إن المجال الأكثر حاجة إلى التجديد هو مجال السياسة، فليس المقصود بالتجديد تغيير الوجوه لمجرد التغيير، ولا استبدال خطاب بآخر، وإنما الانتقال من ثقافة سياسية تستهلك طاقتها في التموقع والصراع إلى ثقافة تجعل من الكفاءة والإنجاز والمسؤولية معيارا للشرعية السياسية. فكلما ارتفع سقف طموحات الدولة، أصبح من الصعب أن تظل الممارسة السياسية محكومة بمنطق المرحلة السابقة. فلقد أصبح المغرب يحتاج إلى سياسة تشبه مغرب اليوم، لا إلى سياسة تستمر في التعامل مع مغرب الأمس.
الدولة تتغير.. والنخب مطالبة بمواكبة التحول
تتطلب المرحلة السياسية الراهنة التحذير من خطورة التراشقات والسجالات العقيمة بين الأحزاب السياسية، لأنها لا تفضي إلى إقناع المواطن بقدر ما تعمّق حالة العزوف وتدفع، على وجه الخصوص، بالشباب إلى الابتعاد عن العمل السياسي. فالشباب لا يحتاجون إلى خطاب يكرّس الصراع وتبادل الاتهامات، وإنما يحتاج إلى خطاب سياسي متفائل واقعي ومسؤول، ينتقل من منطق الشخصنة والشكوى إلى منطق تقديم الحلول والبدائل، ويجعل من البرامج الانتخابية عقودا واضحة وقابلة للقياس والمساءلة.
إن المطلوب في هذه الظرفية الراهنة هو برنامج سياسي يمكّن الشباب ولا يستدرجهم، يفتح أمامهم فرص التكوين والتشغيل والمقاولة والابتكار، ويشجع روح المبادرة الخلاقة والاقتصاد المنتج، ويمنحهم الثقة في قدرتهم على صناعة المستقبل. لذلك فاستقطاب الشباب لا يكون بالوعود السريعة ولا بالتراشق الحزبي، وإنما بإقناعهم بأن السياسة قادرة على إنتاج حلول حقيقية، وأن مشاركتهم ليست مجرد أصوات انتخابية، وإنما يشكلون طاقة مجتمعية ويشاركون في صنع القرار وهم أيضا شركاء في بناء مغرب المستقبل.
من شرعية المنصب إلى شرعية الإنجاز
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للمسؤول لا ينبغي أن تقاس بطول بقائه في موقعه، ولا بعدد المناصب التي مر بها، وإنما بما تركه من أثر في المؤسسة التي تحمل مسؤوليتها، هذه الثقافة هي التي تسمح ببناء دولة المؤسسات. أما حين يتحول المنصب إلى غاية، فإن السياسة تفقد تدريجيا معناها العمومي، ويتحول التنافس السياسي من تنافس حول المشاريع إلى تنافس حول المواقع، ومن البحث عن الحلول إلى البحث عن التموقعات، وهنا تصبح السياسة منفصلة عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في خدمة المجتمع وإدارة الاختلاف وصناعة المستقبل.
ولهذا فإن أزمة العلاقة بين الشباب والسياسة لا يمكن اختزالها في العزوف الانتخابي أو ضعف الانخراط الحزبي، فجذور المسألة أعمق من ذلك بكثير، وهي مرتبطة بصورة السياسة في الوعي الجماعي، وبمدى قدرة المؤسسات والنخب على إقناع المواطن بأن العمل العام يمكن أن يكون مجالا للإنجاز والاستحقاق وليس مجرد فضاء للصراع على المواقع.
تجديد الأحزاب قبل تجديد الخطاب
إن الحزب الذي لا ينتج أفكارا يتحول إلى تنظيم انتخابي. والحزب الذي لا يجدد نخبه يتحول إلى بنية مغلقة. والحزب الذي لا يفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة يخاطر بفقدان صلته بالمجتمع المتغير. لذلك فإن تجديد السياسة يبدأ من إعادة الاعتبار للفكرة السياسية، فمغربنا الحبيب لا يحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يجيدون وصف الواقع، بقدر حاجته إلى سياسيين يستطيعون تفسيره واقتراح البدائل لتغييره.
وهذا يعني أن السياسي المغربي يحتاج إلى أن يمتلك أفقا استراتيجيا، وأن يفهم موقع المغرب في محيطه الإفريقي والمتوسطي والدولي، وأن يدرك أن السياسة الداخلية أصبحت مرتبطة بصورة الدولة في الخارج، وأن الأداء المؤسساتي أصبح جزءا من القوة الناعمة للدولة. فالمغرب الذي يبني موقعا اقتصاديا ودبلوماسيا متقدما يحتاج إلى نخبة سياسية قادرة على مواكبة هذا الموقع معرفيا ومؤسساتيا وأخلاقيا.
السياسة التي يستحقها المغرب
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إنجاز المشاريع الكبرى، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج نخبة سياسية تتناسب مع حجم هذه المشاريع وطموحات المجتمع. ولهذا فإن اللحظة المغربية الراهنة تحتاج إلى عقد جديد بين السياسة والمجتمع؛ عقد تكون فيه الكفاءة أساسا للتقدم، والمساءلة شرطا للمسؤولية، والإنجاز معيارا للتقييم، والمصلحة العامة سقفا لا يجوز تجاوزه .لقد تغير المغرب، وتغير المجتمع، وتغير المواطن، وتغيرت أدوات الاتصال، وتغيرت طبيعة الدولة نفسها في علاقتها بالاقتصاد والمجتمع والعالم، ولذلك لا يمكن للسياسة أن تظل ثابتة.
لا تحتاج السياسة المغربية إلى مزيد من السياسيين فحسب، وإنما إلى مزيد من رجال ونساء الدولة؛ إلى نخب ترى في السلطة مسؤولية، وفي المؤسسة أمانة، وفي المواطن شريكا، وفي المستقبل مشروعا جماعيا، وهذا هو المستوى الذي يليق بمغربٍ يتغير بخطى ثابتة، ويمضي بثقة نحو المستقبل في ظل التوجيهات السديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ورؤيته الاستراتيجية لبناء مغرب حديث قوي ومتقدم.
– رئيس جامعة محمد الأول، وجدة
ارتقاء السياسة ونضج النخب Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة ارتقاء السياسة ونضج النخب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ارتقاء السياسة ونضج النخب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ارتقاء السياسة ونضج النخب.
في الموقع ايضا :