهائلة، فإن الخيار الطبيعي يصبح توسيع ميدان الحرب نفسه، بحيث يدخل الاقتصاد والمال والتجارة والطاقة في صلب المعركة. هنا يدخل وزير الخزانة غرفة العمليات إلى جانب وزير الحرب؛ فالعقوبات ليست إعلان سلام، ولا تعني أن واشنطن تخلت عن القوة، بل تعني أن أدوات الحرب يعاد توزيعها وفق حسابات الكلفة والعائد. بهذا المعنى، لم تنتقل الحرب من الميدان إلى الاقتصاد، بل اتسع الميدان حتى أصبحت الخزانة جزءًا من غرفة العمليات. فالقوة العسكرية تبقى في الخلفية، لكنها لم تعد الأداة الوحيدة ولا بالضرورة الأداة الأكثر إنتاجية في كل مرحلة. والولايات المتحدة تحاول الآن أن تجعل الضغط الاقتصادي قادرًا على تحقيق ما لم تستطع الضربات وحدها أن تنتزعه سياسيًا، خصوصًا إذا كان تكرار العمليات العسكرية يرفع الكلفة من دون أن يضمن نتيجة مختلفة. لكن الاختبار الأميركي هذه المرة لا يتعلق بإيران وحدها. واشنطن تختبر أيضًا قدرتها على إدارة شبكة تحالفاتها، وفرض كلفة على الدول والشركات والمصارف التي تريد مواصلة التعامل مع طهران. وهنا تكمن العقدة الحقيقية؛ لأن العالم الذي استطاعت فيه الولايات المتحدة قبل عشرين عامًا فرض قواعد مالية شبه موحدة لم يعد العالم نفسه اليوم. الصين وروسيا وقوى أخرى ترفض، من حيث المبدأ، تحويل العقوبات الأميركية الأحادية إلى قانون دولي ملزم، لكنها في الوقت نفسه لا تتحرك فقط وفق الشعارات السياسية، بل وفق حسابات الربح والخسارة والوصول إلى الأسواق والنظام المالي العالمي. لذلك فإن نجاح العقوبات لن يُقاس بعدد الأسماء التي تضعها وزارة الخزانة على قوائمها، ولا بحجم البيانات التي تصدرها واشنطن، بل بقدرتها الفعلية على جعل التعامل مع إيران أكثر كلفة من التخلي عنها. إذا استطاعت الولايات المتحدة إقناع الشركات والبنوك والمشترين بأن ثمن الاقتراب من السوق الإيرانية يفوق العائد منها، فإن العقوبات تكون قد تحولت من أداة رمزية إلى سلاح استراتيجي. أما إذا نجحت طهران في بناء قنوات بديلة، أو إذا قررت قوى كبرى تحمل الكلفة السياسية والمالية لمواصلة التعامل معها، فإن قدرة واشنطن على الخنق ستتراجع مهما اتسعت قوائم العقوبات. وفي المقابل، تجري داخل إيران عملية لا تقل أهمية. فالحرب لا تنتج فقط خسائر ميدانية، بل تعيد تشكيل دوائر القرار نفسها. ومع تصاعد وزن المؤسسة العسكرية والأمنية في إدارة الدولة خلال الأزمات، تدخل إلى قلب الحسابات السياسية قيادات لا تعرف فقط معنى القوة، بل تعرف أيضًا حدودها وكلفتها. ومن هنا فإن الحديث عن مرونة إيرانية محتملة لا ينبغي أن يُفهم تلقائيًا باعتباره انتصارًا للإصلاحيين على المتشددين؛ فالبراغماتية هذه المرة قد تأتي من داخل المؤسسة التي خاضت الحرب نفسها. وجود شخصيات من وزن محسن رضائي، إلى جانب خبرة المؤسسة العسكرية والأمنية المتراكمة داخل دوائر صنع القرار، يعني أن من يعرف الميدان يعرف أيضًا متى يبدأ العائد من التصعيد بالتراجع. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الحرس الثوري ليس مؤسسة عسكرية معزولة عن الاقتصاد الإيراني، بل يمتلك خبرة واسعة في قطاعات اقتصادية واستثمارية وبنى تحتية وشبكات إنتاج وتجارية، ولذلك يدرك بصورة مباشرة ماذا يعني استمرار الحصار، وتعطل حركة الأموال، وتراجع التجارة، وضيق المنافذ أمام الاقتصاد، وتزايد الضغط الاجتماعي في الداخل. وهنا قد تظهر مفارقة تبدو للوهلة الأولى غير مألوفة: المؤسسة الأكثر تشددًا عسكريًا قد تكون هي نفسها الأكثر قدرة على اتخاذ قرار براغماتي عندما تصل إلى قناعة بأن استمرار التصعيد يهدد ما تريد حمايته أصلًا. فالحفاظ على النظام لا يعني دائمًا مواصلة المواجهة بلا سقف، وقد يحتاج أحيانًا إلى التراجع خطوة، أو إعادة ترتيب الأولويات، أو القبول بتسوية جزئية تمنع تحول الضغط الخارجي إلى أزمة داخلية أعمق. لكن المرونة المحتملة لا تعني استسلام إيران، تمامًا كما أن انتقال واشنطن إلى العقوبات لا يعني هزيمتها. الطرفان يبحثان عن صيغة تسمح لكل منهما بالحفاظ على الحد الأدنى من صورة القوة أمام الداخل. الولايات المتحدة لا تريد أن تبدو وكأنها أوقفت التصعيد لأنها عجزت عن الحسم، وإيران لا تريد أن تبدو وكأنها ذهبت إلى التفاوض لأنها كُسرت. ولذلك تصبح اللغة السياسية، وشكل الوساطة، وتسلسل الخطوات، وحتى أسماء الملفات التي تبدأ منها المفاوضات، جزءًا من هندسة المخرج نفسه. ومن هنا تظهر فلسفة الوساطات الجديدة: لا تحاول حل الحرب كلها بضربة واحدة، بل فككها إلى ملفات يمكن اختبار التفاهم حولها تدريجيًا. ابدأ بما يمكن احتواؤه، مثل هرمز، وخفف التصعيد في ملف محدد، وافتح ممرًا تفاوضيًا ضيقًا، ثم انتقل إلى العقوبات أو الترتيبات الأمنية، واترك الملف النووي أو الصواريخ أو الجبهات الإقليمية الأصعب إلى مرحلة لاحقة. بهذه الطريقة لا يصبح الاتفاق الشامل شرطًا لوقف كل أشكال التصعيد، بل يمكن بناء تفاهمات جزئية تخفض الكلفة وتمنع الانزلاق مجددًا إلى مواجهة أوسع. في المقابل، تميل طهران أحيانًا إلى إعادة جمع الملفات في صفقة واحدة: هرمز، اليمن، لبنان، العقوبات، الضمانات الأمنية، وربما الملف النووي والصاروخي. هذا يمنحها نظريًا أوراقًا تفاوضية أكثر، لكنه يحمل مخاطرة واضحة؛ فكل ورقة إضافية توضع على الطاولة تزيد من تعقيد الصفقة، وكل ملف جديد يفتح بابًا لخلاف جديد. وهكذا قد تتحول قوة الأوراق إلى عبء إذا أصبح ثمن جمعها كلها هو استحالة التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ. لذلك لا تبدو المرحلة الحالية نهاية للحرب، بقدر ما تبدو إعادة توزيع لأدواتها. القوة العسكرية لم تختفِ، لكنها انتقلت إلى الخلفية. العقوبات تقدمت إلى الواجهة. هرمز بقي ورقة ضغط مركزية. والوسطاء يحاولون شراء مساحة سياسية بين أطراف ما زال كل منها يريد تحسين موقعه قبل تقديم أي تنازل. ومن هنا تصبح المعادلة أكثر وضوحًا: أميركا لم تتخلَّ عن القوة لأنها فشلت، بل لأنها وصلت في هذه المرحلة إلى حدود العائد الممكن منها. وإيران لم تذهب إلى التفاوض لأنها استسلمت، بل لأنها بدأت تدرك أن الصمود العسكري لا يلغي خطر الاختناق الاقتصادي، وأن القدرة على تحمل الضربات لا تعني بالضرورة القدرة على تحمل سنوات من الحصار والضغط المالي والتجاري. وهكذا لم تعد المعركة تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي يمكن إطلاقها أو الأهداف التي يمكن قصفها، بل بقدرة كل طرف على تحويل تحمّل الألم إلى قوة تفاوضية. فالحروب لا تنتهي دائمًا عندما يعجز أحد الأطراف عن القتال؛ أحيانًا تنتهي عندما يكتشف أحدهما أن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من ثمن التسوية. والسؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة لم يعد: من يستطيع أن يضرب أكثر؟ بل أصبح أخطر بكثير: من يستطيع أن يتحمل الكلفة أطول، ومن سيضطر أولًا إلى تحويل ما تحمله من ألم إلى تنازل سياسي؟ .
مشاهدة من القصف إلى حرب الخزانة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من القصف إلى حرب الخزانة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.