كتب - زياد فرحان المجالي – عمّان لم تكن القراءة التي قدمها المحلل الاستراتيجي الأميركي روبرت كاجان أخيرًا في مجلة «ذا أتلانتيك» مجرد محاولة جديدة للإجابة عن السؤال التقليدي: من انتصر ومن هُزم في حرب إيران؟ الأهم أنها فتحت الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بإحدى المسلمات التي حكمت التفكير الأميركي والإسرائيلي لعقود: هل يكفي التفوق العسكري والتكنولوجي لصناعة حسم سياسي وإعادة تشكيل المنطقة؟ ما كشفته الحرب أن الإجابة لم تعد بهذه البساطة. إيران تلقت ضربات عسكرية واقتصادية قاسية، وخسرت جزءًا من قدراتها ودفعت كلفة مرتفعة، لكن خصومها لم يستطيعوا تحويل تفوقهم العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية. ومن هنا تظهر المفارقة التي قد تصبح مفتاح المرحلة المقبلة: ليس مطلوبًا أن تنتصر عسكريًا حتى تمنع خصمك من الانتصار سياسيًا. وهذا بالضبط ما يجعل مضيق هرمز أكثر أهمية من كثير من ساحات القتال. فحين انتقلت المواجهة من استهداف المنشآت العسكرية إلى الممرات والطاقة، تغيرت معادلة القوة. لم يعد السؤال من يمتلك الطائرة الأحدث والصاروخ الأدق، بل من يستطيع أن يجعل استمرار الحرب أكثر كلفة على الجميع: عبر أسعار الطاقة، وتأمين السفن، وحركة التجارة، وسلاسل الإمداد، وقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل اضطراب طويل. وأظهرت الضربات التي طالت منشآت الغاز في رأس لفان بقطر أن النار لم تعد محصورة داخل الحدود الإيرانية أو في الأهداف العسكرية المباشرة. الرسالة كانت أخطر: أي توسع للحرب يستطيع الوصول إلى شرايين الطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. من هذه اللحظة تحوّل هرمز من ممر جغرافي إلى أداة ردع. لكن ينبغي التمييز بدقة بين السيادة القانونية والسيطرة الاستراتيجية. فإيران لا تملك المضيق قانونيًا، ولا تستطيع تحويله إلى مياه إيرانية خالصة، لكنها استطاعت أن تجعل قدرتها على تعطيل الملاحة عاملًا لا يمكن تجاهله في أي قرار عسكري ضدها. وهذا هو التحول الحقيقي. فالردع الإيراني لا يحتاج إلى إغلاق هرمز نهائيًا؛ لأن طهران نفسها تحتاج إلى التجارة والطاقة والممرات. ما تحتاج إليه هو امتلاك القدرة على فتح الصنبور وإغلاقه جزئيًا، ورفع الكلفة بما يكفي لجعل العواصم الأخرى تحسب ثمن الحرب قبل أن تبدأها. بمعنى آخر، انتقلت إيران من محاولة موازنة خصومها بالقوة العسكرية المباشرة فقط إلى استخدام قوة المنع: منع الخصم من الوصول إلى انتصار رخيص، ومنعه من ممارسة تفوقه بلا أثمان مضادة. وهنا تبدأ المشكلة الأميركية. فجانب كبير من النفوذ الأميركي في الخليج بُني على معادلة مستقرة لعقود: واشنطن تضمن أمن الطاقة، وتحمي حرية الملاحة، وتوفر المظلة العسكرية لحلفائها. وحين تظهر قوة إقليمية قادرة، ولو مؤقتًا، على تعطيل إحدى هذه الوظائف، فإن المسألة لا تعني سقوط الهيمنة الأميركية، لكنها تعني أن كلفة الاعتماد الكامل عليها أصبحت موضع حساب جديد لدى حلفائها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. ليس دقيقًا اعتباره تحالفًا موجهًا ضد إيران، ولا إعلانًا عن نهاية العلاقة مع الولايات المتحدة. قيمته الأعمق أنه يعكس اتجاهًا إقليميًا نحو تنويع مصادر الأمن. الدول لم تعد تريد مظلة واحدة ومفتاحًا واحدًا لأمنها. إنها تحتفظ بعلاقتها مع واشنطن، لكنها تبني في الوقت نفسه شراكات إقليمية، وتطور قدراتها الذاتية، وتفتح قنوات مع الخصوم، وتحاول ألا يصبح أمنها رهينة لقرار عاصمة واحدة. يمكن تسمية ذلك «الأمن المتعدد»: أميركا شريك، لكنها ليست الشريك الوحيد؛ الخصم قد يكون خصمًا في ملف وشريكًا في آخر؛ والتحالفات لم تعد كتلًا جامدة، بل شبكات مصالح متحركة. وهذه واحدة من أهم سمات الشرق الأوسط الذي يتشكل الآن. لا يعني ذلك أن القوة الأميركية انتهت، ولا أن إسرائيل فقدت تفوقها العسكري. الولايات المتحدة ما تزال صاحبة القدرات العسكرية الأكبر عالميًا، وإسرائيل ما تزال تتمتع بتفوق نوعي وتكنولوجي واستخباري واضح. لكن الذي تراجع هو شيء آخر: القدرة على استخدام هذا التفوق دون أن ينتج عنه رد فعل اقتصادي وسياسي واستراتيجي واسع. وهذه المعضلة أكثر حساسية بالنسبة إلى إسرائيل. عقيدتها الأمنية قامت تاريخيًا على نقل الحرب إلى أرض الخصم، وضرب التهديد قبل اكتماله، والحفاظ على حرية حركة عسكرية واسعة، وإنهاء المعارك سريعًا قبل أن تتحول إلى حروب استنزاف. لكن ماذا يحدث عندما لا يأتي الرد فقط بصاروخ على مدينة، بل بارتفاع أسعار النفط، وتعطل الملاحة، واضطراب التأمين، وتهديد منشآت الطاقة، وإرباك الأسواق؟ عندها يصبح الانتصار العسكري نفسه بحاجة إلى حساب اقتصادي. قد تنجح ضربة جوية خلال ساعات، لكنها تفتح أزمة طاقة تمتد أشهرًا. وقد تدمر عملية عسكرية منشأة استراتيجية، لكنها في المقابل تهدد ممرًا بحريًا ترتبط به اقتصادات عشرات الدول. وهكذا تعود الجغرافيا لتفرض حدودها على التكنولوجيا. الشرق الأوسط الجديد ليس شرق أوسط انتصار إيراني مطلق، كما أنه ليس شرق أوسط انهيار أميركي أو إسرائيلي. الأدق أنه إقليم بدأت فيه قوة المنع تنافس قوة الحسم. فالطرف الأضعف عسكريًا لا يحتاج دائمًا إلى هزيمة الطرف الأقوى؛ يكفي أحيانًا أن يجعل كلفة انتصاره أعلى من الفائدة التي سيحصل عليها منه. وهذه معادلة مختلفة تمامًا عن مفهوم الردع التقليدي. لقد سقط إلى حد بعيد الوهم بأن القصف وحده يستطيع إعادة رسم الخرائط، وأن إسقاط القدرات العسكرية يعني تلقائيًا إسقاط الإرادة السياسية، وأن التفوق التكنولوجي يستطيع إلغاء الجغرافيا أو تجاوز الاقتصاد. بدلًا من ذلك، تتشكل منطقة تقوم على توازنات ردع متقاطعة، وتحالفات مرنة، ومصالح متناقضة، وقوى تستطيع إيذاء بعضها أكثر مما تستطيع إخضاع بعضها. لهذا فإن وصف إيران بأنها أصبحت «القوة المهيمنة» في المنطقة، كما تذهب بعض القراءات الأميركية، قد يكون مبالغًا فيه. فليس أمامنا انتقال بسيط من هيمنة أميركية إلى هيمنة إيرانية، ولا ولادة قطب إقليمي واحد جديد. ما يحدث أكثر تعقيدًا. إنه انتقال من نظام حاول فيه الأقوى فرض ترتيباته إلى نظام يملك فيه الآخرون قدرة متزايدة على تعطيل هذه الترتيبات أو رفع كلفتها. بكلمات أخرى، نحن لا نشهد ولادة زمن المنتصر الواحد، بل الدخول في زمن المساومة المسلحة. زمن يستطيع فيه الأقوى أن يضرب، لكن عليه أن يسأل قبل الضربة عن سعر النفط، ومضيق هرمز، وشركات التأمين، ومواقف الحلفاء، وردود الأسواق. وقد يظل يمتلك الطائرة الأفضل والصاروخ الأدق، لكن الجغرافيا ما تزال قادرة على تحديد سقف ما يستطيع أن يفعله بهما. .
مشاهدة إعادة تشكيل الشرق الأوسط عندما تسقط أوهام الحسم وتفرض الجغرافيا أحكامها
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ إعادة تشكيل الشرق الأوسط عندما تسقط أوهام الحسم وتفرض الجغرافيا أحكامها قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.